التجارب العالمية في كراسي البحث العلمي
د. محمد حيان الحافظ
فكرة كراسي البحث العلمي تقوم على الشراكة بين المؤسسة الأكاديمية وشخصية أو جهة ما خارجها، لدعم وتطوير مجال علمي متخصص، بحيث تقدم هذه الشخصية أو الجهة التمويل اللازم لذلك في حين تتولى المؤسسة الأكاديمية تهيئة البيئة البحثية اللازمة لنجاح الكرسي، إلى جانب الإشراف على تنفيذ الكرسي لمهامه وتحقيق أهدافه فكراسي البحث هي مبادرات علمية متميزة ومؤطرة زمنيًّا ويُكلف بها أحد العلماء المتميزين في مجال علمي محدد للقيام ببحوث معمقة وتطبيقية رائدة على نحو تستفيد منه القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات.
التجربة اليابانية:
بدأت اليابان تجربتها في كراسي البحوث سنة 1987م ويقوم كرسي البحث في الجامعات اليابانية بالاعتماد على الدعم الاقتصادي والتبرع من قبل الداعمين للكرسي، وهؤلاء الداعمين يقومون بالإشراف التنظيمي على البرنامج، ويسعى الحاصل على الكرسي إلى تحقيق أهداف الجامعة الحاضنة للكرسي.
وبرامج الكراسي في اليابان تحظى بنجاح متنام، حيث إن التمويل المتأتي من كراسي البحوث يعادل تقريبا التمويل الحكومي للمشاريع البحثية في الجامعات والمراكز في اليابان، ومن المعلوم أن اليابان من أكثر دول العالم بعد الولايات المتحدة تمويلا للبحوث.
التجربة الأمريكية:
تتميز التجربة الأمريكية بتنوع مصادر التمويل، حيث يأتي الدعم المادي لكراسي البحوث من المؤسسات الاقتصادية ومن جمع التبرعات، ومن بعض الدول كاليابان وحتى من ميزانيات الجامعات أنفسها لدعم البحث العلمي وتحسين أدائها وترتيبها، خاصة وأن الجامعات الأمريكية تعد في حد ذاتها مؤسسات اقتصادية ذات بعد تعليمي واجتماعي.
ويتراوح تمويل الكرسي الواحد بين مليون وخمسة ملايين دولار، إلا أنه يصل إلى (50) مليون دولار في حالات خاصة.
كما أنه يمكن إسناد كراسي بحوث غير مقيدة بمدة محددة إذا أنشئ الكرسي تخليدًا لاسم عالم أو رجل أعمال قد توفي ، والحكومة الأمريكية ليس لها ارتباط ببرامج كراسي البحوث لا من حيث التخطيط والإشراف ولا من حيث التمويل .
التجربة الأوروبية:
التجارب الأوروبية هي أقدم عمرًا من التجارب العالمية، ويعتمد التمويل على علاقات شخصية بين الممول والجامعة أو المركز البحثي دون تدخل من الدولة، وهذا ينطبق على دول مثل بريطانيا وألمانيا، إلا أن فرنسا غيرت سياستها منذ العام 1991م حيث أنشأت الحكومة الفرنسية ركزًا بحثيًّا ( المعهد الجامعي الفرنسي) يسند سنويًّا أ{بعين كرسي بحث في مجال العلوم الأساسية كالرياضيات والفيزياء والحاسب الآلي والطب.
ويعد هذا البرنامج الحكومي مكملا للبرنامج القديم الذي يرتكز على بحوث تطبيقية لمؤسسات اقتصادية بالطريقة الأمريكية، وبذلك أصبحت التجربة الفرنسية تمثل مزيجًا من التجربتين الأمريكية والكندية.
يظهر استقراء التقارير والمنشورات والوثائق التي تعرضها برامج الكراسي البحثية في الجامعات السعودية لتصف نفسها مخاطبة المجتمع سواء من خلال مواقعها الإلكترونية أو من خلال وسائل الإعلام المختلفة، مجموعة من الملامح والتأكيدات تتناول المنطلقات والغايات كاستراتيجيات وطرائق العمل كآليات للتنفيذ، وحقوق وواجبات الأطراف المختلفة كوسائل للترويج.
من حيث المنطلق نجد أن التجارب الدولية في برامج الكراسي البحثية كتلك البرامج في الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوربية وكندا أعطت منهجًا لبناء البرامج في الجامعات السعودية. مثلت التجربة الكندية التي تعتبر واحدة من أشهر المشاريع القومية عالميًّا ملهما لصياغة التجربة السعودية من حيث النمو والتوسع في البرامج لا من حيث آليات العمل والتمويل، حيث نجد أن برامج الكراسي البحثية السعودية تختلف عن التجربة الكندية من منطلق الرعاية والتمويل والمركزية، فبينما كانت التجربة الكندية ذات طبيعة موجهة ( مركزية) هدفت إلى التوسع في الكراسي البحثية من خلال مشروع قومي موحد، فإن البرامج السعودية اعتمدت بشكل كبير، على الرغم من التشابه، من حيث التوسع إلا أن أجزاء من طرق العمل في البرامج السعودية كالرعاية والتمويل يجعلها أقرب لتلك الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض التجارب في أوروبا عن التجربة الكندية.
ولدعم تلك البرامج البحثية لابد من تعزيز جوانب أخرى تتعدى الإطار الحكومي مثل: الاستقلال والرقابة، ومعايير الجودة، كل ذلك سيؤدي إلى تفعيل الطرق والوسائل المتبعة لترتيبات هذه المشاريع وآليات المتابعة والتنفيذ المطبقة في التجارب الدولية بسبب نوعية الرعاية والتمويل، إذ ينبغي التفكير جديا بمدى الحاجة لوجود جهة تنسيقية وتحديد طبيعة هذه الجهة.
ولابد أيضا من وجود تعاون بين الجامعات في تبادل التجارب والخبرات في إدارة برامج الكراسي البحثية، خاصة وأن هناك جامعات لديها خبرات وتجارب متراكمة يمكن الاستفادة منها، وتوفير التكاليف والجهد على الآخرين.

