رحيل الفنانة صفية بن زقر.. رائدة الفنون التشكيلية بالمملكة
حجاج سلامة
غيّب الموت الفنانة الكبيرة صفية بن زقر، رائدة الفن التشكيلي السعودي، وأحد رموز الحركة التشكيلية في الوطن العربي والعالم أجمع.
وأسهم ما حققته "بن زقر" من نجاحات خلال رحلتها الفنيّة التي تواصلت على مدار عقود، أسهم في التأسيس لحركة تشكيلية قويّة على أرض المملكة، وشجّعت على بروز أسماء فنانات عديدات في ميدان الفنون التشكيلية السعودية.
في جدة القديمة كان مولد التشكيلية الراحلة صفية بن زقر، وكانت البدايات الفنية لها، حيث تأثرت بتاريخ مدينتها وعمارتها وفنونها، وظلت رائحة جدة وعبقها يسكن وجدان الفنانة الراحلة بعد أن تركت مدينتها لتكون بصحبة عائلتها التي انتقلت إلى القاهرة لفترة من الزمن.
وبعد سنوات من الغياب، عادت "بن زقر" إلى مدينتها الحبيبة جدة، وراحت تُعبّر عن محبتها لمدينتها من خلال أعمال فنيّة لفتت الأنظار.
وبعد أن أطلت الحداثة برأسها وبدأ الناس يهجرون بيوتهم التي تميّزت بعمارتها التراثية، متجهين للسكن في منازل حديثة بُنيت من الخرسانة المُسلحة.. راحث الفنانة القديرة الراحلة تستلهم من عمارة مدينتها التاريخية، ومن ملامح الحياة الحديثة التي دبت في جدة، راحت تستلهم من كل ذلك لوحات فنية خلّدت من خلالها لتاريخ مدينتها ولحاراتها وعمائرها وكل عاداتها وتقاليدها، وراحت تمد خيوط التواصل بين الماضي والحاضر في معارض فنيّة ظلت حديث الأوساط التشكيلية داخل المملكة وخارجها.
وقد حرصت الراحلة على أن تصقل هوايتها وشغفها بالفن بالدراسة والإطلاع على المدارس التشكيلية، فتنقّلت بين المملكة والقاهرة ولندن.
وبعد أن حصلت على مبتغاها من الدراسة والاطلاع على المدارس والحركات التشكيلية وروّادها بالعالم، جاء دورها في الإسهام في تأسيسها للحركة التشيكيلية السعودية، التي كانت "بن زقر" من أوائل مؤسسيها.
وشهد عام 1968 الميلادي، إقامة الفنانة الراحلة لأول معرض فني لها، حيث أقيم في مدرسة دار التربية الحديثة بجدة، وبالطبع لم يكن في ذلك الوقت قاعات مخصصة لعرض اللوحات الفنية، لكن الراحلة القديرة تغلّبت على ذلك ونجحت في إعداد موقع لعرض لوحات معرضها الفني الأول.
وبعد ذلك أقامت "بن زقر" معرضاَ تلو آخر، وانتقلت أعمالها الفنية من جدة إلى الرياض، ثم الى الظهران، ثم إلى ينبع وأبها والمدينة المنوّرة وغير ذلك من مدن المملكة.
وفي محطة أخرى من المحطات الفنيّة للراحلة، أسست صفية بن زقر دارة حملت اسمها، وصار بمقدور زوّار تلك الدارة رؤية أعمال الفنانة الراحلة، والإطلاع على مكتبتها الخاصة، ودخول مرسمها الخاص، والتعرف على عالمها الفني عن قُرب. وحرصت "بن زقر" - رحمها الله – على تنظيم ورش فنية للكبار والصغار.
وعلى مدار مسيرتها الفنيّة الحافلة، كان تراث مدينة جدة وعمارتها وفنونها، وعادات وتقاليد أهلها بوجه خاص، وتراث وطنها المملكة العربية السعودية بوجه عام هو مصدر الإلهام لها، والمعين الذي تغترف منه لتقدم لوحاتها التي أبهرت جمهور الفنون التشكيلية سعودياً وعربياً ودولياً. حيث وثّقت "بن زقر" من خلال لوحاتها التراث المعماري، ورحلات الصيد، والألعاب والحرف الشعبية والتراثية، ومظاهر الحياة اليومية، وطقوس الزواج، والملابس التقليدية وغير ذلك من الموضوعات.
وعلى مدار رحلتها مع الفنون التشكيلية، نالت الفنانة الراحلة صفية بن زقر، عشرات الجوائز والتكريمات المحلية والعربية والدولية، وللراحلة مقتنيات فنية في العديد من البلدان مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، ولبنان، وأسبانيا، واليابان، والسويد وبريطانيا، بجانب وطنها المملكة العربية السعودية.
ولم يتوقف عطاء الفنانة الراحلة صفية بن زقر على ممارسة الفن التشكيلي، بل امتد ذلك العطاء إلى ‘إلقاء المحاضرات، و كتابة مقالات فنيّة بالصحف، وتأليف الكتب، مثل كتاب "المملكة العربية السعودية: نظرة فنانة إلى الماضي"، والذي صدر باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكتاب " صفية بن زقر رحلة عقود ثلاثة مع التراث السعودي".
وقد نعى وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الفنانة الراحلة صفية بن زقر، كما نعت جمعية الثقافة والفنون في جدة، رحيل صفية بن زقر، ووصفتها بـ"رائدة الفن التشكيلي السعودي"، كما نعتها مؤسسات وفنانون ومثقفون، معبرين عن حزنهم لرحيلها، وتقديرهم لمسيرتها الفنية الحافلة بالعطاء والإنجاز.

