سكة حديد الحجاز... من الحلم إلى الحقيقة إلى الأطلال
بقلم: د. عبد الكريم بن ابراهيم السمك
ذلك ما آل إليه حال هذه الحقيقة، في دثرها من قبل الإنجليز كنتيجة من نتائج الثورة العربية الكبرى والمؤرخة في 1916/6/10م، والتي لم تحرر العرب بل نكبتهم! بالنتائج التي حلت بهم، نتيجة لهذه الثورة ويبقى التاريخ خير شاهد على سعي الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله في إعادة بناء الخط عمال بتوصيات المؤتمر الإسلامي الأول الذي شهده حج سنة 1345هـ 1926م، وفيه أوكل مندوبو العالم الإسلامي من العلماء، سدانة الحرمين الشريفين للملك عبدالعزيز رحمه الله.
الخط وبناؤه في ذاكرة تاريخ الدولة العثمانية:
في 23 أغسطس القادم (2015م) يكون قد مر 107 أعوام على أول رحلة لسكة حديد الحجاز من محطة دمشق إلى المدينة المنورة حيث قطع القطار المسافة ( 1320 كيلومترا) في خمسة أيام بعد أن كانت تستغرق 40 يوما. وخط الحجاز الحديدي، طرحت فكرة إنشائه أول مرة سنة 1864م في عهد السلطان عبد العزيز الأول، وتجددت سنة 1881م إلا أنه كانت هناك صعوبات عدة عملت على تأجيل تنفيذ المشروع. الحقاً أعاد طرح الفكرة للسلطان عبد الحميد الثاني الأمين الثاني له عزت باشا العابد، قام بعدها السلطان عبد الحميد بإصدار أوامره لبناء الخط سنة 1900م ، بهدف تسهيل رحلة (الحج) السنوية، لا سيما للقادمين من مناطق (الشام) و(مصر) و(الأناضول) آنذاك ، وقد أصبح هذا المشروع (الأممي) بكل جدارة ، حقيقة - بعد أن كان حلما - في عهد السلطان عبدالحميد رحمه الله، ولم يسلم مشروع سكة حديد الحجاز من تربص الدول الاستعمارية كجزء من تآمرها على الدولة العثمانية طيلة القرن التاسع عشر للميلاد، على قاعدتي (المسألة الشرقية ورجل أوربا المريض)، فقد حاربت المشروع منذ والدته فكرة، وعندما أصبح حقيقة، أسرعت بريطانيا إلى تدميره بعد تسع سنوات فقط من عمله، بالتزامن مع ثورة النكبة العربية لسنة 1916م، على يد لورنس وذلك ضمانا لمستقبل سياستها في استعمار المنطقة، وقد طالب الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله الذي وحد الحجاز بنجد، بريطانيا بالعمل على إعادة بناء الخط وتفعيله، لخدمة حجاج بيت الله الحرام، ولكن بريطانيا التي عملت على تدميره وخرابه متعمدة سنة 1916م، لم ولن توافق على إعادة بنائه وتشغيله.
خط الحجاز الحديدي بين الحلم والحقيقة:
تعود فكرة بناء الخط لسنة 1864م، حين قام المهندس الأمريكي الدكتور (زيمبل)، بتقديم أول مخطط للمشروع للإدارة العثمانية، على أن يكون خط سير المشروع من اسطانبول حتى المدينة المنورة، في عهد السلطان عبدالمجيد ومن بعده السلطان عبدالعزيز، فقد تبلورت الفكرة، وآمنت الدولة بتحقيق الفكرة والعمل عليها، ومع استالم السلطان عبدالحميد الثاني حكم البالد، عمل على إحياء فكرة المشروع وعندما طرح المشروع لبنائه، تقدمت له العديد من الشركات بقصد تنفيذه، ومنهم المهندس الأمريكي (زيمبل)، الذي كان من المتقدمين لإعمار وبناء الخط، لكن عرض ناظر أوقاف جدة (أحمد عزت باشا) نال القبول عند الدولة، لرغبة السلطان أن يكون تنفيذه بأيدي مهندسين أتراك، وقد جاء المشروع لتعزيز العالقة بين الدولة العثمانية والعالم الإسلامي، بعد التراجع في مكان الدولة أمام مجموعة الدول الغربية، الساعية إلى القضاء على الدولة العثمانية كدولة إسلامية، فيما عرف بمصطلح المسالة الشرقية ورجل أوربا المريض.
وقفية الخط:
تعريب الإرادة السنية السلطانية القاضية بربط الخط العامة الحديدي الحجازي بنظارة الأوقاف: المادة الأولى: ربطت إدارة الخط الحديدي الحجازي العامة بنظارة الأوقاف. المادة الثانية: تودع هذه الإدارة لعهدة مدير عام، ينتخب من قبل نظارة الأوقاف، وينصب بإرادة سلطانية. المادة الثالثة: يؤلف مجلس إدارة الخط من ذوي الاختصاص والفن، وينتخب من قبل نظارة الأوقاف، ويصادق على انتخابه من لدن مجلس الوكلاء، ويجعل له نظام خاص يحدد زمن انعقاده، ويعين صالحية وظائف مأموريه، ويبين صورة إدارة أموره ومعاملاته. المادة الرابعة: الأملاك الجارية بتصرف الخط الحديدي الحجازي، سواء كانت في ممره أو في مواقع أخرى، والتي هي اليوم تابعة لميزانية مستقلة لإدارة الخط، وتدار ضمن ميزانية الدولة العامة، التي كانت تصححت إسناد تمليكها من قبل نظار المالية، السم الخزينة في سنتي (1325هـ - 1907م – 1326هـ- 1908م) الماليتين، تعاد ثانية السم إدارة الخط الحديدي الحجازي العام، ويعهد بإدارة شؤونها إلى هذه الإدارة، أما الأملاك التي لم تربط إلى الآن بإسناد تمليك، فإن هذه الإدارة منحت الأذن بتسجيلها أيضا، لاسمها وحفظ إسنادها لديها. المادة الخامسة: يعتبر هذا القانون من تاريخ نشره. المادة السادسة: ناظر المالية والأوقاف يقوما بإنفاذ أحكام هذا القانون 1330/12/10هـ في 13 تموز 1911م محمد رشاد (هو السلطان يومها).
بناء خط الحجاز وتاريخه:
بدأ العمل بخط الحجاز الحديدي في 1900/9/1م، وهو اليوم الذي اعتلى فيه السلطان عبد الحميد سدة الحكم في بالده، وقد أدرك السلطان كلفة بناء الخط على الدولة، ففتح باب التبرعات للمسلمين في العالم، وبدأ بنفسه، فتبرع بمبلغ (320) ألف ليرة عثمانية، وتبعه شاه إيران بخمسين ألف، وأرسل خديوي مصر عباس حلمي الثاني، كميات كبيرة من مواد البناء، وقد ذهبت الدولة بخصم%10 من رواتب موظفي الدولة لصالح المشروع، كما خصصت الدولة من ميزانيتها %18 لصالح المشروع، كما أصدرت الدولة طوابع رسمية لصالح المشروع، وطوابع إيرادات خاصة بالمشروع، لزيادة المدخولات لتغطية نفقات الإنشاء، وفرضت ضريبة قيمتها خمس ليرات ذهبية تركية على كل ترخيص بناء جديد، وجمعت جلود الأضاحي وبيعت، وحول أثمانها إلى ميزانية الخط، وقد بلغ مجموع التبرعات (3,919,696) ليرة عثمانية. ويعتبر هذا الخط هو الوحيد في العالم الذي تم دفع نفقاته قبل بيع أي تذكرة سفر فيه، وجمعت الدولة أيضا ما زاد على نفقات الإنشاء بما معدله (1,7) مليون دولار أمريكي، وكان مسلمو الهند أكثر المتحمسين للمشروع، مما أثار غضب بريطانيا، فوضعت العراقيل أمام عمليات الجمع للتبرعات، كما منعت أن يرتدي المسلمون الذين اكتتبوا في التبرع للخط الأوسمة والنياشين العثمانية، التي منحت للمتبرعين. رافق ذلك إصدار منشورات عثمانية للترويج لفكرة الخط التي ترعرعت سنة ،1897 وقاد حملتها عزت باشا العابد الدمشقي، وممن كتبوا عن منافع الخط، محمد عارف الحسين، فكتب مقالة بعنوان (أعظم المآثر السلطانية العثمانية السكة الحديدية الحجازية الشامية)، وعدد فيها أكثر من خمسة عشر منفعة للدولة والشعب بكافة أطيافه، جمعت في هذه الكلمات (زيادة وتقوية التعاضد بين المسلمين من مختلف أصقاع المعمورة، وتسهيل أداء فريضة الحج والعمرة، وزيارة بيت الله الحرام والمساهمة في إعمار وترميم المسجدين، وتوسيع نطاق التجارة والصناعة والزراعة، وتسهيل إدخال المدنية وتأمين السبل وإعمار البلاد ونشر الأمن والسكن على طول طريق الخط).
مايسنر باشا مصمم سكة حديد الحجاز (1863 – 1940)
وضع تصميم خط سكة حديد الحجاز، الألماني (هنريخ أوغست مايسنر) الذي لمع اسمه في عدد من المشاريع التي أنشأتها الدولة، فقد تعلم اللغة التركية في جامعة (درزدن)، ثم الهندسة التي لها صلة بالمشروع، وعاش في الدولة موظفا فيها قرابة خمسين عاما، بدأ المشروع عام 1886م، ولمدة أربعة عشر عاما أظهر "مايسنر" براعة في بناء السكك الحديدية، في طول البالد وعرضها وفي عيد الجلوس الفضي للسلطان عبدالحميد الموافق 1900/9/1م، أنيط به العمل في المشروع، وقد تم استخدام (9500) جندي تركي في بناء المشروع، من الفيلق الخامس، وأغلبهم من سوريا والعراق وعملوا في أعمال الإنشاء والإعمار، وذلك على مدى ثماني سنوات، من خلال تخطيط هندسي دقيق ومحكم وجدول زمني منظم، ونجح مايسنر في بناء ومد سكة رئيسية ربطت بين دمشق والمدينة المنورة بطول (1302) كم، وتم مد خط فرعي بين درعا وحيفا بلغ طوله (161),كم، أي ما مجموعه (1463)كم. وحتى يتأكد مايسنر من نجاح عمله، قصد السفر على طول الخط بنفسه على درب الحج المعروف، ومن دمشق إلى شبه الجزيرة العربية للتعرف على أحوال المنطقة وظروفها، وساعده لفيف من المهندسين الأوربيين والمسلمين، وهم على التوالي: (سبعة عشر مهندسا تركيا واثني عشر ألمانيا وخمسة إيطاليين وخمسة فرنسيين ونمساويين إثنين وبلجيكي واحد ويوناني واحد)، وقد تم بناء (1532) جسرا ومعبرا مائيا ونفقا في الأودية والمناطق الجبلية، وتم بناء (96) محطة وهي أشبه بقلاع وحصون في غالبيتها، كما تم بناء مراكز صيانة للقاطرات في كل من دمشق وحيفا ودرعا ومعان. وفي أيلول سنة 1908م، تم افتتاح الخط التاريخي إلى المدينة المنورة. وبعد الانتهاء من مشروع خط سكة حديد الحجاز بأسبوع، أقيم احتفال رسمي الفتتاح الخط الحديدي، ليصادف تولي السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة، وساعد الخط الحجازي في نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز، وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط، ومنها مدينة حيفا التي تحولت إلى ميناء ومدينة تجارية هامة، وكذلك المدينة المنورة، وظهرت مجتمعات عمرانية نتيجة استقرار بعض القبائل والتجمعات البدوية على جانبي الخط في بعض الجهات واشتغالهم بالزراعة. وكان مقرراً أن يمتد الخط حتى مكة المكرمة بمسافة (450) كم، لكن تم تجميده، كما عمل مايسنر على انشاء مشروع سكة حديد اسطانبول بغداد (هذا الخط يعمل حتى الآن لكنه يبدأ من محطة حيدر باشا باستنبول الآسيوية ويتوقف في مدينة الموصل )، والذي قامت على تنفيذه شركة ألمانية، وفي الحديث عن زمن السفر بين دمشق والمدينة بالقطار، فقد بلغت حوالي (56) ساعة، بمعدل (40) كم في الساعة، وكان آجار السفر من دمشق أو من حيفا سبعة جنيهات إلى المدينة المنورة، وعلى واقع سير القطار فقد ازداد عدد الحجاج إلى (300) ألف حاج، كما أصبحت الصرة السلطانة ترسل في القطار مع الحجيج، كما عمدت الدولة إلى بناء خطوط برقية على طول خط سكة الحديد، وتم فتح مكاتب بريدية في كل من دمشق والمدينة ومكة، وهنا البد من الإشارة إلى أن عدد الحجيج عن طريق البر من دمشق، ما بين (2500 – 3000)حاج قبل بناء سكة حديد الحجاز.
سكة حديد الحجاز وقف إسلامي
دخلت واليات الدولة العثمانية العربية المشرقية كقضية أفرزتها الحرب العالمية الأولى، من جملة القضايا التي وضعت على طاولات البحث فيها، ما كان منها مشاريع استعمارية على غرار اتفاقية سايكس بيكو، بين فرنسا وبريطانيا، فيما يخص استعمار المشرق العربي، أو وعد بلفور الخاص بتهويد فلسطين، وجاء من هذه القضايا قضية بحث سكة حديد الحجاز، فقد أدرج الخط في التوصيات، في مؤتمر فرساي – السالم - على أنه وقف إسلامي يجب مراعاة هذه الخصوصية عند الدولتين بريطانيا وفرنسا، واللتين شرعن لهم مؤتمر فرساي للسالم الذي عقد سنة 1919م، حق الانتداب على واليات الدولة في المشرق العربي، وهي بالد الشام والعراق مع شرط المحافظة على خط الحجاز الحديدي، وكانت قراراته طعنة في القلب في الغدر بالعرب، مع أن الثورة العربية كانت صاحبة الدور المباشر في انتصار الحلفاء على ألمانيا وحلفائها. وجاء مؤتمر لوزان السويسرية القائمة على الضفة الشمالية لبحيرة جنيف، وقد عقد المؤتمر بين سنتي (1922 – 1923م) وانتهت أعماله في 1923/7/24م، وشهد حضوره كل الدول الغربية إضافة لليونان، وقد تم التوقيع على معاهدة، تخص تركيا ومعلقات والياتها في المشرق العربي، وقد جاءت الاتفاقية لمصلحة تركيا المنتصرة على اليونان، والتي ألغت معاهدة سيفر التي كانت تركيا قد وقعت عليها، أيام خسارتها الحرب، والتي كانت مجحفة بحق تركيا حيث فرضها الحلفاء على تركيا، وجاءت بنود الاتفاقية متمشية مع انتصار تركيا على اليونان، واسترجعت فيها تركيا أراضيها، كما ألغت الامتيازات الأجنبية على أراضيها، واتفقوا مع اليونان على تبادل الرعايا، ومن قرارات المؤتمر ما كان معنيا بخط الحديد الحجازي على أنه وقف إسلامي، وجاء في المادة الستين من المعاهدة ما نصه (إن الدول التي نالت أرضا من السلطة العثمانية، يحق لها أن تمتلك جميع الأملاك الواقعة على هذه الأرض مجانا، أما الأموال والأملاك التي انتقلت من خزينة الدولة بمقتضى إرادات سلطانية، والأموال والأملاك التي كانت تديرها الخزينة خاصة لخدمة النفع العام، بما أن تلك الدول تقوم مقام السلطنة العثمانية والأوقاف المؤسسة، ينبغي أن تظل كما كانت، ولذلك تقرر أن تصبح سكة الحديد الحجازية ضمن الأموال والأملاك المار ذكرها. ثم جاء في المادة (17) من المعاهدة المذكورة الجملة التالية: إن الدول التي تناظر على حجاج القدس والحجاز، وعلى السكة الحديدية الحجازية، عليها أن تتخذ من الوسائل ما يوافق أحكام المقاولات الصحية المنعقدة بين الأمم. وكذلك في المادة (139) من المعاهدة نفسها ما خالصته: "الدول التي امتلكت من السلطنة العثمانية، أرضا متعلقة بالإدارة الملكية أو العدلية أو المالية أو بإدارة الأوقاف لها، أن تحصل على جميع الأوراق والدفاتر والمصورات (الخرائط)، والسندات التي بقيت في تركيا مما له عالقة بتلك الأرض". واستنادا إلى معاهدة لوزان، والمادة (60) منها، فقد استولت دولتا فرنسا وانكلترا المنتدبتان على فلسطين وسوريا، على القسم الذي بقي معمورا من هذا الخط، وهو الواقع بين الشام ومعان، وبين درعا وحيفا، ووضعتا أيديهما عليه وعلى الأموال الاحتياطية الموجودة في خزانته وتحت تصرفه، واستأثرتا بها جميعا، ثم وصلت الحكومة الفرنسية خط الشام بخطوط بيروت وحلب، وربطت الحكومة الإنكليزية فرع حيفا بخط مصر، وأخذت الحكومتان تستثمرانه مباشرة، ثم ذهبت الحكومة الفرنسية إلى القول بنفيها أنها استحلت الأوقاف، ولم تراع شرط الواقف، فأمرت بتأليف لجنة في الشام حددت وظيفتها في إيجاد الأملاك الموقوفة على ذلك الخط فقط، وقد تركت الدولتان ما بقي من الخط الحجازي بين معان والمدينة. والشريف حسين ملك الحجاز، لم يأبه بما أقدمت عليه الدولتان حلفائه في حربه للدولة العثمانية، كما لم يلتفت إلى ترميم وتعمير القسم العائد إلى مملكته وربطه بسائر الأقسام، بحيث يعود إلى ما كان عليه لخدمة الحجاج، وجعله يزداد خراباً على خراب، وقد اندرست معالمه في مواطن كثيرة، فانقطع السفر من الشام إلى الحجاز بطريق البر تماما، وتعطل ذلك الطريق وانعدم الأمن، والذي ما زال معمورا وسالكا مدة ثالثة عشر قرنا، دون أن يعتريه خلل. الملك عبدالعزيز وقضية سكة حديد الحجاز بعد أن ضم الملك عبد العزيز الحجاز إلى ملكه، ووحد الحجاز بنجد، وأصبحت البالد تحمل مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، ونال شرف خدمة المسجدين الشريفين، المسجد الحرام ومسجد المدينة المنورة، وسط ترحيب إسلامي، وجه الملك عبدالعزيز الدعوة للعديد من علماء المسلمين، في التوجيه إلى مكة حجاجاً لحضور مؤتمر إسلامي على واقع حجهم لبيت الله، وقد لبى العلماء الدعوة لها وشاركوا في مؤتمر إسلامي دعا له الملك عبدالعزيز رحمه الله، ارتبط تاريخه بحج سنة (1344هـ1926/م) وصدر عن المؤتمر العديد من القرارات والتوصيات، جاء في مقدمتها التوصية بالمواصلات، وخاصة في تسهيل سفر الحجيج في أداء فريضة الحج والعمرة فيما بين الحرمين الشريفين، وجاءت التوصية على سكة الحديد الحجازية، لوقفيتها وإسلاميتها في إعادة تشغيلها. وقد جاءت مسألة اهتمام أعضاء المؤتمر بسكة حديد الحجاز، من واقع النتائج التي خلص إليها مؤتمر لوزان الذي عقد سنة 1923م، والذي أقر بوقفية سكة حديد الحجاز، وأصدرت الحكومتان الفرنسية والإنجليزية معاً تصريحاً في 1923/1/27م حول تأليف مجلس إسلامي، حصرت وظيفته في تقديم المشورة لتنمية سكة حديد الحجاز. وقد الح في الأفق بوادر رغبة بريطانية في التواصل مع الملك عبدالعزيز، بشأن الخط إضافة لتنظيم العالقات معه، و ندبت بريطانيا السير جلبرت كلايتون، و تم الاتفاق على الكثير من القضايا، التي جاءت في إحدى عشرة مادة، تم التوقيع عليها في جدة يوم الجمعة 1345/11/18هـ - 1927/5/20م، وحلت جميع الأمور العالقة بين البلدين ومنها إلغاء اتفاقية العقير لسنة 1915م، بين البلدين، وبقيت مسألة سكة الحديد الحجازية معلقة، تنتظر حال مستقبليا. وحفظت لنا مجلة الشرق الأدنى ألمين سعيد الصادرة في القاهرة سنة 1346هـ - 1927م، في األعداد 29 – 39 – 40 اهتماماً من الملك عبدالعزيز بالسكة، حيث تم الاتفاق على عقد مؤتمر حيفا، بين كل من بريطانيا وفرنسا، ومملكة الحجاز ونجد، وقد مثل المملكة مدير الشؤون الخارجية عبدالله الدملوجي، وعينت فرنسا وفداً برئاسة المسيو "تيترو" السكرتير الإداري للمفوضية العليا، لكن بريطانيا لم تشكل وفداً للمشاركة في المؤتمر، الذي سيترتب على نجاحه إعادة بناء الخط من جديد الذي سينعش ببنائه شمال الحجاز وجنوب الشام وتسهيل سبل السفر لحجاج بيت الله الحرام. وتعددت محاولات إعادة الحياة لهذا الخط الحجازي، ومنها عقد مؤتمر في الرياض في ،1955 جمع سورية والأردن والسعودية، ولم توضع قراراته موضع التنفيذ، وتوقف العمل بالمشروع، وبعد 11 عاما من نسيان المشروع، صدر مرسوم بتشكيل هيئة عليا للخط الحجازي من وزراء المواصلات في البلدان الثالثة، غير أن المرسوم لم يَفّعل، وفي 1978م، تم الاتفاق بين البلدان الثالثة على إنشاء خط عريض جديد، يربط بين هذه الأقطار، ووضعت دراسات المشروع، ووقع الاختيار على شركة (دوش كنسول)، لتحضير دراساته وخرائطه، وكانت نتيجة الدراسات إيجابية، واعتمدت قرارات بأن تنفذ كل دولة على نفقتها الجزء الذي يمر في أراضيها، وحتى اللحظة لم يظهر شيء خارج الأوراق، وتم إحياء سكة حديد الحجاز في الأردن وسورية، واستخدم في عملية التنقل والسياحة بين البلدين، وبقي مهجورا في باقي المناطق. الإنجليز وتعطيل خط سكة حديد الحجاز سعى الملك حسين بن علي سنة 1916م، على إصلاح الخط الذي ضربه الإنجليز بقيادة لورنس ومعه عودة أبو تايه، في ظل الثورة التي فجرها الشريف حسين، وقادها ابنه الفيصل، وكانت نكبة على العرب جميعا، ومن خلال المفاوضات البريطانية مع الملك عبدالعزيز، طالب الملك عبدالعزيز بالخط، حيث ال يجوز وضع اليد عليه لغير سلطة إسلامية، وأن تتصرف فيه، وقال الملك إن كل تصرف في هذا الخط من قبل الحلفاء غير شرعي، وكان المؤمل من الإنجليز أن يعملوا على النزول على طلب الملك عبدالعزيز، لكن الإنجليز سعوا إلى تعطيله في ظل نكبة العرب، التي نتجت عن الثورة التي قادها الشريف حسين وأنجاله، فقد تبين للملك عبدالعزيز أن الإنجليز لن يعملوا على إحيائه من جديد، ألن بناؤه سيتعارض مع مشروعهم المستقبلي في استعمار فلسطين وبناء دولة يهودية على أرضها، وبذلك اندثرت قصة الحلم الذي هلل له المسلمون في خط الحجاز الحديدي، وذلك بسبب تبعات الثورة العربية الكبرى، في استعمار كل من فرنسا وبريطانيا لبلاد الشام، فتقطعتم معها أوصال البالد، وتقطع معها كذلك خط سكة الحديد الحجازية ولم يبق للخط في ذاكرة التاريخ الإسلامي سوى مبانيه التراثية وخرائط ووثائق بنائه، في دور الوثائق والمتاحف التي تحتفظ بها، والتي قام على بنائها السلطان عبدالحميد الثاني، لتحكي لأجيال الخلف سيرة وقصة هذه الذاكرة العمرانية والحضارية التي قام بها سلفها ، فجاءت شاهدة على عظمة الدولة العثمانية في بناء هذا الصرح الحضاري الإسلامي.

