مظاهر شهر رمضان بمكة المكرمة قديما في كتابات الرحّالة والمؤرخين
حجاج سلامة
جذبت مظاهر شهر رمضان بمكة المكرمة قديما الكثير من الرحّالة والمؤرخين، واحتلت تلك المظاهر الدينية والروحانية العظيمة جانبا كبيرا في مؤلفات وكتابات هؤلاء الرحّالة والمؤرخين حتى أن أحدهم وصف "رمضان مكة" بأنه أحد عجائب الإسلام، وهو القاضي والمؤرخ المصري أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي المصري الشافعي، الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وأدى فريضة الحج سنة 1053 ميلادية، حيث استهواه جلال رمضان في الحرم المكي، حيث كان يتم إحياء لياليه بتلاوة القرآن والصلوات، ويجتمع فيه أهل مكة فلا يبقى فيه زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ أو مصلٍ، فيرتج المسجد لأصوات القراء من كل ناحية.
وتنقل لنا المصادر التاريخية العربية، ما قاله الرحّالة ابن جبير - الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي - عن شهر رمضان في مكة المكرمة قديما، فقال بأنه ما أن يهل شهر رمضان في مكة المكرمة حتى تُجدد الحصر ويكثر الشمع والمشاعل وغير ذلك من أدوات الإضاءة حتى يتلألأ الحرم بالنور، وكان التجار يتنافسون في إحضار الشموع لإضاءة جنبات الحرم.
وكما يروي ابن جبير، فمنذ اليوم الأول لشهر رمضان تتوزع الأئمة لإقامة التراويح، وكاد لا يبقى فى المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلى بجماعة خلفه، فيرتج المسجد لأصوات القراء من كل ناحية، فتعاين الأبصار وتشنف الأسماع بما تخشع له النفوس خشية ورقة.
ووصف ابن جبير إحياء ليلة 27 من رمضان في الحرم المكي، وقال بأنها "نعمة تتضاءل لها النعم تضاؤل سائر البقاع للحرم".
وذكر بأنه قد جرت العادة أن الاستعداد للإحتفال بهذه الليلة المباركة يكون قبل ذلك بيومين أو ثلاثة، حيث تنصب أخشاب عالية ذات أذرع من ثلاث طوابق بعرض الحرم لينصب عليها الشمع، وتوضع فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسفلها ، وتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قناديل كبيرة وصغيرة وتخللها أشباه الأطباق المبسوطة من النحاس معلقة في السلاسل، بجانب إضاءات أخرى في أنحاء الحرم، ما بين ثريات وشمعدانات نحاسية يتوزع بها الشمع الكبير والصغير، ويُضاء الحرم بأضواء ساطعة من الداخل والخارج حتى الشرفات، فلا تقع العين إلا على نور.
ومن المشاهدات التي سجلها ابن جبير، ووثقتها لنا المصادر العربية، أنه في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك في مكة المكرمة، يحضر القاضي ويتقدم لصلاة العشاء، ويبدأ بسورة القدر، وما أن يُسلّم حتى يقوم لإلقاء خطبة، وما أن يفرغ من خطبته حتى يسارع الأئمة لإقامة صلاة التراويح، ثم انفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا.
وكل وتر من الليالي العشر الأواخر كان يختم فيها القرآن بالحرم المكي، فأولها ليلة إحدى وعشرين.
وتنقل لنا المصادر حديث الرحّالة والمؤرخين عن مظاهر ليلة الـ 29 من شهر رمضان في الحرم المكي قديما، حيث تختتم صلاة التراويح وتضاء الأنوار وتقام الزينات احتفالاً بختام شهر الصوم.
وأما "التسحير" فكان يقوم به المؤذن في الصومعة، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكراً ومحرضاً على السحور، ومعه أخوان صغيران بجاوبانه ويقاولانه، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة فى رأسها عود كالذراع، وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران يوقدان مدة التسحير. فإذا قرب ميعاد الإمساك والتنبيه عليه مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالآذان. وثوّب المؤذنون من كل ناحية بالأذان، ولأن الدور مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يوقدان في أعلى الصومعة، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قدا نقطع وأن عليه الإمساك على الأكل والشراب.
وتكثّر أحاديث الرحّالة والمؤرخين عن مظاهر شهر رمضان في مكة المكرمة قديما، وقد كتب عن شهر رمضان في الحرم المكي جل من قاموا بزيارة بلاد الحجاز من الرحّالة والمؤرخين الذين وفدوا لزيارة مكة المكرمة والحرم المكي الشريف من كل حدب وصوب، وقضوا فيها شهوراً وأعواماً يتعبدون ويكتبون ويؤرخون لأفضل الأيام في افضل وأطهر بقاع الأرض، وقد حظيت تلك الكتابات والمؤلفات التي وضعها الرحّالة والمؤرخون عن مكة المكرمة وكل بلاد الحجاز بعناية المحققين والباحثين الذين قدموا للمكتبة العربية عشرات المؤلفات المحققة في هذا المجال.. وما كُنّا محيطين ولكن نضرب الأمثلة.

