الشاعر العراقي سعدي يوسف: شيخ الشعراء ووريث المتنبي
حجاج سلامة
هو واحد من فرسان القصيدة، ورائد من رواد الشعرية الحديثة، إنه الشاعر الراحل الكبير سعدى يوسف.. الذي يوصف بالشاعر الثائر المتمرد.. جراء ما خاضه من معارك شعرية وفكرية على مدار عقود من حياته إلى أن توفي في شهر يونيو من العام الماضي 2021، عن عمر ناهز الـ 87 عاما، وذلك بعد رحلة معاناة مع المرض سنواته الأخيرة.
وسعدي يوسف (1934 - 13 يونيو 2021),، شاعر وكاتب ومُترجم عراقي، عمل في التدريس والصحافة الثقافية.. ثم غادر العراق بعد ان اختار الإقامة في مدينة لندن التي بقي فيها حتى رحيله.
ويعد الراحل الكبير، من كبار شعراء العالم العربي، وأحد الأصوات الشعرية البارزة في عالم الشعر من حيث التجربة الشعرية وغزارة الإنتاج.
وينتمي سعدي يوسف إلى موجة الشعراء العراقيين التي برزت في أواسط القرن الماضي، وجاءت مباشرة بعد جيل رواد ما عرف بالشعر الحر أو التفعيلة، الذي أطلق على رواد تحديث القصيدة العربية من أمثال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي.
وخلال مسيرته الإبداعية، نال سعدي يوسف، الكثير من التكريمات والجوائز العربية والدولية، ومن بين ما حصل ما ناله من جوائز، حصوله على الجائزة الإيطالية العالمية، وجائزة كافافي.. وجائزة فيرونيا الإيطالية لأفضل مؤلفٍ أجنبيّ.. وجائزة المتروبولس في مونتريال في كندا.
وانضم خلال حياته إلى هيئات تحرير الكثير من المجلات والمطبوعات العربية والأجنبية، حيث كان عضوا بهيئة تحرير " الثقافة الجديدة "، والهيئة الاستشارية لمجلة نادي القلم الدولي (بالإنجليزية: PEN International Magazine)، وهيئة تحرير مجلة بانيبال للأدب العربي الحديث.
وقد ارتكز شعره على تجارب شخصية وانطباعات من الحياة اليومية وتحدّى فيه شعر التفعيلة التقليدي، وبات لأسلوبه تأثير كبير على الشعر العربي المعاصر.
وكان سعدي يوسف، الذي تخرج من معهد المعلمين في بغداد عام 1954، أحد الأعضاء البارزين في الحزب الشيوعي العراقي الذي كان معارضاً لنظام صدام حسين.
ورغم قمع النظام السابق للشيوعيين، لم يكن يوسف مؤيداً لغزو العراق من قبل الولايات المتحدة في العام 2003 والذي أدّى إلى الإطاحة بنظام حزب البعث، ولذا فضّل البقاء خارج البلاد إلى حين وفاته.
وفي عام 1963 ألقي القبض على سعدي يوسف عندما سيطر حزب البعث على الحكم في العراق، قبل أن يطلق سراحه ويغادر البلاد.
وأثّرت السياسة على رصيده الأدبي، فبالإضافة إلى ترجمته مؤلفات لكتاب عالميين على غرار فيديريكو غارسيا لوركا، ألّف ديوان " الشيوعي الأخير" كما كان يصف نفسه، فضلاً عن دواوين أخرى مثل " الخطوة الخامسة " و" الأنهار الثلاثة ".
ويُعدّ سعدي يوسف من أبرز الشعراء العراقيين وأكثر جدلاً في العقود الأخيرة؛ بسبب تحويلاته الفنّية الجمالية التي أحدثها في القصيدة العربية، أو بسبب مواقفه السياسية الجريئة وانتمائه اليساري، ولاسيما بعد غزو بلده العراق في العام 2003.
وبرغم ما كان يراه بعض العراقيين، من المآخذ التي أُخذت على سعدي يوسف، وهي المآخذ التي رأى آخرون بأنها مآخذ لا علاقة لها بالإبداع الشعري، يفقد ظل الشاعر الراحل قامة شامخة في صرح الحداثة الشعرية العربية طوال الشطر الثاني من القرن العشرين. وهذا ما جعله يحظى طوال مساره الإبداعي بعدة ألقاب تصب في هذا المصب منها أنه كان " شيخ الشعراء "، ووريث " أبي الطيب المتنبي"، و" أراغون العربي ".. نسبة إلى الشاعر الفرنسي لوي أراغون الذي ولد في عام 1897 وتوفي في عام 1982.
ولعل سعدي يوسف كان يأنس قبل رحيله إلى وصفه بـ " أراغون العربي" لوجود نقاط التقاء كثيرة في مسار الشاعرين من أهمها أنهما كانا لا يخجلان من أن يوصفا بأنهما شيوعيان بل كانا يفاخران بذلك.
وكان سعدي يوسف، صاحب وفرة شعرية، حيث قدم للساحة الشعرية، أكثر من أربعين مجلدا شعريا بالإضافة إلى نصوصه الإبداعية الأخرى ومقالاته الصحافية. ولابد من الإشارة هنا إلى ان نصوص جزء مهم من آثار شعراء عالميين كبار منهم والت ويتمان وغارسيا لوركا أوصلها سعدي يوسف إلى المكتبات العربية عبر ترجمتها.
وإذا كانت عوالم البصرة مسقط رأس سعدي يوسف تحتل جزءا مهما في بصماته الإبداعية، فإنه استمد أيضا كثيرا من عوالمه الشعرية من البلدان التي عاش فيها خارج العراق ومنها على سبيل المثال لبنان وسوريا واليمن والجزائر وتونس واليونان وقبرص وفرنسا والمملكة المتحدة. ونتلمس ذلك مثلا من خلال " قصائد مريئة" و" الأخضر يوسف ومشاغله" و" قصائد باريس - شجر إيثاكا". وعندما يُسأل الذين عرفوه عن قرب لفترة طويلة أو بشكل عرضي في إطار تظاهرات ثقافية، يكادون أن يجمعوا كلهم على أنه دمث الأخلاق وبسيط وحريص على العناية بالآخرين أكثر من حرصه على نفسه.
وعلى الرغم من مضي عامين على رحيله، إلا أن أحاديث الشعراء والنقاد والأدباء عن سعدي يوسف لا تتوقف، حيث رآه الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق بأنه "العظيم الذي لن يتكرّر".
وقال الشاعر العراقي يحيى السماوي: "ان الشاعر الرمز سعدي يوسف.. مقيم في قلوبنا وفي ذاكرة الأبد".
وقال الشاعر العراقي عارف الساعدي: "ان سعدي يوسف أحد أهمّ أعمدة الحداثة الشعرية العربية، الشاعر المختلف عليه، والذي مزق هويته، ولكنه استعادها بشعريّته العالية"
وقال الشاعر الفلسطيني غسان زقطان: "لقد تعلمنا من سعدي يوسف، واعترضنا عليه، وله في البساط خيوط كثيرة، نتذكر اسمه الذي اتكأنا عليه، فيأتي العراق صاحب الأيادي البيضاء على الشعر".
وقال الناقد المصري رضا عطية الذي أعدّ واحدة من أهمّ الأطروحات النقدية تحت عنوان الاغتراب في شعر سعدي يوسف: "ان سعدي يوسف حمل العراق في منفاه يرفرف في شعره ودماً يسري في شرايينه. وداعاً الأخضر بن يوسف".
ووصفه الكاتب العراقي سنان أنطون سعدي يوسف، بأنه " واحد من أعظم وأكثر شعراء العرب تأثيراً.. وأن الراحل الكبير ترك لنا إرثاً جمالياً كبيرا".

