أول ما يستقبل الضيوف وآخر من يودعهم الأبواب في المجتمع السعودي تكتب تاريخا من التطوير وثقافة من التشكيل
للأبواب في المجتمع السعودي ، وفي أي مجتمع، ثقافتها التي تبدأ من الخامة المصنوع منها الأبواب، إلى الشكل والحجم، إلى الحلى والنقش والحفر، إلى تحديد أشكال الأبواب من كلاسيكية أو تقليدية أو عصرية .
وضعت الأبواب للحماية أولا، فلكل دار باب، ولكل منزل أو بيت بوابة تحميه من الغرباء ومن الأعداء أيضا، والأبواب المغلقة لم تغلق من أجل عزلة ساكنيها، بل من أجل الحماية فالأبواب تعطي قدرا كبيرا من الأمان، مع الأسوار التي تحيط بالبيوت والديار حين كانت البيوت والمنازل بدائية مبنية بالطين وجذوع النخيل والقش، ثم تطورت إلى الطوب اللبني الطيني، حتى أصبحت فللا وقصورا وعمارات وبنايات شاهقة وفارهة تفتح وتغلق بواباتها بالريموت كونترول .
بدايات خشبية وحديدية:
كانت بدايات صناعة الأبواب في المملكة، وفي الخليج بوجه عام، خشبية، ومن جذوع النخل أحيانا، وقد تطعم بقطع من الحديد الصغير، ويوضع لها مزلاج داخلي خشبي، كان الخشب هو المكون الرئيسي للأبواب.
والأبواب القديمة نوعان: الأول : وهو الأقدم والمصنوع من جذوع النخل على شكل ألواح مستطيلة، ثم يقوم النجار بضبطه وقطعه، ليأخذ شكل الباب، والثاني مصنوع من خشب الأثل وهو الدارج والأكثر استخداما في الماضي، وهناك باب" الجريد" وباب" البحر" ويمتاز بالتعاشيق والنقوش، وأبواب كبيرة تسمى ( أبواب الدروازة) والتي تستخدم عادة في مداخل الأسوار القديمة، وللبيت القديم أبواب بمسميات دارجة منها: باب القهوة، وباب الدار، وباب الحوش.
دلالات جمالية:
ليست الأبواب مجرد قطع خشبية أو حديدية لحماية المنازل والبيوت، ولكنها أيضا لها دلالاتها وأذواقها الجمالية، فالأبواب الخارجية للبيوت – مثلا – هي أول ما يستقبل الضيوف وآخر ما يودعهم، ولهذا تترك الانطباعات الأولى والأخيرة في نفوس الزوار، لذلك فإن للأبواب التي كثيراً ما تشعر الناس بالأمان عند إغلاقها دلالات وجمالية خاصة، وهو ما يجعلها تنفتح على تنوع لا محدود في مساحات الفن التشكيلي واللغة.
وبعيداً عن تجسيدها المادي وتكوينها الجمالي، للأبواب دلالات عدة، حافظ الناس عليها عبر التاريخ، فهي الفاصل بين السر والعلن، بين المجهول والمعلوم، ما بين الخاص والعام، ولذلك بقيت نبعاً للحكايات والتشبيهات والإيحاءات التي تُستخدم يومياً في كل أصقاع الأرض.
فعند النظر في تاريخ الفن لا بد من استحضار منحوتة «أبواب الجحيم» للفنان الفرنسي «أوغست رودان» والتي استوحاها من ملحمة «الكوميديا الإلهية» للكاتب الإيطالي «دانتي» الذي عاش في فترة ما بين القرنين 13 و14 ومن مجموعة «أزهار الشر» الشعرية للفرنسي شارل بودلير من القرن 19.
وقد عمل رودان على هذه المنحوتة الملحمية قرابة الـ 20 عاماً، لحساب الدولة الفرنسية عام 1880 وتفرع عنها منحوتات شهيرة بينها "المفكر"
رموز وطقوس:
لا تتوقف كلمة الباب – لغويا – على هذه الأبواب في البيوت، لكن لها معنى التقسيم كما في الكتب: الباب الأول والباب الثاني والثالث وهكذا، وانتقلت رمزيا إلى مصطلح:" الباب المفتوح" كمنهج أو طريقة في أسلوب إدارة المهمات، ولم تكن الأبواب، مجرد فكرة تشكيلية وجمالية، فالأبواب قد تكون رمزاً لجملة تحمل في مضامينها ما يوحيه الباب حقاً، ففي السياسة، والعلاقات الدولية قد تستخدم بعض العبارات الودية التي تختزل صراعات مريرة، عند القول «فتحت أبواب الحوار» وتستخدم «أغلقت» للدلالة على صعوبة الموقف وعلى أن الحوارات وصلت إلى طريق مسدود، وعلى أن ذلك الفاصل والذي يعتبرونه مجازاً الباب، ما زال يحتم على كل طرف البقاء في مكانه، ونجد هذا في عبارات أخرى مثل أبواب النار، وأبواب الجنة، ونحن على أبواب الشتاء، كما أن لها أمثال شعبية ومجازات، مثل:" الباب اللي ييجي لك منه الريح سده واستريح" وفي المملكة تترك جملة:" امسك الباب" مفعولها السلبي في من توجه إليه بإقالته أو إنهاء عمله.
وقد وضعت بعض دراسات في العصر الحالي، لتفسير وجود بعض الأبواب وأهميتها مثل أبواب دمشق القديمة والبالغ عددها سبعة أبواب ، وعلاقتها بالكواكب، أو أبواب المسجد الأقصى، أو أبواب تدمر الأثرية، وغيرها من الأبواب التي ما زالت تحظى بمكانتها رغم مرور مئات السنين.
ويشير الباحث السعودي سعيد الوايل في كتابه:" الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية" إلى إمكانية تمييز الأنواع المختلفة للأبواب التقليدية وكذلك حجمها ومدى متانتها من خلال معرفة مكان وجود الباب ووظيفته، ووظيفة المبنى الموجود كالمباني المدنية والدينية والعسكرية، وما تمثله هذه التقسيمات المعمارية من اختلاف في الوظائف والأهداف، فبالنسبة لمكان وجود الباب يختلف شكل وتصميم ومتانة الباب الخارجي عن أبواب المرافق الداخلية للمبنى، فـالباب المسماري عرف بصفته أشهر الأنواع الخارجية نظراً لقوته وتماسكه، وفيما يختص بأبواب المباني المدنية التي تمثل أبواب الدور السكنية لجميع طبقات المجتمع فقد عرفت أنواع متعددة، منها التقليدية التي اشتهرت في حقب قديمة وأهمها المسماري والمقطع، وأبو صاير وباب بوخوخة، والباب البغدادي والبادوري، ويرتبط حجم كل باب ومساحته بالغرض المعمول من أجله، وكذلك المساحة الفراغية للجدار كله، غير أن هناك متوسطاً متعارفاً عليه بين النجارين والبنائين لحجم الباب الخارجي.
ويؤكد الباحث الوايل أن الباب التقليدي يرتبط بمختلف أنواعه بجملة من المسميات في أجزائه ومنها: الإطار المحيط به، ويصنع غالباً من خشب الإثل، وللإطار مجموعة من الحشوات الخشبية والأشرطة الزخرفية والأفاريز التي تتناسب مع هذا الجزء.وتختلف طرز الأبواب وأشكالها في جنوب المملكة حيث اشتهرت بالتشكيل والرسومات بألوان الأزياء أحيانا، عنها في وسط المملكة أو شمالها وشرقها.
ومن تلك الأجزاء في الأبواب أيضاً (خشم الباب) وعادة يكون في الوسط ممتداً من الأعلى إلى الأسفل، ويأخذ صبغة جمالية مليئة بالنقوش، وتتنوع مسميات الخشم تبعاً للنقشة التي تعتليه، ومنها خشم مدرج ومسكتي، وخشم بوجرو، وخشم بوخوازرين؛ هكذا فإن للأبواب أشكالها وطرزها وأحجامها وتشكيلها الذي يشكل ثقافة نوعية لها حضورها المتجدد عبر التاريخ.
إشارات:
https://www.albayan.ae/five-senses/culture/2019-08-27-1.3634968
https://alarab.co.uk/
https://www.ogle.com/amp/s/www.alwatan.com.sa/ampArticle/164122

