تفاعل الثقافات العالمية مع الثقافة السعودية في مؤتمر الفن الإسلامي بالظهران
حجاج سلامة
شهد النسخة الثانية من مؤتمر الفن الإسلامي، ومعرض "في مديح الفنان الحِرفي"، اللذين استضافهما – أخيراً -مركز "إثراء" بمدينة الظهران، تفاعلاً كبيراً بين الثقافات العالمية والثقافة السعودية السعودية، التي كان لها حضورها البهي على مدار أيام المؤتمر وداخل المعرض الفني المُصاحب الذي اشتملت مقتنياته على مئات التحف والقطع الأثرية النادرة.
مؤتمر الفن الإسلامي الذي نظّمه مركز الملك عبد العزيز الثقافى العالمى (إثراء) بالشراكة مع جائزة عبد اللطيف الفوزان العمارة المساجد، أقيمت فعالياته برعاية وحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف آل سعود، أمير المنطقة الشرقية، وحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس الأمناء لجائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد، وصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن بندر بن عبدالعزيز نائب أمير المنطقة الشرقية.
جاء ليحيى الإهتمام بالممارسات المعاصرة للفن والحرف الإسلامية التقليدية في جميع أنحاء العالم، وكانت فنون المملكة وثقافاتها الأبرز حضورا حلال جلسات المؤتمر الذي انتظمت فعالياته بحضور (50) مُشاركاً، و(27) مُتحدثاً من (13) دولة، ناقشوا (24) موضوعاً تدور في فلك الفنون والحرف الإسلامية.
وبحسب مركز الملك عبد العزيز الثقافى العالمى (إثراء)، فإن المؤتمر أقيم بهدف إبراز حيوية التقاليد الفنية الإسلامية من خلال أعمال الحِرفيين المعاصرين، والاعتراف بقيمة الأعمال الحِرفية، وتحدي التمييز بين الفنون الجميلة والحِرفية، حيث يواصل مركز (إثراء) سعيه لتوثيق الحالة الراهنة للحِرف في العالم الإسلامي وتسليط الضوء على التطورات الحديثة، وذلك بالتعاون مع جائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد.
وقد امتدت فعاليات المؤتمر على مدار (6) أيام، وشهد تقديم محاضرات، وفتح نقاشات، وإقامة ورش عمل، ومعارض، وتقديم عروض أفلام وعروض حية قدّمها حرفيّون مَهَرَة.
وقد مثّل المؤتمر فرصة فريدة للتعرف على مختلف جوانب الحرف الإسلامية، بما في ذلك معرفة العلاقة بين الرعاة والحِرفيين والتقنيات والمواد التقليدية المستخدمة وكيف يمكن للحِرف أن تسهم في التغيير الاجتماعي الإيجابي.
الفنون والحرف التقليدية
وقد تزامن المؤتمر مع معرض (في مديح الفنان الحِرفي) والذي يعاين التاريخ الغني والتأثير العميق للفنون والحرف التقليدية في العالم الإسلامي.
وقد قدّم معرض (في مديح الفنان الحِرفي) أعمالًا تاريخية ومعاصرة جسّدت روح وممارسات الفن الإسلامي التقليدي، مما منح الزوّار فهمًا وتقديرًا أعمق للإبداع والفن في العالم الإسلامي، وكذلك تعرفًا على التحديات التي يواجهها الحِرفيين حول العالم.
وقد اجتمع خلال المؤتمر والمعرض، مؤرخو الفن والأكاديميون والقيمون ومدراء المتاحف وممثلو المنظمات الخيرية من جميع أنحاء العالم لاستكشاف الاتجاهات الجديدة في ممارسات الحِرف المعاصرة داخل المجتمعات المسلمة، وسط مساعٍ لإحياء التقاليد الفنية الإسلامية بتسليط الضوء على أعمال الحِرفيين المعاصرين الذين يُبقون هذه التقاليد الفنية والحِرفية على قيد الحياة.
وقد سعى باحثو المتاحف إلى تقصي وإيجاد الحِرفيين وورش العمل لفهم مجموعة أعمالهم بأفضل وجه، خاصة وأن القطع الأثرية الإسلامية لم تعد تُرى كأشياء ثابتة، بل كنتائج لأعمال فنية تُطبق ممارسات حِرفية متقنة، مما أدى إلى إطلاق مبادرات جديدة تهدف إلى دعم المهارات الحِرفية التقليدية من خلال برامج تدريبية وفرص عمل مع بذل الجهود للتكيف مع التحديات العالمية. وقد سعى مركز ( إثراء) من خلال هذا المؤتمر إلى قيادة هذا الحوار وتعزيز الاهتمام المتجدد بالفنون والحِرف الإسلامية، التاريخية منها والمعاصرة.
وأولت الجلسات الحوارية بالمؤتمر اهتماماً كبيراً بموضوع الحفاظ على تراث الفن الإسلامي في كل دولة، وأجمع المشاركون على اعتماد استراتيجية لقطاع الحرف اليدوية، مع الحرص على ديمومة مهن أوشكت على الاندثار في ظل ما تمر به المنطقة من أزمات.
اكتشاف سرديات جديدة
ومن بين العناوين التي حملتها جلسات المؤتمر: مستقبل الحِرف اليدوية في المملكة والعالم الإسلامي، والفنانون الحرفيون في الجزيرة العربية، و التراث في خطر: جهود لحماية الماضي، و الحرف اليدوية خلف العدسة: توثيق المهنة والحياة، والحِرف اليدوية والمدينة والمجتمع، والمتحف ووالحِرفي: اكتشاف سرديات جديدة من خلال المجموعات.
وتضمنت الجلسات – كذلك - سرد أهمية الحرف الإسلامية في العهد النبوي من خلال ذكر رحلة الشتاء والصيف وهي رحلة التجارة، كذلك عدد الأسواق في ذلك الوقت وما يعرض فيها من حرف وسلع، وتناول الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة عبد الله القاضي للاستشارات التراثية والتاريخية في المملكة، الدكتور عبد الله القاضي، عددًا من القصص التاريخية عن الأسواق والمهن والمنتجات المصنعة يدويًا كالعقود، والأحذية بالجلود، وبيوت الطين في العصر النبوي والتي ذكرت في القرآن الكريم.
الأزياء التراثية السعودية
وقد جاءت النسخة الثانية من مؤتمر الفن الإسلامي، متزامنة مع تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية في المملكة لدعم التراث الثقافي وزيادة الوعي بأهمية الحرف السعودية.
وإلى جانب الجلسات العلمية، ومعرض (في مديح الفنان الحِرفي)، كان هناك أنشطة أخرى من أبرزها معرض "امتداد: الأزياء التقليدية في المملكة" الذي يُعد معرضًا مخصصًا لتراث الأزياء والمجوهرات التقليدية في المملكة العربية السعودية. كجزء من الموضوع الأوسع للحرف اليدوية في إثراء. يسلط المعرض الضوء على الفن والحرفية الكامنة في هذه الأزياء، ويعرض التصميم المعقد والمواد والتقنيات التي تفضي عن التقاليد الثقافية المتنوعة في المملكة.
ولا يستكشف معرض (امتداد: الأزياء التقليدية في المملكة)، التطور التاريخي لتصميم الأزياء السعودية فحسب، بل يحتفل أيضًا بعمل المصممين المعاصرين الذين يعيدون تفسير وتحديث الملابس التقليدية مع الحفاظ على إرثها، وذلك من خلال تقديم كل من القطع التاريخية والإبداعات المعاصرة، يوضح المعرض كيف تطورت الأزياء السعودية التقليدية بمرور الوقت، ومزجت بين المواد المحلية والمستوردة لإنشاء ملابس نابضة بالحياة، تعكس الهويات المحلية والقيم الثقافية. كما تؤكد المعروضات على التأثيرات البيئية على تصميم الأزياء، مع الاختلافات المحلية في المواد والأشكال والألوان التي تتوافق مع الجغرافيا المتنوعة للمملكة العربية السعودية.
معرض (امتداد: الأزياء التقليدية في المملكة)، استهدف إظهار الأهمية الثقافية للملابس التقليدية السعودية، حيث يستلهم المصممون المعاصرون من تراثهم لتقديم تعبيرات جديدة يمكن ارتداؤها وتستمر في الاحتفاء بجمال وفن وثقافة الأزياء السعودية.
من كلمات المشاركين:
وخلال مشاركته بالمؤتمر، قال المدير التنفيذي لهيئة التراث بالمملكة، الدكتور جاسر الحربش، إن مؤتمر الفن الإسلامي، يُعد حدثًا استثنائيًا لنقل قطاع الحرف من قطاع غير مفعّل إلى قطاع مرئي في الواجهة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن هناك صورة نمطية خاطئة عن قطاع الحرف، حيث يوصم القطاع بالمندثر والمرتبط بمجموعة مخصصة إما كبار السن أو الفئة الأقل دخلًا وهي نظرية خاطئة وغير واقعية، نظرًا لجهود المملكة في قطاع الحرف والتراث الثقافي، مشيرًا في معرض حديثه بأن الفنّان الحرفي الذي يعمل إثراء على مديحه، هو موجود ومتأصل من آلاف السنوات، حيث أن الحرفيين في الماضي بالفعل كانوا يحمون مواقعهم ولكن كانوا يملكون الوقت للفن والشعر والمسارات الثقافية الأخرى بحسب تعبيره.
ومن جانبها، أبدت أستاذة الأزياء والمنسوجات التراثية في جامعة الأميرة نورة، الدكتورة ليلى البسام، اعتزازها بالرؤى الفنية للحرف اليدوية في المملكة كمصدر لصناعة منتجاتٍ حديثة، حيث أن الدراسات التاريخية للأزياء التقليدية وُجدت لمنفعة الأشخاص المهتمين في مجال الأزياء التقليدية كإنتاج الأفلام أو المسلسلات التاريخية أو المناسبات الوطنية وغيرها، إذ يتم العمل على استقطاب خطوط من الأزياء التقليدية ومزجها بالأزياء العصرية، كما أن إعادة إنتاج هذه الأزياء تجعل لدينا خط أزياء سعودي معاصر ومعرّف عالميًا، ويجب علينا كمؤرخين إيجاد وظائف جديدة للمنتج الحرفي لضمان استمرارية الحرف التقليدية، وختمت حديثها قائلة: "حرفنا كنز نستمد منه ما يغنينا ويميزنا فلنحافظ عليه".
وبدورها، أكدت الرئيس التنفيذي للمعهد الملكي للفنون التقليدية (ورث) الدكتورة سوزان اليحيى، على دور المعهد الذي يصب في الحفاظ على الموروث الوطني، مبيّنة أهمية مفهوم التلمذة في الفنون الإسلامية والذي يأتي ضمن البرامج التعليمية التي تتميز بمزجها بين التراث الحرفي السعودي وروح العصر الحديث، ملتزمةً بحفظ التراث وتطوير مهارات الجيل الجديد لضمان استمرار الحرف الوطنية بمقتنياتها وكفاءاتها.
ومن الضيوف العرب، تحدثت الشيخة مي آل خليفة، المؤسس ورئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة للثقافة والبحوث بمملكة البحرين، حيث عبّرت عن سعادتها بجهود إثراء في الحفاظ على التراث والاحتفاء بجهود الفنانين الحرفيين، وأشارت إلى أهمية الاحتفاء بيوم الفن الإسلامي، مشيدة بتعدد أشكاله واختلاف توجهاته وتميز رسالته ومدرسته بين بقية المدارس الفنية الأخرى، وأكدت بأن الفن هو اللغة العالمية التي يجيد الجميع التخاطب بها، والفنون الإسلامية هي طاقة إيجابية وفلسفة قبل أن تكون حرفة لها أبعادها، وكما يقول حسن فتحي المعماري الإسلامي لا بد أن يكون له في بيته قطعة من السماء.
ومن الضيوف الأجانب، تحدثت المديرة التنفيذية لمؤسسة جبل التركواز(المملكة المتحدة) شوشانا ستيوارت، حيث أشارت إلى ما تقدمه المؤسسة لمستقبل الحرف اليدوية في العالم، مستهدفةً بذلك دول العالم المتضررة جراء الحروب والأوبئة والأزمات التي تعيشها المنطقة، إلى جانب دورها في توفير مصدر دخل للعائلات النازحة، وأضافت: "نحن نؤمن بالثقافة والحرف والتراث التقليدي، ونحن هنا في مؤتمر الفن الإسلامي لدعم موارد المملكة المتعلقة بالفنون والحرف اليدوية كالقط العسيري والكثير، وهدفنا أن نعرض هذه الأعمال والحرف للجماهير والعالم ككل".

