تحولات العناوين الروائية السعودية بين استلهام القيم وصياغات الأمكنة
يقسم الدارسون المعنيون بالرواية المشهد الروائي بالسعودية إلى ثلاث مراحل تبدأ المرحلة الأولى وهي: مرحلة البداية والتأسيس بصدور أول رواية سعودية لعبدالقدوس الأنصاري (التوأمان) ( 1349هـ - 1930م) والمرحلة الثانية يطلق عليها الباحثون (مرحلة النضج الفني) وتستهل بصدور أول رواية فنية في المملكة وهي : (ثمن التضحية) لحامد دمنهوري عام 1959م ، أما المرحلة الثالثة فهي (مرحلة التجديد والتحديث) التي تمتد من العام 1980 حتى الوقت الراهن، وهي المرحلة التي شهدت تألق الرواية السعودية وبزوغها خاصة بعد حرب الخليج الثانية 1991 وما تبعها من إصدارات روائية كثيفة استهلت برواية (شقة الحرية) للدكتور غازي القصيبي التي صدر في العام 1994
ويرصد القاص والروائي الباحث خالد اليوسف أعداد الرواية السعودية الصادرة تبعا لتمرحلاتها التاريخية ، حيث يشير هو وعدد من الباحثين إلى أن عدد الروايات التي صدرت خلال الفترة ما بين (1930-1999) يبلغ (208) رواية، وخلال الفترة ما بين (2000-2011), صدرت (578) رواية، وخلال الفترة ما بين (2012-2022) صدرت أكثر من (1500) رواية.
امتدادات المكان:
من بين هذا الزخم الروائي شكل المكان بعدًا دلاليًّا ملفتا في التجربة الروائية بالمملكة، وأخذ الروائيون والروائيات في البحث عن عناوين لرواياتهم تستلهم من المكان أبعاده وجمالياته، وتشير إليه كي ترتبط الرواية بالمكان، وتاريخه، وامتداداته الجغرافية والاجتماعية والثقافية.
وإذا كانت الروايات الأولى قد ذهبت إلى استلهام القيم والأزمنة والمواقف الإنسانية ، واحتلت عناوين مثل: فكرة، وثمن التضحية، وثقب في رداء الليل، وعناوين أخرى رومانسية مثل عناوين روايات سميرة بنت الجزيرة : ودعت آمالي، ذكريات دامعة، بريق عينيك، وراء الضباب، فإن عناوين الروايات السعودية في الألفية الميلادية الثالثة ارتبطت بالمكان وبتفاصيل الحياة اليومية.
المكان والمخيلة :
لعلنا نلحظ ونحن نتصفح عناوين الروايات السعودية أنها قد تختار أسماء بعض الأماكن والشوارع والأزقة عناوين لها. فالاندماج بين العمل السردي والمكان يومئ إلى دلالة ما محددة. فالمكان يشير إلى موقع تاريخي أو تراثي أو حديث، وهو في هذه الإشارة ينطوي على حياة مجتمع معين في زمان ومكان معين، مكان له شخوصه ووقائعه وأحداثه ومواقفه وإشاراته.
لهذا فإن الروائيين أحيانا يختارون أسماء الأماكن لأنها تختصر عليهم الكثير من التفسير والتأويل، حيث ينتقل اسم المكان إلى مخيلة القارئ مباشرة، بما يتضمنه من تاريخ أو تراث أو خصائص عمرانية أو أمكنة قديمة أو أسواق أو مقاه شعبية أو إشارات أو حتى أماكن عمرانية ذات طرز حديثة، فللمكان دلالاته وجمالياته التي يبرع فيها كتاب الرواية. منه يستلهمون أعمالهم الروائية، والشخصيات التي تتحرك في المكان، ومدى تعبيرها عن الواقع والمجتمع، كما يستلهمون روح المكان، وتعدد مستوياته اللغوية تبعا للشخصيات التي تعيش فيه، ويبرزون في رواياتهم ما يسمى في النقد الأدبي والنظرية النقدية ب:ط جماليات المكان" .
من هنا يلجأ كثير من الروائيين إلى ربط إبداعهم الروائي باسم مكان معين، وربما يأتي ذلك لسببين:
الأول: التعبير عن المكان نفسه، واستلهام مبانيه ، وأسلوبه المعماري، والشخصيات التي تعيش فيه.
والثاني : ربط العمل الروائي وعنوانه باسم المكان نفسه، لكي يحوز رواجا ما على خلفية اسم المكان الذي اختير له، وهذه الظاهرة تبرز في الروايات العالمية والعربية معا.
وفي الرواية العالمية هناك روايات كثيرة احتفت بأسماء الأماكن مثل: " قصة مدينتين" و" مرتفعات وذرنغ" لإيميلي برونتي (1847) و" ميدان ألكسندر في برلين" لألفرد دوبلن (1929) وفي الرواية العربية توجد روايات نجيب محفوظ:" قصر الشوق" و" السكرية" و" بين القصرين" وكلها أماكن من أحياء القاهرة، و" لا أحد ينام في الإسكندرية" لإبراهيم عبدالمجيد، و" طواحين بيروت" لتوفيق يوسف عواد، و" الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، و" صنعاء مدينة مفتوحة" لمحمد عبدالولي و" ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور، وغيرها من الروايات .
استثمر الروائي السعودي أماكن عدة ليختارها عنوانا لروايته، أحيانا تكون أماكن تراثية، أو أماكن ارتبطت بحالة أو واقعة تاريخية، أو أماكن للنشأة كالقرى والأزقة والشوارع العتيقة وغيرها من الأماكن التي قد تحمل دلالة شخصية لدى المؤلف كأن تكون مكانا للتعلم أو النشأة أو السفر أو الهجرة أو التعلم، أو حتى أماكن تعبر عن ديار المحبوبة كما في الأماكن التراثية الشعرية التي برع في وصفها الشعراء العرب القدامى.
ومن الروايات السعودية التي حملت أسماء بعض الأماكن بالمملكة ، جاءت روايات : تركي الحمد: (الكراديب/ العدامة/ الشميسي) وعبدالله بخيت : شارع العطايف، ويحيى امقاسم: ساق الغراب، وعبدالعزيز مشري : الوسمية، وبدرية البشر : غراميات شارع الأعشى، وصلاح القرشي : بنت الجبل، ويوسف المحيميد: الحمام لا يطير في بريدة .
ومن الروايات الأخرى التي حملت أيضا أسماء مدن و أماكن وشوارع : " بنات الرياض" لرجاء الصانع، " فتنة جدة" لمقبل العلوي، وغيرها من الروايات التي تعبر عن عدد من الأماكن في المملكة.
ولعل اختيار الأماكن هنا لا يذهب إلى الأماكن الراقية، ربما لندرة الكثافة الشعبية بها أو ندرة تعدد مستويات الشرائح الاجتماعية فيها، فغالبا ما يميل الروائيون إلى استلهام الأماكن القديمة والشعبية نظرا لما تنطوي عليه من موضوعات كثيفة، وتعدد درامي في مسيرة حياة الشخوص، فضلا على الحراك الاجتماعي الذي يحدثه وجود مستويات وشرائح اجتماعية متنوعة في مكان واحد حيث يحدث ذلك نوعا من إثراء المكان فكريا وحيويا، نظرا لحاجة كل شريحة اجتماعية للشريحة الأخرى.
إن الإضاءة المكانية عبر السرد الروائي تقدم إطارات جمالية وتاريخية واجتماعية ضمنية للمكان، كل مكان له تقاليده وهويته داخل الإطار الشامل للبلاد، وهو يعبر – فيما يعبر – عن ثقافات متنوعة، وعن حيوات متجددة متحولة يتجلى في عمقها البعد الإنساني الشفيف الذي يشكل أحد المقاصد الرئيسية في عالم الرواية.
إشارات:
د. سحمي الهاجري: جدلية المتن والتشكيل، الطفرة الروائية في السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت ط1 – 2009
د. حسن حجاب الحازمي: البطل في الرواية السعودية، نادي جازان الأدبي، ط1 – 2001
د. محمد صالح الشنطي : فن الرواية في الأدب السعودي المعاصر، دار الأندلس للنشر والتوزيع، حائل، ط2 – 2003

