أدب المهجر..بين مشاعر الحنين ومرارة الغربة
د.وليد مشوح
يتناول هذا المصطلح دراسة الأدب الذي خلفه لنا المهاجرون إلى الشمال والجنوب الأمريكي، علما أن تأثيرات المكان كانت واضحة في أدب أولئك المرتحلين إلى المهاجر الأمريكية.والهجرة في الشعر العربي تجلت منذ أقدم عصور الشعرالجاهلي، ومن يقرأ شعر العصور المتعاقبة؛ يجد أن الهجرة تحولت إلى موضوع رئيس في الشعر عبر عصوره المختلفة. والمية العرب (كما اصطلح على وسمها) تمثل خير تمثيل تجليات موضوعة الهجرة في الشعر العربي.
فقصيدة الشنفري التي تبدأ بـ: (أقيموا بني أمي صدور مطيكم..) تحمل إحساسا عاطفيا يجسد الحنين إلى المكان، ويفصح عن عواطف عزيز أباظة الشاعر المبدع تجاه دياره وهو بعيد عنها. إذن؛ الهجرة كانت وما زالت تمثل الحاجات الظرفية المحيطة بالإنسانية، ولم يخل أدب من آداب الشعوب من عنصر الهجرة، كما مثلته لامية العجم للطغرائي: (.. فإن العز في النَقِل...) "أي التنقل والتجوال".
كذلك بدت الهجرة واضحة في قصيدة ابن زريق البغدادي، وعند أبي تمام وغيرهما من شعراء المشرق والمغرب العربيين.أما الهجرة في الأدب العربي الحديث، فقد أضحت أكثر تنظيما وفهما وتمثال للغايات التي بدأت من أجلها، حيث طبعت الإبداع الذي صاغه المهاجرون المبدعون بطابع الحنين إلى الوطن الأم، حيث بدأت الهجرة سنة 1854 واستمرت بشكل إفرادي غير لافت.
ومن أسباب الهجرة تلك العوامل الاقتصادية التي كانت تسود بلاد الشام آنذاك، كذلك كان للظلم السياسي والقهر الاجتماعي أثره في تنامي حركة الهجرة إلى خارج الوطن، ناهيك عن نزعة حب الاطلاع، والمغامرة، والحلم حيث اندفع الكثيرون لهجرة أوطانهم والبحث عن عوالم جديدة هي أرحب من العوالم التي يعيشون فيها.
لقد القى المهاجرون الكثير من اآللام والعنت، فانطبع ذلك في شعرهم، فتركوا لنا فيضا من الشعر الذي يحمل صرخات الإنسان المبدع الرقيق المتعلق بتراب وطنه، وشعوره بالغربة الروحية واللسانية في الديار الجديدة التي استوطنها.
واللافت للانتباه؛ هو تعليل الشعراء لأسباب الهجرة قبل الوصول إلى مواطن الاغتراب، ومن ثم نوحهم وجئيرهم بالشكوى بعد التموضع في المهاجر.فإيليا أبو ماضي يسوغ الهجرة قبل احتمال تبعاتها بقوله:
لبنان ال تعذل بنيك إذا هم
ركبوا إلى العلياء َّ كل ِ سفين
لم يهجروك ملالة... لكنهم
خلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون
وعندما وصل إلى الأرض الجديدة (أمريكا) غير وجهة نظره، واستدار، فقال:
نحن في الأرض تائهون كأنا
قوم موسى في الليلة الليلاء
ضعفاء، محقرون، كأن
من ظالم والناس ِ من آللاء
كذلك هو رأي الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، الذي يصوغ الحالة النفسية التي باتت تتنازعه، فهو يتأرجح بين الإصرار على طلب الرزق والبقاء يتقلب على نار القتاد، وبين غلبة الحنين ولوعة الفراق على الذات الشاعر، فتحدثه نفسه بالعودة للالتحاف بسماء الوطن، فنجد ذلك جليا في نص شعري واحد، يبدأ بالتردد، وينتهي بوصف الحالة الجسدية والنفسية في المهجر.. وفيها يقول:
ناء عن الأوطان يفصلني
عما أحب البر والبحر
في وحشة لا شيء يؤنسها
إلا أنا والعود والشعر
حولي أعاجم يرطنون فما
للضاد عند لسانهم قدر
أما إلياس فرحات؛ فيتذكر وهو يعيش على الجوع والطوى، ويتمنى لو أنه لم يهجر وطنه. ويعلن نسيب عريضة ندمه إزاء الخطوة المتعجلة التي خطاها، والقرار المتهور الذي اتخذه. ومن أبرز أدباء الشمال الأمريكي المهاجرين: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ومسعود سماحة، وأمين الريحاني، وأضرابهم من مبدعي الأدب المهجري.
وهناك فرق كبير بين سمات الجهتين أدبيا، فأدب الجنوب كان أكثر إشعاعا وتقدمية والتزاما من أدب الشمال، ذلك لأن أهل الشمال كانوا أقل اهتماما بالعروبة، وأقل ارتباطا بالمشكلات الاجتماعية في الوطن الأم، على عكس أهل الجنوب الذين حافظوا على هويتهم وانتمائهم، فتمسكوا بالتراث، ومهدوا الأرضية التي قامت عليها إبداعاتهم المستمدة من روح الأدب القديم الحامل للمعنى والغاية والتوجه.
ففي عام 1920 أنشأ أهل الشمال بعد أن هددهم الضياع جمعية وسموها بـ/الرابطة القلمية/ وعنها صدرت الصحف الناطقة بلسانهم والحاملة لأفكارهم والناشرة لإبداعاتهم، وعنها (الرابطة)، صدرت صحف (السائح والسمير وغيرهما).أما أهل الجنوب فألفوا عصبة وسموها بـ/العصبة الأندلسية/ مما يشف عن إيمانهم بماضيهم، واعتزازهم بتاريخهم، وتمثلهم لتراثهم، وعنها صدرت أيضا مجموعة من الصحف التي كانت أقل انتشارا من صحف أهل الشمال، وخاصة في الوطن العربي. وكان أدب الشمال والجنوب، فلا بد من التوقف عند حقيقة تقول: إن أدب الشمال كان أكثر تحررا من روابط الأدب العربي، وقواعده ومشروطياته: بينما ظل أدب الجنوب أكثر التزاما والتصاقا بالأدب العربي، وبات يقف بصلابة مستندا إلى ما رسخه النقد العربي القديم، وما خلقه النحاة والعروضيون وعلماء الكلام وفرسان البلاغة، منطلقين من قيم عروبية إسلامية حتى وإن كانوا يدينون بدين غير دين الإسلام.
لقد عبر أدباء المهجر عما يجيش في نفوسهم بصدق وإخلاص وحرية، ومن يقرأ شعرهم يلاحظ أنهم طرقوا أبوابا كثيرة، وتناولوا أغراضا عديدة؛ لكن السمة المميزة لشعرهم؛ هي الحنين والغربة، لأنهم لم يتركوا بلادهم عن قلى، ولا عن رفاهية؛ بل تركوها تحت ظروف اقتصادية قاهرة، وضغط نفسي كثيف، ومن الطبيعي أن ينطبع شعرهم بطابع الحنين، ويجسد مرارة الغربة؛ لذا جاءت موضوعاتهم الشعرية تأريخ لحراكهم الاجتماعي والثقافي والسياسي والسلوكي منذ نعومة أظفارهم، حتى لحظات إصرارهم على الهجرة، واستقرارهم في المهاجر الجديدة. كما تابعوا القضايا التي مرت بالوطن العربي منذ لحظة رحيلهم عنه، فشعرهم في هذا المجال لا يخلو من المناسباتية المباشرة، وتعلقوا باللغة العربية، وكانوا من حماتها والمدافعين عنها، كما فاخروا بالإسلام وإنسانيته المطلقة على الرغم من كونهم مسيحيين.
كذلك وجدت القضية الفلسطينية العربية مجالا واسعا في أدبهم، إذ لا يكاد شاعر منهم يقدم نصا إبداعيا، يخلو من ذكر فلسطين وما يتعرض لـه أهلها من جور وقهر وتشريد، وربما خرجت بعض قصائدهم على الإطار الفني في سبيل الدفاع عن الهدف في صياغتها، نتيجة للحماسة الفائقة، واللحظة النزقة التي يكون الشاعر ضمنها عندا يتعرض للقضية الفلسطينية.
يقول إلياس فرحات:
ماذا أقول وفي الفؤاد مرارة
منها يسيل على اللسان العلقم
ويقول الشاعر القروي في هذا الشأن:
الحق منك.. ومن وعودك أكبر
فاحسب حساب الحق يا متجبر
لو كنت من أهل المكارم لم تكن
من جيب غيرك محسنا يا بلفر
أما موقف النقاد العرب من أدب المهجر فقد انقسم إلى قسمين؛ قسم يقول: هو أدبا غربيا مستوردا، أسلوبه مخلع غير رصين، تغلب عليه الخطابية والمباشرة والشعاراتية، وبعضهم قال: هو داعم جديد للأدب العربي بوصفه الأدب الجديد المتساوق مع العواطف الإنسانية في ظل الزمن المعيش بمعطياته كلها. ومن الذين وقفوا ضده: أدباء الأزهر، ودار العلوم، وعزيز أباظة، وطه حسين (في البدايات).. أما الغالبية العظمى، فوقفت إلى جانبه، وكتبت عنه، واحتفت به، ووجهت طلاب الدراسات العليا لإنجاز أطروحات أكاديمية حوله. ولم يعن دارسو الأدب المهجري بالنثر المهجري على الرغم من أنه يشكل ظاهرة كبيرة عند أعضاء الرابطة القلمية وجبران على وجه الخصوص.. وفي هذا النمط الأدبي انعطافة كبيرة ليس في أدب المهجر فحسب، بل وفي أنماط النثر العربي كله مما شهدته أعصر الأدب العربي المختلفة.
ويعد إيليا أبو ماضي(1890 1957)رائد الشعر المهجري، وهو شاعر جزل، معطاء، من أبرز أعماله: تبر وتراب، الجداول، ديوان أبي ماضي، وملحمته الشعرية الموسومة الطلاسم، وقد أصدر ديوانه الموسوم بـ/الخمائل/ عام .1948 وأحدث شعره رد فعل عنيف في الوطن العربي، ومن أبرز قصائده: العنقاء، الطين، الطلاسم، وقد ترك أثرا كبيرا في الشعر العربي وأمده بموضوعات جديدة وخصوصا عندما يصف الطبيعة، أو يضع العقل أمام بوابات التأمل للإجابة على أسئلة تحملها القصيدة، ويطالب دائما بفك اللغز. وكان يحن دائما إلى لبنان، الذي غادره ولم يعد إليه، حتى مات في مغتربه سنة .1957 وقد رأى النقاد في شعره عذوبة وطلاوة وفي رمزه إدهاشا، وفي موضوعاته وصياغاته سهولة تكاد تقترب من الشعبية، لذا وصفوه بالشعر السهل الممتع.
غير إيليا أبو ماضي في شكل القصيدة العربية، وأضاف لها مضامين جديدة، وكان مأخوذا بمذاهب الأندلسيين، وخصوصا في موشحاتهم، وكان ينوع في القوافي والأوزان، وأعطى للقصيدة شكلا جديدا، فزاد في التفعيلة، وخرج على الشطرالشعري، وخصص مساحات كبيرة من شعره للحديث عن الطبيعة وتصويرها وتمجيدها، وحارب التشاؤم، وعمل على أن يبهج الروح ويفرحها ويدفعها نحو الأمل:
أيهذا الشاكي وما بك داء
كيف تغدو وقد غدوت عليلا
وتتجلى في شعره أساليب القص، والكثير منه يعتمد على الحوار المباشر، أو يقوم على المونولوج الداخلي، أما اللافت في شعره فهو شح الشعر الغزلي حتى الندرة، ولكنه استطاع أن يحدث تجديدا في اللغة الشعرية، حيث فتح أبوابها ونوافذها لتتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية والنفسية كلها، من غير أن تخرج عن إطار البساطة والوضوح. وقد شهد لـه بذلك جبران خليل جبران، شريكه في الغربة والقلق والشك وتمجيد إنسانية الإنسان.

