تجربة الــلاوعـــي فـي الشعر
بقلم د. وليد قصاب
تتحمَّس بعض المدارس الأدبية الحديثة لتجربة اللاوعي، وتعدُّ ما يصدر عنها في ذروة سنام الفن، وهي ترى أن تحرير اللاشعور من المختزن فيه هو جوهر التجربة الأدبية.
كان (فرويد) اليهودي وتلامذته- من أمثال: (يونج) و (إدلر) - يشيعون في بحوثهم فكرة أن العقل البطن مصدر أساس من مصادر توجيه السلوك البشري ، ثم أكملت هذه الأوهام المدرسة السريالية، فأنكرت الواقع - بالمعنى المألوف - إنكاراً كلياً، وعدَّته زائفاً، وراحت تعاديه، وتدعو إلى تحرير الإنسان وفنّه تحريراً كاملاً من ربقة العقل، والشعور الواضح، والمنطق المترابط، وتسقه عالم الأحياء; لأنهم أخلدوا إلى أعراف العقل، والحس، والمادة، وأساليب التفاهم واللغة، ولأنهم - من منطلق هذه الأوهام – قبلوا - عندما ارتضوا تلك الحدود والأعراف الضوابط - الرقَّ، وأساغوه .
وإن الخطوة الأولى نحو الإبداع الفني تقوم على رفض كل معطيات الحسّ والواقع والفهم والإفهام، وتحرير الخيال من ربقة العقل الواعي، حيث قال فيلسوفهم (كلوديل): (إن لعبة الشعر مع العقل كلعبة الهرّ مع الفأر، يكاد لا يطل هرّ العقل حتى تهرب فأرة الشعر..) (1),.
أن الشعر الحقيقي - في الوهم هؤلاء القوم - نتاج اللاوعي، وغيبة الشعور.
وهكذا تبنّت مدارس غريبة حديثة - وجدت لها من أبناء جلدتنا الذين يستضيئون بنار الأجنبي عشاقاً ومؤيدين - تجربة اللاوعي في الأدب، ففتح الباب على مصراعيه أمام كل شاذَّ هجين، وفشا طاعون الهلوسة والهذيان في نماذج كثيرة من شعر الحداثة، تخرج عن سلطان العقل، ورقابة الفكر، وضبط الشعور، وقيد الوعي.
وهذه - في رأينا - أفكار سقيمة لا تقبل في تجربة أدب مسؤول ; فتجربة الوعي هي الصفة التي ينبغي أن تسود هذا الأدب ; إذ لابد من سيطرة الشاعر على تجربته الفنية، وإن تتم تحت سلطان اليقظة ; لأن الكلمة مسؤولية، وهي في موطن المحاسبة الشديدة: [مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]، فإذا جمحت، أو أفلتت من سلطان الوعي، أوردت صاحبها موارد التلف، وكثيراً ما تجمح الكلمة - ولا سيمع عند الشعراء - فتهيم بهم في كلّ واد.
وقد شبّه الحُطيئة ذات مرة الشعر بالنملة تدبُّ على لسانه، فالكلمة قد تفلت - أو توشك - من سلطان الوعي وحراسته، ولكن الشاعر المسؤول يمتلك المقدرة على كبح الانفعال الشعر الجامح، وإذا تسلل (اللاوعي) إلى تجربته الفنية في أثناء لحظات الإبداع العارمة لم يستسلم له، وأعاد النظر في تجربته بعد أن يسكت عنه.
وانظر إلى هذا المفاهيم جميعها عن تجربة الوعي واللاوعي متمثلة في موقف سيدنا عمر بن الخطاب من النعمان ابن عدي والي ميسان.
بلغ سيدنا عمر شعر قاله النعمان يسقى فيه الخمر، وهو:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها
بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية
ورقصة تجثو على كلّ ٍمَنسم
فإن كنت ندماني فالأكبر اسقني
ولا تسقني بالأصغر المتثلّم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه
تنادمنا في الجوسق المتهدم
فقال سيدنا عمر : نعم والله ;إن يسوؤني، من لقيه فليخبره أنى قد عزلته.
وقال النعمان عندما قدم على سيدنا عمر : والله ما شربتها قط، وما ذاك إلا شيء طفح على لساني. فقال سيدنا عمر أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً، وقد قلتَ ما قلتَ (2).
إن سيدنا عمر يدرك أن الشعر قد «يطفح» على اللسان، ولا يملك له الشاعر ضبطاً، ولكن غيبة الوعي وسيطرة هذا الطفح يمثلان شرخاً في الرؤية الفكرية السليمة لدور الكلمة ويكون هذا الشرخ أعمق ضرراً إذا صدر عن مسؤول يفترض أن يكون قدوة كواليٍ ميسان.
إن انفعال الشاعر بتجربته قد يكون شديداً جداً، وقد تجمح به العاطفة، أو يشطّ به الخيال، وقد يقذف على لسانه إذا استجاب لأول بادرة عاطفية غلوّ في القول، وتزيد في التصوير، وذلك كل شيء طبعي معروف يقع تحت سلطانه كل شاعر أو أديب، ولكن الفرق بين تجربة أديب مسؤول وتجربة أديب غير مسؤول أن تجربة الأول تخضع للمراقبة والمراجعة، وتخضع على للتدبيل والتغيير، والحذف والذكر، وصاحبها لا يضن عند المراجعة أن يطرح ما قد يفسد رؤيته الفكرية مهما كان جميلًا من الناحية الفنية.
وقد تحدث عدد من الشعراء عن تسرُّب اللاوعي إلى إبداعهم، فتسرُّب اللاوعي إلى إبداع الأديب حقيقة لا نزاع فيها.
أشار جرير مرة عندما أُخذ عليه - وهو العفيف المتدين هجاؤه الناس، وفحشه في القول، وتعرّضه للحرم والأعراض، فقال: «يستثرونني فلا أستطيع السكوت» .
إنه – إذا - وقع تحت سلطان انفعاله الشديد، لا يستطيع أن ينتصر عليه، وهو يتغلب فيه على سلطان المراقبة.
واعتذر العباس بن مرداس عن فقدانه الوعي، ودبيب الشعر على لسانه من غير قدرة على كبحه ; إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما صدر منه يوم وزَّع النبي الغنائم يوم حنين، إذا أمر له النبي الكريم بأربع قلائص فسخطها، فاندفع يشكو بشعر فقدَ الرقابة عليه، ويعاتب النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا:
أتجعل نهبي ونهب العبيد
بين عينية والأقرع
وما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما
فمن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله «اقطعوا عني لسانه»، وكان يعني ; أعطوه حتى يرضى ويسكت، وكانت تلك حكمة من النبي الله صلى الله عليه وسلم وتأليفاً للقلوب، فذهب أبو بكر حتى اختار مئة من الإبل، فرجع العباس وهو من أرضي الناس، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم معاتبا «أتقول في الشعر؟» فاعتذر العباس بطفح الشعر على لسانه واندفاعه من غيره وعيه، قال: «بابي أنت وأمي ; إني لا أجد دبيبا على لسانك دبيب النملة، ثم يقرصني كما يقرص، فلا أحد بدأ من قول الشعر..»
وقَبِلَ النبي منه هذا العذر، إذ كان على إدراك بهذا الاندفاع الذي يمكن أن يقع فيه الشعراء، وبسيطرة الشعر على نفوسهم، وتمكّنه منها، وقال صلى الله عليه وسلم مصوراً ذلك: «لا تدع العرب الشعر حتى تدع القبل الحنين».
وتحدث سيدنا عبد الله بن رواحة مرّة عن هذا الانفعال العارم الذي يمكن أن يفجر القول على لسانه تفجيراً سريعاً، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله ذات مرة: ما الشعر؟ فقال: شيء يختلج في صدر الرجل، فيخرجه على لسانه شعراً، فقال له صلى الله عليه وسلم: فهل تستطيع أن تقول شيئاً الآن؟ فنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبياته:
إني تفرَّست فيك الخير أعرفه.... (3)
إن الشعر – إذا- اختلاجة نفسيا، أو هزّة شعورية، تحمل على القول، وتسعف عليه إسعافاً من دون جهد، فيخرج من الشاعر أحياناً بلا وعي. وقد شبَّه الحُطيئة - كما مرَّ في حديث طويل له مع سيدنا عمر بن الخطاب عندما أطلق سراحه من السجن الذي حبسه فيه لهجائه الزبرقان بن بدر; شبَّه الشعر بالنملة التي تدبُّ على اللسان. ولا شك أن دبيب خفيَّ لا يكاد يبين، ولو استجاب له الشاعر استجابة انفعالية كلية - من غير مراجعة أو فحص- لاختلط شيء بشيء، وشاب الرؤية الفكرية قليل أو كثير مما قد يعكرها.
ويبدو- من خلال بعض اعترافات الشعراء التي سقناها - أن تسلّل عنصر اللاوعي إلى تجربة الشاعر أو الفنان ليس غائباً عنه تماماً، بل هو يحسُّ به ; سواء في أثناء عملية الإبداع أو بعدها، وهو قادر على كبح اندفاعة انفعاله الجامح وتوجيهه الواجهة السليمة المرادة إ; نه قط السيطرة ما دام الشاعر لم يذع ما قاله بين الناس.
وقد عكس حوار طريف دار ذات مرة بين سلمى زوجة سيدنا سعد ابن أبي وقاص وبين الشاعر الفارس أبي محجن الثقفي. كان أبو محجن محبوساً في سجن سيدنا سعد بأمر سيدنا عمر ابن الخطاب لأنه شرب خمراً. قالت له سلمى: في أي شيء حبسك هذا الرجل – أي: سيدنا عمر - فقال أبو محجن: والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ، ولكني صاحب شراب في الجاهلية، وأنا أمرؤ شاعر، يدبّ الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحياناً، فيساء لذلك ثنائي، حبسني حين قلت:
إذا متّ فادفني إلى أصل الكرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني بالغلاة فإنني
أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها (4)
إن كلام أبو محجن تعبير عن تسلل اللاوعي إلى تجربته، ولكنه - في الوقت نفسه - يعكس إحساسه به.
وقد أدرك سيدنا سعد بن أبي وقص بحسّ نقدي فني مرهف - طبيعة هذه المسألة، فقال لأبي محجن - وقد أطلق سراحه -: «اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله» لأن الشعر قد يقول ما لا يفعله، كما قول تعالى: [وإنهم يقولون ما لا يفعلون].
وكان اللي قوله سيدنا سعد وعفوه تأثير فيه نفس الشاعر، فوعد بالمراقبة والمحاسبة، وألا يستجيب لأول خاطرة تقذف على لسانه. قال أبو محجن- وكان هذا بداية تصحيح التجربة -: (والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيحة أبداً).
الهوامش:
انظر: كتاب الرمزية والسريالية، لإيليا الحاوي، 235.
كنز العمال: 3/ 847، وطبقات ابن: 4/140، والإصابة: 10/165.
سير أعلام النبلاء :1/168.
انظر القصة في: تاريخ الطبري: 3/550.

