علاقة المراهق بالثقافة المدرسية
الزبير مهداد
تعد المراهقة مرحلة أساسية من مراحل النموّ ، بل هي أهم المراحل وأدقها ، لأنها بمثابة قنطرة مرور من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد التي يتم فيها إنضاج الملامح المميزة للذكورة أو الأنوثة، فالمراهق لم يعد طفلًا ، ولم يصر رجلًا بعد، لكن في ذاته تمتزج الطفولة والرشد في آن واحد .
واليوم ونتيجة تعقد الحياة العصرية والتطور الهائل الذي لحق كل مظاهرها وجوانبها، وأمام تعدد وتنامي مسؤوليات الأسرة وواجباتها لأجل تلبية شروط الحياة ومتطلباتها . تؤدي المؤسسة المدرسية مهام متعددة للعناية بالنشء واحتوائه وتربيته وتلبية كثير من حاجاته النفسية والعاطفية والعقلية التي كانت تسهر الأسرة على تلبيتها ، فاستبدل الأطفال ذكورًا وإناثًا، منذ سنينهم المبكرة ، حضن الأسرة بحضن المدرسة ، وأضحى الأطفال يعيشون العشرين سنة الأولى من عمرهم في الفضاء المدرسي بعدما جعلت معظم الدول التمدرس إلزاميًّا إلى سن 18 من عمر الناشئ وأصبحت المؤسسة المدرسية تكتسي أهمية خاصة وتحتل موقعًا أساسيًّا في حياة المراهقين .
ثقافة الصورة الحديثة:
المراهق مرتبط بواقعه المادي الملموس، وفي الوقت نفسه فإنه يولي اهتمامًا خاصًّا بعالم الصورة في علاقاته بهذا العالم الملموس، لأن طغيان الجانب العاطفي على شخصيته يجعله في هذه المرحلة منفتحًا على الرموز وعلى كل ما يثير الخيال، لذلك تبقى لغة الوسائل السمعية البصرية هي أنسب اللغات لسيكولوجيا المراهق، فهي تزوده بالمعلومات عن عوالم شتى بشكل محبب له ، وتجعله على اتصال تام بالعالم، وتثري خيالاته وتثير استيهاماته أيضًا.
هذا التعلق بالصور يشبع لديه الميل إلى أحلام اليقظة الذي يبرز بقوة وجلاء في هذه الفترة . هذه الأحلام تتمحور حول المشكلات والتطلعات والحاجات التي تقلقه ، فيلجأ المراهق لا شعوريًّا إلى إشباعها، ويمكنه نموه العقلي من ذلك حيث يسمح له بالهروب بعيدًا في عالم الخيال، فيرى نفسه لاعبًا مشهورًا أو بطلًا لا يشقّ له غبار .
ساهم في تقوية هذا الميل التطور الهائل الذي شهده قطاع الاتصال والإعلام الإلكتروني في العصر الحديث الذي هيأ كل الشروط لأن تهيمن الصورة على كل وسائل ومصادر الاتصال وأوعية المعلومات التي تسعى وراء الصورة إنتاجًا وتوظيفًا وتطويرًا، لذلك فهناك منافسة شديدة بين الهيئات الاتصالية لتوظيف الصور ضمن الرسائل الاتصالية وعبر الوسائل المتنوعة إشباعًا لحاجاتٍ شتى ، ليس عبر التليفزيون فقط، بل عبر كل القنوات الإلكترونية كالحاسوب وشبكة الإنترنت، هذه الوسائط تدخل البيوت التي يتواجد فيها المراهقون أسرع من دخولها إلى مكان آخر، لأن المراهقين أكثر الكائنات التصاقًا بها واستهلاكًا لبرامجها، بل تنشأ لديهم ثقة عمياء بها واستعداد لتقبل ما يعرض فيها، ويتلقون منها الكثير من الأفكار والمعاني التي تدعم بعضها، بالرغم من المخاطر التي قد تنشأ عن الاستغراق فيها، ومنها إضعاف درجة الاتصال العائلي، بل قد تخرب الوئام العائلي وتنسفه، ويصاحبه الاستغراق فيها ابتعاد فعلي للطفل عن الواقع ، فالجيل الذي خضع منذ الميلاد إلى تأثير الوسائط المتعددة هو حتما مختلف عن جيلنا نحن، الذي نشأ في أحضان حكايات الجدة، والجلسة العائلية الملتئمة حول الراديو أو الفونونغراف .
إلا أنه يجب التنويه بفضل وسائل الإعلام المتعددة الوسائط التي تتيح للتلاميذ أن يعيشوا في وسط حقل معرفي أكثر غنى من كل ما يمكن أن يقدمه لهم التعليم التقليدي الذي تخلف عن الركب الحضاري المعاصر مقارنة مع التكنولوجيا الحديثة في الإعلام والاتصال التي توفر للطفل المعلومات المفيدة في قالب ممتع وجميل، فهذه الوسائط لها دور في التعلمات التي يكتسبها التلميذ، بشكل يساهم في إطلاق إبداعاتهم مع ضمان حرية الرأي والتعبير لديهم، بخلاف التعلم المدرسي الكئيب، حتى أضحى التلاميذ اليوم يطالبون باعتماد الملخصات والدروس المنشورة في شبكة الإنترنت.
خلف ظهور هذه الوسائل الأثر الواضح على مكانة الدرس التقليدي المعتمد على محاضرة الأستاذ وعلى الكتاب المدرسي حيث سجل تراجع استعمال الصحف والمجلات في السنوات الأخيرة ، وهكذا فالمراهق عموما لا يهتم بهذه الأوعية التي لم تعد مشوقة ومثيرة لاهتماماته، ولم تعد مصدرًا وحيدًا للمعرفة التي أصبح يمتحها من خلال وسائل الإعلام التي جعلت معظم العمليات التربوية تتم خارج الفصل الدراسي في جو من الحرية وبطرق عقلانية تفاعلية، تتلاءم مع درجة نموه العقلي وذكائه، فهو لم يعد طفلا، بل أصبح قادرًا على القيام بكثير من العمليات العقلية العليا كالتفكير والتذكر القائم على الفهم، والاستنتاج وغير ذلك، كما نمت قدراته العقلية الخاصة كالقدرة الرياضية التي تمكنه من التعامل مع الأعداد، والقدرة اللغوية والدقة في التعبير والقدرة الميكانيكية والفنية، وازدياد قدرته على الانتباه والتركيز بعد أن كانت محدودة في الطفولة، فأصبح المراهق يطالب بالدليل على حقائق الأمور ولا يقبلها قبولا أعمى مسلما به.
الثقافة ال

