شكّل مصدرًا مهمّا في التنوير المعرفي .. 100 عام على صدور كتاب : ( خواطر مصرحة) لمحمد حسن عواد
كما أن هناك شخصيات تاريخية مؤثرة يحتفى بها في مناسبات مختلفة، كذلك هناك كتب تاريخية مؤثرة لها حضورها في الذاكرة الثقافية، ولا تغيب كثيرًا عن المشهد الثقافي مهما امتدت الأزمنة.
فالمثقفون والكتاب يشيرون دائما إلى كتاب ( جمهورية أفلاطون) أو إلى كتابات هوميروس وأسخيلوس، أو إلى ديوان المتبني ومعجز أحمد لأبي العلاء المعري أو لكتب الفقه الأربعة أو إلى تفسير الطبري أو ديوان المتنبي وديوان أحمد شوقي أو قصة الحضارة، أو تفسير الأحلام لفرويد أو رواية الحرب والسلام لتولستوي أو البؤساء لفيكتور هوجو أو الوجود والعدم لسارتر أو كتاب في الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين في الثقافة العربية ، فهذه الكتب وغيرها المئات من الكتب هي كتب اخترقت المسافة الزمنية وأصبحت تشكل طاقة معرفية موجودة بالفعل تلامس كل بحث يكتب في مجالها الأدبي والفلسفي والفكري .
ويأتي كتاب : ( خواطر مصرّحة) للأديب والشاعر السعودي محمد حسن عواد ليشكل ظاهرة ثقافية في الثقافة السعودية منذ صدوره قبل 100 عام حيث صدر في العام 1926م حيث يوصف بأنه أول كتاب نهضوي تنويري في الجزيرة العربية، وقد صدر الكتاب عام 1345هـ (1926م)، وأثار وقت صدوره ردود فعل واسعة ومتباينة، كما تعرض عواد بسبب بعض الآراء الجريئة في نقد المجتمع والثقافة السائدة وبعض العادات والتقاليد للوقف عن العمل ومصادرة الكتاب.
ضمن كتاب (خواطر مصرحة) مقالات «صغيرة مركزة ذات مرامي ومقاصد وأهداف رسمها الأستاذ محمد عواد وأراد منها الإصلاح والتقويم والبناء والتوعية وبث الفكر المستقل لدى الناس عموماً وخصوصاً ناشئة الحجاز واستنهاض المجتمع ككل بأن يكون مجتمعاً عاملاً صناعياً مثقفاً بثقافة العصر الحية المتجددة». ومن بين المقالات التي تضمنها الكتاب مقالة انتقد فيها طريقة التعليم التي تقوم على الحفظ والاستظهار، كما تضمن مقالة عنوانها «إلى علم البلاغة العربية القديمة»، ومقالات أخرى منها: «من نافذة الخيال»، و«أيها المتشاعرون»، و«أمة مهملة»، و«فلسفة الحياة العصرية»، و«الأدب في الحجاز»، ومقالة «مداعبة مع العلماء» التي تعد أكثر مقالات الكتاب إثارة للجدل.وقد قام الباحث حسين بافقيه بإصدار طبعة جديدة من الكتاب عام 1433هـ بعنوان (خواطر مُصرّحة: يليه رد يوسف ياسين).
أهمية الكتاب
يقول علي جواد الطاهر عن الكتاب: «لقد كان صدور (خواطر مصرحة) في ذلك الوقت المبكر جداً من تاريخ النشر الأدبي في المملكة بقلم شاب يدعي الكثير، ويخوض في مسائل ضخمة، أشبه بثورة في المحيط، وقد ترك صدى كبيراً زاد في ثقة الكاتب بنفسه وزاد في (غروره) الأدبي كذلك"
ويقول "عبد العزيز الخضر" في كتابه (السعودية: سيرة دولة ومجتمع): «يشير الكثير من النقاد بإيجابية لدور العواد التحديثي، حيث ظل في نظرهم في صدام حاد مع هذا الواقع في أشكاله وصوره المختلفة، داعياً إلى الثورة على كل قديم في الفكر والحياة، والأخذ بأساليب النهضة الحديثة والانفتاح على حضارة العصر. وقد أخذت أفكار العواد الجريئة وأسلوبه اللاذع والساخر المجتمع بالدهشة والصدمة، وألهبت عليه الأوساط الدينية والمحافظة، وكان ذلك سبباً في تركه وظيفته في مدرسة الفلاح ذات الأسبقية التاريخية في تاريخ التعليم، وكاد يعرضه لعقوبة السجن. غير أن (خواطر مصرحة)، من ناحية أخرى حظي بإعجاب عدد من الأدباء مثل محمد سرور الصبان الذي قال عنه: إنجيل الثورة الفكرية. ووصفه عبد السلام الساسي بأنه ثورة إصلاحية على الأدب والمجتمع، وشبهه محمد عالم الأفغاني بالديناميت في عنف ثورته. ومن يعد اليوم إلى فكره وفلسفته في التنوير يجدها متجذرة في هذا الكتاب الذي أصبح علامة على شخصية العواد، وعلى فكر مرحلة مهمة من مراحل النهضة الأدبية في المملكة"
وكتب "محسن السهيمي": " قرأت الكتاب فخرجت بنتيجة مؤداها أن خواطر العواد لم تكن تستحق كل هذه الزوبعة والحدّية من قِبل معارضيه في تلك الفترة وما تلاها ».
كوكب ساطع:
وكتب د. عبدالله المدني: بعد وفاته في عام 1980 تحدث عنه الكثيرون مطلقين عليه أوصافا وألقابا يستحقها عن جدارة. فالأديب والصحفي الدكتور عبدالله مناع قال عنه أنه «ليس نيزكاً ولا نجماً عابراً في سماء حياتنا الأدبية والفكرية بل كوكب ساطع شغل الناس طوال أربعين سنة بفكره وأدبه»، والأديب والمؤرخ والشاعر محمد حسين زيدان أخبرنا أنه «عرف أبوللو» وذيل قصائده بهذا اللقب قبل أن تنشأ جماعة «أبوللو» في القاهرة، والأديب الراحل عبدالله الجفري قال عنه ما مفاده أنه كان صاحب أفكار طليعية جديدة وجريئة أثارت الكثيرين من النقاد والمتابعين، وأستاذ الأدب والنقد الدكتور إبراهيم الفوزان أكد على أن صاحبنا قال الشعر المنثور والشعر الحر والمرسل في الثلاثينات من القرن العشرين فسبق بذلك نازك الملائكة التي قالته في الخمسينات حسب اعترافها، والأديب والصحفي محمد سعيد باعشن قال عنه إنه «أحد الأفذاذ الذين عملوا على إيجاد حضارة عقلية وروحية ومادية تقوم على أساس من الخيال العلمي والفكر المستقبلي في مواجهة التغيير المتسارع الذي يسيطر على جميع أشكال الحياة»، أما أحمد زكي أبوشادي صاحب مدرسة أبوللو الشعرية فقد وصفه بـ«قائد الحركة التجديدية في الشعر الحجازي ومن أولئك الشعراء الموهوبين المحسنين».
بدأ عواد مشواره التعليمي بالالتحاق بمدرسة الفلاح العريقة التي أسسها الحاج محمد علي زينل والتي خرّجت معظم رجالات الجيل الذهبي من أدباء ومفكري الحجاز وتهامة وأيضا كبار تجارهما وموظفيهما الحكوميين.
في هذه المدرسة تلقى عواد العلم على يد ثلة من الأساتذة الذين ذاع صيتهم فيما بعد في مجالي الأدب والشعر. وبمجرد تخرجه تم تعيينه بمدرسة الفلاح كمدرس، خصوصا وأنه برهن منذ صغره على الخلق الرفيع والنبوغ والتميز بدليل أنه بدأ نظم الشعر وهو لم يتجاوز 11 عاما، كما أنه وضع نصوص أول مؤلفاته في عام 1925 حينما كان في مقتبل العمر. لاحقا ترك عواد سلك التدريس في جدة مجبرا ليعمل في مكة في شعبة الطبع والنشر، ثم عاد مجددا إلى جدة للعمل رئيسا لكتاب المحكمة التجارية تحت رئاسة المرحوم سليمان قابل، فمحققا بالقسم العدلي بإدارة الأمن العام بالحميدية في شمال مكة. وخلال عمله الأخير هذا ساهم مع اثنين من أقرانه الشباب (عبدالوهاب آشي ومحمد حسن الفقي) في إدارة وتحرير جريدة صوت الحجاز وقت ظهورها لأول مرة في عام 1932. وحينما تحولت «صوت الحجاز» إلى صحيفة «البلاد السعودية» أدار تحريرها أيضا، ثم عين مديرا عاما لمؤسسة الطباعة والنشر بجدة، وشارك في تأسيس مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر بجدة في الستينات، وكان قد ساهم من قبل في تحرير مجلة «النداء الإسلامي» التي صدرت بمكة في الثلاثينات.
هوامش:
· https://web.archive.org/web/20170910035512/http://www.alriyadh.com/1622101
· https://web.archive.org/web/20200131183749/https://www.okaz.com.sa/local/na/1598105
· https://web.archive.org/web/20200131183742/https://www.alarabiya.net/ar/politics/2020/01/27/%D8%
· https://web.archive.org/web/20200131183728/http://www.al-jazirah.com/culture/25072005/zakarah21.htm
· https://ar.wikipedia.org/wiki/ _

