تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

من ملامح القصيدة العمودية في المشهد الشعري السعودي

من ملامح القصيدة العمودية في المشهد الشعري السعودي

عبدالله السمطي 

تتشكل قسمات المشهد الشعري السعودي اليوم من عدة أجيال ومن عدة اتجاهات شعرية، وهذا التشكل يسهم إلى حد بعيد في بقاء القصيدة متوهجة، على مستوى تواصل الإبداع الشعري وعلى مستوى تراكم صدور المجموعات الشعرية، لا على مستوى الحضور الإعلامي الثقافي بالضرورة. 

بالطبع هناك جيل الرواد، وما بعد الرواد، فما يزال أحمد الصالح ينشر تجاربه التي تتأرجح بين الشكلين العمودي والتفعيلي، كما نجد هذا الحضور لدى محمد العلي ، وسعد الحميدين، وعلي الدميني، ، وفوزية أبو خالد، وثريا العريض وبديعة كشغري  على سبيل المثال، كل حسب وجهته الشعرية. 

كما يواصل الشعراء من كافة الأشكال والأجيال إصدار دواوينهم، هكذا- على سبيل التمثيل- نجد لدى عبدالرحمن العشماوي، ومحمد المنصور، وحسن السبع، وحسن الزهراني، وعلي بافقيه، ولطيفة قاري، وأشجان هندي، وعلي الدميني ولطيفة قاري،  وهدى الدغفق، وعلي الحازمي، ومحمد حبيبي، ومحمد الحرز ، فيما ينضم إلى المدونة الشعرية بين الفينة والأخرى شعراء جدد، أو غير جدد. 

إن هذا الحضور وهذه الإصدارات تعطي مساحة من التراكم ومن التجدد ، كما تعطي تنوعا في القول الشعري في كافة الأشكال، ويبقى الأمر منوطا آنئذ بالنقاد والباحثين الذين يستقصون ما تنطوي عليه المدونة الشعرية من خواص وسمات.. 

ويهيمن الشعر العمودي أو القصيدة البيتية على مساحة كبيرة من التلقي في المشهد الشعري السعودي، وهو بطبيعته التطريبية الإنشادية الغنائية ، وبما ينطوي عليه من عناصر وسمات رومانتيكية ، ولحضوره التاريخي في شعريتنا العربية يظل هو الصورة الأولى لدى متلقي الشعر، أو الصيغة الافتراضية الأولية المتوقعة لدى قارىء الشعر أو مستمعه الذي اعتاد على تلقي المعنى الغنائي البسيط، وعلى المضامين الحماسية أو حتى الرومانتيكية التي تصله من اقصر طريق ممكن. ولأن علاقة هذا الشكل بالمنبر علاقة شرعية تحددها قواعد الإلقاء، والصوت، والخطابة، وتحددها نواميس الإنشاد والتواصل مع الجمهور، فإن حضورها مايزال طاغيا بالمقارنة بالشكلين الآخرين. 

لكن السؤال الذي يواجهنا هنا : ما هي الوضعية الفنية والإبداعية لهذه القصيدة في مشهد الشعرية السعودية؟ وما هي أبرز القيم الجمالية الجديدة التي تقدمها؟ وما خواصها؟ وأين تقع هذه القصيدة بين مفهومي : التقليد والجدة؟ وهل هي قصيدة تقليدية أم جديدة أم في منزلة بين المنزلتين؟ 

في الواقع . إن القصيدة العمودية البيتية في الشعر السعودي لا تجد مساحة كبيرة للتجديد والتجريب، فأغلب من يكتبونها يكتفون بما حققوه من إنجازات حماسية مناسباتية ( العشماوي مثلا) أو إنجازات رومانتيكية ونزارية (الصالح ( مسافر مثلا) أو حتى ممن يتمثلون شعرية الطبيعة وجمالية المكان فيما نرى في شعر حسن الزهراني، وإبراهيم طالع ، وإبراهيم شحبي، وأحمد التيهاني ومحمد يعقوب على سبيل المثال. 

وبنوع من الإيجاز ستتجه القراءة إلى مجموعة ممن يكتبون قصيدة عمودية متجددة تجريبية : محمد مسير مباركي ( منسك للسريرة في حرم الرمل) و( تماهي منبت) ، جاسم الصحيح ( رقصة عرفانية) و( أوليمبياد الجسد) ، حسين العروي ( لم السفر نبوءة الخيول) ، وبعض قصائد محمد إبراهيم يعقوب في ( تراتيل العزلة) ، وحسن الزهراني في ( تماثل)) . 

بشكل مكثف سأشير إلى بعض النماذج : و 

- حسين العروي من قصيدة :" فتح" 

تبرعمتُ عمرا في شميم عرارة وحيدا على قفر يروعني الجدبُ 

تجففني في مقلتيها قصائد خزامية .. والليل في لغتي يحبو

وتمطرني الريح .. الرمالُ تغوص بي وتحضنني حزنا يلونها الحب

وئدتُ، ووأدي في عيوني قصيدة جحيمية .. والنارُ في عشقنا دربُ

جوادي انطفاء الضوء، والبدر قبلة تذوبني .. والحرف في معملي قلبُ 

جاسم الصحيح: من : وطن لاسمي المشرد: 

خذني بفأسك أخذة الرحماء فأنا هنا صنم من الأهواء

تتحلق الرغبات حولي مثلما يتحلق العُبّاد حول دعاء

هذي سلالتي التي بهمومها أشعلت كل خلية بدمائي

العاشقون هم نسيج عباءتي والمتعبون همُ خيوط ردائي

والشمس دمعتي التي سقطت على خد السماء حزينة الأضواء

جسد الرياح لبسته في غربتي فصحت منافي الأرض في أشلائي

ملقى على سرج المتاهة أقتفي اسمي المشرد خارج الأسماء

كم أخطأت بلقيس رؤية صورتي في العشق وانخدعت بماء حيائي

لم ألق في قصر الأنوثة شرفة يغفو عليها نرجسي ومسائي

وأنا الذي من فرط ما أنا عاشق خلت النساء جميعهن نسائي

شفتاي بيت من بيوت الله لم يبرح يربي لهجة الأحساء

كبرت معي اللثغات مثل ملابسي ونمت معي الكلمات مثل شقائي

 

حسن الزهراني : من ديوان ( صدى الأشجان) من قصيدة :" بشراك يا قلمي" : 

لم يبق في كفي سوى قلمي فما جدوى اليراع وقد فقدتُ دواتي

فحملته ومضيت في درب الأسى ورأيت في قسماته قسماتي

شاهدتُ نفسي في بريق دموعه في وجنتيه تلألأت مرآتي

وكأنما قلمي أحس بلوعتي وتغلغلت في روحه مأساتي

فمضى يشاطرني الهموم مكابرا ويمسح العبرات من وجناتي

قد كاد يقضي نحبه ظمأ ولم يشكُ المصاب وقد تقمص ذاتي

فغرزتُ في وسط الوريد لسانه وسقيته بدمي ونبض حياتي 

لأرد بعض جمبله ولعله يتلو على سمع الهوى آهاتي 

 

في شعر العروي أنماط من التناص والتضمين، والثنائيات الضدية ، أو ثنائيات التكامل، وهناك اشتقاقات ونحت لغوي في قصائد " الأماكن القديمة" و" رثاء المطر" و" كيف تموت الأشجار" و" لواعج طفل قديم" فضلا عن الصور المبتكرة المتجاورة في البيت الشعري الواحد، واستثمار آلية القطع والوصل كما في قوله: 

 

" هذي سبيلي" .. متاهات مبعثرة على الحروف .. وموج يزرع الأبدا

" لوني " رموز .. فلا تستبطنوا " لغتي" حتم علي " رحيلي المر" منفردا

آمنت أن شقائي .. قصتي بدأت من النهايات .. تشخيص الضلال هدى

ضوئي المساءُ ضريرا .. إن أمنيتي بيدٌ عبيرٌ .. وبعض الأمنيات سدى

غدا أسافر .. قد يأتون بعد غد يستفهمون .. فلا تستقبلوا أحدا 

ويتسم شعر الصحيح باستثمار العلاقات بين الألفاظ والدوال، إنه يقوم بتوليد صوره الشعرية من خلال ما أسميه " مملكة الدلالة " في البيت الشعري ، بمعنى أن توليد الصورة الشعرية يتم بمجرد ذكر لفظة أو دالة أو أكثر، وتتأدى الصورة من الدلالات التي تهبها هذه اللفظة أو تلك، سواء كانت دلالات مترادفة أم متضادة، وهو ما يقوم به الصحيح في معظم قصائده التي لا تنجو أيضا من مسألة التراكم التقليدي في أبيات عدة لديه ، خاصة تواتر المفردات عبر العطف، أو إكمال القوافي المتوقعة. 

ويولد محمد مباركي شعريته من خلال توظيف العناصر التراثية، والمفردات الحوشية في شكل علاقات شعرية جديدة، وهو ما يجربه بإتقان في ديوانه نبوءة، وما يقدمه مباركي يندرج في سياق التجارب الشعرية العربية التي تلعب على هذه التقنية كما نجد في شعر حسن طلب، ومحمد أبو دومة في مصر ، وناتج هذه التقنية أنها تحقق قدرا كبيرا من المفارقة اللفظية واللغوية خاصة إذا تم التجاور بين اللغة الشعرية القديمة المهجورة وبين مفردات اللغة الشعرية الحديثة، كما أن هذه التقنية الموسعة تعطي قدرا من التواصل الزمكاني بين الشعرية القديمة والشعرية الحديثة، وتصبح الفواعل التناصية هي المهيمنة في بنى القصيدة حتى يصل التناص ما بين مفردة وأخرى، وبين سياق بيتي وآخر. 

وفي شعر حسن الزهراني يستند على أجواء الطبيعة، ، والقرية، وهو شعر سهل طيع، سلس، يزهد في الصور المركبة، ويشاقق التجريب مع اللغة الشعرية، إنه يكتفي بإيصال المعنى المباشر الطيع، مع ذلك تنتثر بين طيات أبياته ما يسمى في البلاغة العربية:" بيت القصيد" ، حيث نعثر على هذا البيت أو الأبيات منثورة داخل قصيدته قد يأتي في المطلع أو في المنتصف أو في النهاية، وتظل الأبيات الأخرى بمثابة الوصيفة للمملكة، أو بمثابة الأنهار التي تجري صوب مصبها . 

من ملحمة العشق: 

حوريتي في وجنتيك مرابعي لاحت وقلبك خيمتي وحصيري

عيناك لؤلؤتان من نور المنى صاغت عصاي ونخلتي وبعيري

 

أو قوله من قصيدة:" مازلت ملهمتي" : 

ليلاي لن أنسى هواك فعذبي قلبي فما تؤذي القتيل جراحُ

يا من فتحت لمهجتي كون الهوى وتهامست برحيقك الأقداحُ 

إن القصيدة العمودية أو البيتية السعودية، تحقق انتشارها المنبري ، المناسباتي، الحدثي، لكنها لا تلتفت كثيرا إلى التجريب والتجديد إلا من خلال هذه النماذج ، وهو كما نرى من وجهة كمية تجريب بسيط، بالمقارنة بالأعداد الشعرية الوفيرة التي تكتب في أفق هذا الشكل.. 

 

 

 


من ملامح القصيدة العمودية في المشهد الشعري السعودي
Ehsan Logo