التُّـراث المُدمَّر
حجاج سلامة
يعود بنا كتاب "التُّـراث المُدمَّـر: كنوز الإنسانية التي شوّهها جنون البشر"، لمؤلفه الدكتور منير بوشناقي، وترجمة سهيل الشملي، إلى جذور نشأة الوعي بالتراث الثقافي إبان الحرب العالمية الثانية ودور منظمة اليونسكو في المحافظة عليه ووضع التشريعات لحمايته.
ويأخذنا مؤلف الكتاب في في رحلة ميدانية شيقة عاين ووثق فيها كثيراً من الانتهاكات التي تعرض لها التراث الثقافي في عديد من البلدان، وتحدّث خلالها مع الكثير من المسؤولين الدوليين وساهم بشكل فعال في الحد من تلك التعديات وفي تجاوز مخلفاتها، ليختم بجملة من التوصيات يدعو من خلالها لحفظ هذا الإرث للأجيال القادمة، مستعرضاً منافع ذلك على مختلف المستويات.
وقد استفاد المؤلف في وضع كتابه هذا، من رحلته المهنية وعمله في الكثير من مواقع التراث في العالم، ووظيفته كخبير دولي في مجال التراث الثقافي، حيث يتناول الكتاب بكثير من التعمق مختلف الرهانات التي تحفٌ بتدمير المواقع الأثرية والمعالم التاريخية زمن الحروب، والأبعاد الفكرية التي تقف وراء ذلك، ونظرة السياسيين لذلك، والتناول الإعلامي له، والصعوبات التي تواجه من يعمل على حماية وصون هذا التراث.
ويساعد كتاب "التُّـراث المُدمَّـر: كنوز الإنسانية التي شوّهها جنون البشر"، لمؤلفه الدكتور منير بوشناقي، وترجمة سهيل الشملي، القارىء على فهم مختلف الحيثيات التي يسردها، والأحداث التي عاينها المؤلف الذي دعم كتابه بالعديد من الوثائق والصور ونصوص لأحاديث المسئولين عن التراث الثقافي في الكثير من المؤتمرات والندوات التي درات في فلك موضوع الكتاب، وما صدر من بيانات وتوصيات وقرارات استهدفت حماية التراث الثقافي.
لقد اختار منير بوشناقي، الخبير الدولي الذي كرس جزءا كبيرا من حياته ومن مسيرته المهنية لخدمة التراث الثقافي الإنساني، أن يكون كتابه شهادة ذاتية على واقع موضوعي شهادة على تاريخنا المعاصر وما عرفه من نزاعات مسلحة كانت وبالاً على المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية والتحف الأثرية، وخلّفت في مختلف مناطق العالم عبثاُ كبيراً بذاكرة الشعوب، وتراث الإنسانية.
ويعتبر الكتاب، أن تدمير التراث جزءا لا يتجزأ من الأزمة الإنسانية، ويعتبر حمايته أمراً لا ينفصل عن حماية الأرواح البشرية.
وكما يقول مُترجم الكتاب، سهيل الشملي، فإن "التُّـراث المُدمَّـر: كنوز الإنسانية التي شوّهها جنون البشر"، لمؤلفه الدكتور منير بوشناقي، يُمثل وثيقة إدانة لكل من استباح "حرمة" التراث الثقافي الإنساني واستهدفه بالتدمير والتخريب والتشويه والنهب والتهريب، ووسام شرف على صدر كل من سعى إلى صونه وحمايته وإعادة بنائه وتأهيله وتثمينه.
كما جاء الكتاب بمثابة شهادة على الجهود التي بذلتها وتبذلها المنظمات والمؤسسات والدول، وخاصة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، من أجل حفظ التراث الثقافي الإنساني المادي منه واللامادي.
وبفضل كل ذلك، فقد حظي الكتاب منذ صدوره في طبعته الفرنسية عام 2016، وحتى صدور طبعته العربية، بالكثير من الإهتمام والتقدير، وجاء صدور ترجمته العربية في طبعة مدققة وأنيقة عن منظمة رصينة هي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).
وفي تصديرها للكتاب، قالت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة السابقة لمنظمة اليونسكو، إن "التُّـراث المُدمَّـر: كنوز الإنسانية التي شوّهها جنون البشر"، يُعد بمثابة تذكير بالحقائق، وتذكير بالمهمة الحيوية لليونسكو، المنظمة الحكومية الدولية الوحيدة في منظمة الأمم المتحدة الموكول إليها السهر على حماية التراث، وتذكير بما تحقق من تطور منذ عقود على صعيدي التصور والإنجاز المادي من أجل ضمان هذه الحماية من قبل منظمة اليونسكو وشركائها، وتذكير بالنجاحات الملموسة بدءا بموقع أنغكور الأثري ووصولا إلى إعادة بناء أضرحة تمبكتو، وتذكير بما تحقق من تقدم تشريعي من أجل أن يعتبر التدمير المتعمد للتراث جريمة حرب وأن يُعاقب مقترفها، وتذكير أيضا بالثغرات والنقائص التي ينبغي أن تواجه دون مجاملة وأن يتم تداركها.
هذا وقد تكوّن الكتاب من 266 صفحة، ووزعت موضواعاته على أربعة أقسام، بجانب خاتمة، وتذييل، وملخصات، وبيبليوغرافيا مختصرة.
وجاء من بين عناوين الموضوعات التي احتواها الكتاب: مفهوم التراث الثقافي اليوم، و الهوية الثقافية والتراث اللامادي، و إنجازات اليونسكو عبر الزمن، و صون موروثنا الثقافي المشترك، وهل الترميم واجب؟ ولم الترميم؟ وماذا نُرمم ؟ و اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، والتدمير المكلف الناتج عن النزاعات التي اندلعت في نهاية القرن العشرين، - وتدمير تنظيم الدولة الإسلامية لتراث نينوى والموصل، وحريق مكتبات البصرة، وتدمير رموز الذاكرة سلاح جديد للتواصل في عصر الأنترنت، والحرب العراقية الإيرانية، وقصف مدينة دو برفتيك التاريخية، وحرب لبنان، ,نهاية النزاع في كمبوديا، ومحاولة طمس معالم هوية مدينة مستار، وحين يصبح التراث هدفا مقصودا في النزاعات، وتدمير التراث الأفغاني، ويوميات تخریب همجي واسع النطاق، والآثار الناجمة عن الاجتياح العراقي للكويت، والإسلام والتراث الثقافي وغير ذلك من العناوين.
يُذكر أن مؤلف الكتاب، هو عالم آثار من مواليد 16 نوفمبر سنة 1943 بتلمسان الجزائر، تولى بين سنة 1974 وسنة 1981 منصب مدير التراث الثقافي في الجزائر، ثم التحق بين سنة 1982 وسنة 2005، بمنظمة اليونسكو، وتقلد فيها عددا من المناصب، أولها مدير قسم التراث الثقافي ثم مدير مركز التراث العالمي ثم مدير عام مساعد للثقافة.
وفي شهر عام سنة 2005 انتخب مديرا عاما للمركز الدولي لدراسة صون الممتلكات الثقافية وترميمها (ايكروم) وظل في هذا المنصب الى شهر ديسمبر 2011.

