تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

المؤلفات الجغرافية عند العرب

المؤلفات الجغرافية عند العرب

د. عماد ممدوح عبدالحليم

 

يرجع ظهور الفكر الجغرافي العربي إلى القرن الثالث الهجري، وكانت المعلومات الجغرافية قبل هذا التاريخ متناثرة في الكتب الأدبية واللغوية والتاريخية ، وقد بدأ التأليف الجغرافي عند العرب متأثرًا بالفكر الإغريقي من خلال تلك الكتب التي ترجمت للغة العربية التي كانت هي الأساس لانطلاق التأليف العلمي في ميدان العلوم الجغرافية، وشهد القرنان الرابع والخامس الهجريان تطورًا كبيرًا في الجغرافية الوصفية ممثلة في كتب : ( المسالك والممالك) ، وبلغت صناعة الخرائط أوج تقدمها، وهكذا كان الحال في الجغرافيا الفلكية والرياضية، وجغرافية الرحلات والمعاجم الجغرافية، وتركت هذه المرحلة تراثًا جغرافيًّا ثريًّا ممثلًا في تلك المؤلفات العديدة والخرائط والمعاجم الجغرافية، وبرز علماء كبار كالبكري، والحموي، والاصطخري، والإدريسي، وابن حوقل، وغيرهم. 

         وجاء هذا النشاط في التأليف الجغرافي نتيجة لعوامل عديدة منها: اتساع رقعة الدولة العربية، وما نتج عنها من مهام إدارية ومالية وعسكرية وعلاقات بينها وبين الدول المختلفة حينذاك، كل هذا أدى إلى الحاجة المتزايدة إلى تجميع المعلومات الجغرافية حول المعلومات الطبيعية والبشرية وطرق المواصلات داخل الدولة وخارجها، كما أن الدوافع العلمية لعبتْ دورًا هامًّا حيث إن هذه المرحلة قد شهدت تقدمًا مذهلًا في جميع ميادين العلوم والفنون، وكان على الجغرافيين العرب والمسلمين أن يسايروا هذه النهضة العلمية المزدهرة، ويضاف إلى هذا شغف العلماء والكثير من المؤلفين بالرحلات والاكتشافات، ناهيك عن أن الدولة العربية أصبحت مركز التجارة الدولية، وعبر أراضيها تمر وتتقاطع جميع الطريق. 

         وأعقب هذه المرحلة من التقدم العلمي مرحلة الركود والجمود الفكري التي دامت قرونًا طويلة وذلك بسبب ضعف الدولة العربية وانهيارها نتيجة للغزوات والحروب التي تعرضت لها، وانتهت بالعهد العثماني وأخيرًا بالاستعمار الأوروبي. 

 

1-   المعاجم الجغرافية : 

 

إذا كانت المؤلفات الجغرافية في التراث العربي قد تأخر ظهورها إلى القرن الثالث الهجري ، فإن المعاجم الجغرافية لم تظهر إلا في القرن الخامس الهجري الذي شهد ظهور أول معجم جغرافي عربي ( معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع) لأبي عبيد عبدالله بن عبدالعزيز البكري ( 432-487هـ) فقد وجد مؤلفو المعاجم أنفسهم أمام رصيد ضخم من المؤلفات الأدبية واللغوية والتاريخية التي تحتوي في متونها على معلومات جغرافية غنية عن الأماكن والمواقع وتعريفها ووصفها، ويضاف إلى هذا المؤلفات الجغرافية وكتب الرحلات، لأن الجغرافيا الوصفية في هذه المرحلة قد وصلت إلى درجة متقدمة جدا.

إن هذه المصادر جميعها بما توفره من معلومات جغرافية تشكل البنية الأساسية لتأليف المعاجم الجغرافية، كما أن هذه المرحلة شهدت تطورًا كبيرًا في حركة تأليف المعاجم اللغوية التي كانت تشمل إلى جانب المفردات اللغوية أسماء الأشخاص والأماكن والبلدان وذلك بغية ضبط لفظها، واستفاد مؤلفو المعاجم الجغرافية كثيرا من صناعة المعاجم اللغوية سواء من حيث طرق التنظيم والترتيب، ومن حيث أسماء المناطق الجغرافية ووصفها وتعريفها وضبط نطقها. 

ويمكننا القول بأن المعاجم الجغرافية وكتب التراجم قد ولدا من رحم المعاجم اللغوية ، ومن أمثلة المعاجم الجغرافية في التراث العربي ، المعاجم التالية: 

1-   معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ، لأبي عبيد عبدالله بن عبدالعزيز البكري (432-487هـ / 1040-1094م) وهو أول معجم جغرافي عربي، وقد ذكر البكري في مقدمة كتابه أنه جمع أسماء الأماكن التي تردد ذكرها في الأدب العربي، من الأمصار والجبال والآثار والمياه والآبار ليكون معجما جغرافيا ، وقد رتب مواده ترتيبا هجائيا بحسب الهجائية المغربية ووفقا للحرفين الأول والثاني من أصل الكلمة . ويتألف المعجم من (784) بابًا ويحتوي على (3590) مادة، ومعظمها في الجزيرة العربية، ولا يكتفي المؤلف بذكر الأماكن والمواقع فحسب، بل يتتبع هجرة القبائل العربية من أوطانها، ويذكر أيامها ووقائعها وأنسابها وعشائرها. 

نشر المعجم لأول مرة على يد المستشرق الألماني ( ويستنفلد) عام (1877م) بجزئين، وفي عام (1945م) ظهرت طبعة القاهرة تحقيق مصطفى السقا الذي قام بتغيير ترتيبه حسب ترتيب الحروف الهجائية العادية، وذلك في أربعة مجلدات، وقد زوده بكشاف هجائي بأسماء الأماكن والبلدان والمياه والجبال وآخر بالأعلام، وثالث بالقوافي. 

2-   الجبال والأمكنة والمياه/ أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت 538هـ) يشبه معجم البكري في اعتماده على كتب الأمكنة القديمة وفي اتباع الترتيب الهجائي لمواد معجمه ، وقد ركز على ضبط الأعلام الجغرافية الواردة في القرآن الكريم والسيرة النبوية ، وقد نشر لأول مرة في ليدن عام (1856م) كما طبع في النجف عام (1962م) وفي بغداد عام (1968م) بتحقيق الدكتور إبراهيم السامرائي. 

3-   أسماء البلدان والأمكنة والجبال والمياه / أبو الفتح نصر بن عبدالرحمن الغزاري الإسكندري (ت 560هـ) يضم المعجم ( 2938) موضعا، وكان هذا موضع اهتمام الكثيرين، فقد أعجب ياقوت الحموي صاحب ( معجم البلدان) واعتمد عليه في إعداد معجمه، وكذلك أبو موسى الأصفهاني الذي اختصره في كتاب أسماء ( ما اختلف وائتلف من أسماء البقاع) وأيضا أبو بكر الحازمي الهمذاني ( ت 854هـ) الذي اتخذه أساسا لكتابه ( ما اتفق لفظه واختلف مسماه) . 

4-    معجم البلدان / أبو عبدالله ياقوت الحموي ( 574-627 هـ/ 1178-1229م) ويعد هذا المعجم من أهم المعاجم الجغرافية، ويمتاز بدقة معلوماته وغزارتها واتساعها وبحسن ترتيبه، ويجمع الجغرافيا والتاريخ والأدب، ويكثر من الاستشهاد بأقوال الجغرافيين الذين سبقوه، وقد انتقل الحموي في أرجاء العالم الإسلامي وعرف مدنه وأقاليمه وكتب عنهما ما شاهده أو قرأه أو سمعه من المعلومات والأخبار .

ويتألف المعجم من مقدمة عن جغرافيا العالم في خمسة أبواب، ثم قسم المؤلف باقي أجزاء المعجم إلى (28) كتابًا بعدد حروف الهجاء ، وقسم كل كتاب إلى (28) بابا والتزم في ترتيب مواده بالترتيب الهجائي. 

طُبع لأول مرة في (لايبزغ) بعناية المستشرق الألماني ( ويستفلد) في ستة مجلدات فيما بين (1866-1872م) وطبع في القاهرة مع المستدرك عليه في (10) أجزاء في (5) مجلدات على يد محمد أمين الخانجي بين عامي ( 1906-1907م) وصدر في بيروت عن دار صادر فيما بين (1955-1957م) وقد قام صفي الدين بن عبدالحق البغدادي ( ت 739هـ) باختصار معجم البلدان في كتاب أسماه ( مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع) وطبع عدة طبعات في ليدن وإيران وأخيرًا في القاهرة بتحقيق علي محمد البجاوي عام (1954م) في ثلاثة أجزاء 

5-   المشترك وضعًا والمفترق صقعًا ( أبو عبدالله ياقوت الحموي) هذا المعجم مختصر لمعجم البلدان وهو مرتب ترتبا هجائيا وقد جمع المؤلف أسماء الأماكن التي تتشابه في الاسم، وتختلف في الموقع الجغرافي مع التعريف بها وذكر المعلومات التاريخية والجغرافية المختصرة عنها، وتوجد كشافات هجائية بالأسماء الجغرافية والقبائل والشعراء والمفسرين، وق قام بتحقيق المعجم المستشرق ( ويستفلد) وطبع في ليدن عام (1846م) لأول مرة. 

6-   آثار البلاد وأخبار العباد/ زكريا بن محمد القزويني ( ت 682هـ) ويعد من المعاجم الجغرافية الهامة التي ظهرت بعد معجم البلدان لياقوت الحموي، وقد قسم المؤلف المعجم إلى سبعة أقسام ، ويختص كل قسم بأحد الاقاليم السبعة ويبدأ القسم بتعريف مختصر لموقع وحدود الإقليم ثم يسرد أسماء الأقاليم والمواقع والأمكنة الموجودة فيه بترتيب هجائي صدر عن دار صادر في بيروت عام (1960م) 

 

2-   المواد الخرائطية: يتمثل التراث الخرائطي العربي في المئات من الخرائط والأشكال والصور المنفردة، أو التي تتضمنها المؤلفات الجغرافية لأن صناعة المواد الخرائطية قد ارتبطت بالتطور الذي حصل في العلوم الجغرافية خلال العصور الإسلامية. 

وقد تباينت آراء الجغرافيين المحدثين في تحديد مراحل تاريخ تطور الخرائط العربية القديمة حيث يرى بعضهم تقسيمها إلى ثلاث مراحل ، يمل المرحلة الاولى الخوارزمي، وهو الفن المنسوب إلى خرائط بطليموس ، والثانية وهو فن الخرائط المستقل ويمثله البلخي والإصطخري وابن حوقل، والثالثة : فن الخرائط الرياضية والفلكية ويمثله : الإردريسي، ويرى فريق آخر أن حركة تاريخ تطور الخرائط تقسم إلى مرحلة ما قبل " الخريطة المأمونية" وما بعدها، ويرى فريق ثالث أنه من الأفضل التقسيم إلى مدرستين: 

المدرسة الجرافية التقليدية التي تأثرت بالخرائط المنقولة  عن الحضارات الأخرى وبخاصة عن الإغريقية، والمدرسة الجغرافية الأصيلة وتضم إنتاج الخرائطيين المسلمين الذين تميزوا بالإبداع والبتكار ولم يتأثروا بالخرائط السابقة.

ومهما يكن من أمر، فإن مرحلة الخرائط التي سبقت عهد الخليفة المأمون قد شهدت ظهور العديد من الخرائط والأشكال والصور ، ولكن لم يصل منها شيء، فقد أصابها ما أصاب مخطوطات ذلك العصر من الضياع والتلف، وكل ما يتوفر عنها من معلومات هي تلك الإشارات الواردة في الكتب الأدبية والجغرافية والتاريخية. 

ولعل الخريطة المأمونية هي أول خريطة إسلامية اجتمع على إصدارها مجموعة من الفلكيين والرياضيين بأمر من الخليفة المأمون وقد قسمت الخريطة العالم إلى سبعة اقاليم واستخدم معدوها الألوان وبدلوا الأسماء الجغرافية القديمة بأسماء عربية. 

ومن أهم الخرائطيين المسلمين محمد بن موسى الخوارزمي المتوفي عام ( 232هـ ) صاحب كتاب (صورة الأرض) الذي تضمن عدة خرائط. 

ويعد ابو زيد أحمد بن سهل البلخي المتوفى عام 322هـ رائد المدرسة الخرائطية الأصلية التي تحررت من تأثيرات المدرسة الإريقية، وقد تضمن كتابه (المسالك والممالك) بعض الأشكال وصور الاقاليم ، وسار على منهج البلخي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإصطخري الذي أشار في مقدمة كتابه (المسالك والممالك) إلى أنه رسم إحدى وعشرين خريطة، أولها خريطة للعالم توضح الأقاليم بصورة مصغرة، والعشرون الخريطة الأخرى لعشرين إقليما من بلاد الإسلام، كما يحتوي كتابه على بعض الخرائط المنسوبة للبلخي. 

وقد تأثر بالإصطخري واستفاد من خرائطه بشكل واضح أبو القاسم محمد بن حوقل المتوفى عام ( 366هـ) وكتابه المسال والممالك يدل على معرفة واسعة بالمواضع والظواهر الجغرافية ويبلغ عدد خرائطه اثنتين وعشرين خريطة. 

وهناك شمس الدين محمد بن أحمد المقدسي (ت 390هـ) الذي يمثل الاتجاه نفسه، ولكنه اختلف عنهم في تحديد عدد الأقاليم ففي كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) يقسم البلاد الإسلامية إلى أربعة عشر إقليما وبلغ عدد خرائطه (18) خريطة. 

ويمثل الحلقة الأخيرة من تطور حركة الخرائط العربية القديمة أو عبدالله بن محمد بن إدريس المعروف بالإدريسي، وتتميز الخرائط التي أعدها بالاهتمام بالعالم المعروف آنذاك، وليس بالعالم الإسلامي فحسب، وقد اعتنى بالمعلومات الفلكية ، والتزم بمقياس الرسم وتحديد الاتجاهات، وفي كتابه ( نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) يرفق به خريطة للعالم رسمت على سبعين قطعة ، وله أيضا كتاب ( جنان النعيم ) مع أطلس مؤلف من ثلاث وسبعين خريطة، كما اقترن اسم الإدريسي بالكرة الأرضية التي وضعها ورسم عليها خريطة العالم، وقد جاء بعد الإردريسي العديد من المؤلفين الجغرافيين مثل: ابن سعيد المغربي المتوفى (685هـ) وشمس الدين الدمشقي ( ت 727هـ) وابن فضل الله العمري، وزكريا القزويني وغيرهم. وقد اتبعوا جميعا منهج الإدريسي في رسم خرائطهم. 

وأخيرا فقد واكب الخرائطيون العرب القدماء حركة التطور في العلوم الجغرافية بشكل خاص، والحركة العلمية المزدهرة في جميع العلوم والفنون بشكل عام، وقد تركوا لنا المئات من الخرائط فوضعوا الخرائط العالمية، وخرائط للعالم الإسلامي، بالإضافة إلى الخرائط الإقليمية أو المحلية، واستخدموا الألوان وحددوا الاتجاهات وبعضهم التزم بمقياس الرسم، كما وضعوا الخرائط العسكرية والتجارية والخرائط البحرية.  

المؤلفات الجغرافية عند العرب
Ehsan Logo