من الطقس الأوكراني إلى فضاءات المشرق .. محمد أسد النمساوي الذي طاف بجزيرة العرب 23 عاما وكافح مع عمر المختار وأسهم في تأسيس باكستان
ربما لم يترك بلدًا عربيًّا أو شرقيًّا إلا وزاره، حيث طاف بلدان الشرق الأدنى صحفيًّا سائحًا ، وعمر الله قلبه بالإيمان فتحول عن اليهودية وعمره ستة وعشرون عامًا، ثم حجّ واستهوته الإقامة في المدينة المنورة ست سنوات، ضيفًا وصديقًا للملك عبدالعزيز – رحمه الله – فيما يرصد الدكتور عبدالرحمن الشبيلي في محاضرته التوثيقية عنه.
إنه الرحالة والمستشرق والباحث محمد أسد، النمساوي المولود بأوكرانيا ، واليهودي الذي كان اسمه:" ليو بولد فايس " وغير اسمه إلى محمد أسد بعد إسلامه.
هي رحلة مديدة بحثا عن اليقين، وعن الإيمان والعقيدة الحقة، لكنها أيضا رحلة تشوف وتأمل وكتابة عن دينه الجديد: الإسلام.
وكما يوضح الشبيلي فإن محمد أسد جال في قلب الجزيرة العربية قبل توحيدها، وأتقن اللغة العربية، وتزوج من أسر حائل المقيمة في المدينة المنورة، فتاة أصبحت أم ولده الوحيد (طلال) الذي يعيش في أمريكا حاليا، وألّف محمد أسد أجمل ما كتبه غربي عن الإسلام، ودفن في عام 1992م قبل ثلاثين عاما في مقابر المسلمين في جنوب إسبانيا.
بحثا عن الإيمان:
يقول محمد أسد في مقدمة كتابه الذي أصدرته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في طبعة ثانية :" ما أرويه في هذا الكتاب لا يعد سيرة ذاتية، لامرئ يشعر بالفخر إزاء ما قام به في الحياة العامة، كما لا يعد رواية لمغامرة خضتها- على الرغم من أنني صادفت مغامرات عجيبة، إلا أنها لم تمثل لي أكثر من مجرد أحداث مرافقة ومصاحبة لما كان يدور داخلي وما أصادفه، وما عدا كل ذلك لا يعد قصة حياة رجل يفتش بقصد ونية عن إيمان عميق أو عقيدة بذاتها، فذلك الإيمان حلّ عليّ عبر رحلة السنين، دون أن أسعى إليه، حكايتي ببساطة هي حكاية اكتشاف رجل أوروبي للإسلام، واندماجه في المجتمع الإسلامي "
ولد محمد أسد في مطلع القرن الماضي (1900م) في مدينة ليمبورغ الواقعة ضمن إمبراطورية النمسا - المجر، ( ضمن الدولة الأوكرانية حاليا) لأسرة ذات جذور يهودية مهاجرة، تطلع والده أن يجعل منه عالما رياضيا، لكن العلوم الرياضية والطبيعية كانت تجلب له الملل والسأم فانصرف عنها إلى الفنون والآداب ولم يستطع تحقيق رغبة والده، أما والدته فكانت تطمح أن تراه حاخاما دينيا مثل جده لكنه خيب أملها بالانصراف عن دراسة العلوم الدينية، وفي عام 1914 نشبت الحرب العالمية الأولى وارتحلت أسرته إلى النمسا، وهناك هرب من المدرسة والتحق بالجيش النمساوي بعد أن انتحل اسما مزورا، ويبدو أن بنيته الجسدية الضخمة خدعت رجال الجيش، وسرعان ما تعقب والده أثره، وأعاده إلى المدرسة، وعقب انتهاء الحرب التحق بجامعة فيينا ودرس تاريخ الفنون والفلسفة، ثم عمل مراسلا صحفيا في عدة مدن شرقية كالقدس والقاهرة وبغداد وحلب وأفغانستان، وهناك أتيحت له الفرصة للاطلاع المباشر على تعاليم الإسلام الذي اعتنقه عام 1926. في العام التالي مباشرة أدى محمد أسد مناسك الحج ومكث بعدها بضع سنين في الحجاز خبر فيها حياة البادية، ومنها اتجه إلى القارة الهندية وأقام بها بعض الوقت، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية شهد تأسيس دولة باكستان ونال جنسية الدولة الوليدة وأصبح مندوبها لدى الأمم المتحدة، وفي السنوات الأخيرة من حياته تفرغ للكتابة للتأليف إلى أن توفي بإسبانيا عام 1992 ودفن بغرناطة.
وهو كاتب وصحفي ومفكر ولغوي وناقد اجتماعي ومصلح ومترجم ودبلوماسي ورحالة ، ويعتبر محمد أسد أحد أكثر مسلمي أوروبا في القرن العشرين تأثيراً.
يقول محمد أسد: "جاءني الإسلام متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم، ولكن ليبقى فيه إلى الأبد والذي جذبني إلى الإسلام هو ذلك البناء العظيم المتكامل المتناسق الذي لا يمكن وصفه، فالإسلام بناء تام الصنعة، وكل أجزائه قد صيغت ليُتمَّ بعضها بعضاً… ولا يزال الإسلام بالرغم من جميع العقبات التي خلّفها تأخر المسلمين أعظم قوة ناهضة بالهمم عرفها البشر، لذلك تجمّعت رغباتي حول مسألة بعثه من جديد".
في خدمة الإسلام:
زار مصر والسعودية وإيران وأفغانستان وجمهوريات السوفييت الجنوبية. وزار عمر المختار ليبحث معه إيجاد طرق لتمويل المقاومة ضد الإيطاليين كما انتقل إلى شبه القارة الهندية التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي، وهناك التقى بالشاعر الكبير والمفكر محمد إقبال عام 1932 والذي اقترح فكرة تأسيس دولة إسلامية مستقلة في الهند (والتي أصبحت لاحقاً باكستان)، وقد أقنعه محمد إقبال بالبقاء والعمل على مساعدة المسلمين لتأسيس تلك الدولة. ثم عمل رئيساً لمعهد الدراسات الإسلامية في لاهور حيث قام بتأليف الكتب التي رفعته إلى مصاف ألمع المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 اعتقل والدا محمد أسد، وقتلا في وقت لاحق في الهولوكوست على يد النازيين. كما أن محمد أسد نفسه اعتقل على يد الإنجليز وسجن ثلاث سنوات باعتباره عدواً.
وفي الفصل الأول من كتابه: ( الطريق إلى مكة) يقول:" هذه ليست قصة حياتي بأجمعها، ولكنها عن السنوات التي قضيتها في الجزيرة العربية قبل أن أنتقل إلى الهند، تلك السنوات المثيرة التي قضيتها مرتحلا بين كل دول المنطقة على وجه التقريب، من أقصى صحراء ليبيا حتى مرتفعات باميرز المغطاة بالجليد في أفغانستان، وبين مضيق البوسفور حتى بحر العرب، لقد ذكرت في النص ، ولابد أن يظل ذلك في الأذهان، المدى الزمني الذي استغرقته آخر رحلة صحراوية من أعماق الجزيرة العربية إلى مكة المكرمة، في أواخر صيف سنة 1351 ( 1932م) فعلى مدى تلك الأيام الثلاثة والعشرين، اتضح في ذهني تماما نمط حياتي، وما أحب أن أكون، وما أود أن أحقق عبر تلك الحياة" .
ومن أبرز كتبه: مشرق مجرد من الرومانسية، الإسلام في مفترق الطرق، الإسلام والغرب، رسالة القرآن الكريم، نظام الدولة في الإسلام، دراسات في صحيح البخاري، عودة القلب إلى وطنه.
وكان كتابه (الطريق إلى مكة) قد صدر بالولايات المتحدة في أغسطس عام 1954م ( كتبه : ليوبولد فايس أو محمد أسد ) ، سرد من خلاله قصة تحوله عن اليهودية واعتناقه الإسلام. وفور صدوره تناولته الصحف بالنقد والتفنيد فقد كان برهانًا على أن الإسلام بات يجتذب منذ أوائل القرن أعدادا متزايدة من الشباب الأوربي الباحث عن مخرج من أزمته الروحية والفكرية، ومنهم: عبد الواحد يحيى وعبد الكريم جرمانوس، كما ظهرت عن سيرته وأعماله كتب عدة بلغات مختلفة، ومعلومات حديثة كان أشملها كتابان ألفهما الأكاديمي النمساوي الدكتور جونثر فندهاغر ( Gunther Windhager) هما: ( محمد أسد ورحلاته إلى العالم العربي) و( محمد أسد : من غاليسيا إلى البلاد العربية) . كما كتب عنه الدبلوماسي الألماني في المملكة سابقا محمد أمان ( هيربرت هوبوم) والدبلوماسي الألماني في الجزائر سابقا ( د. مراد هوفمان) كما أنتج المخرج النمساوي جورج ميش فيلما توثيقيا طويلا عن سيرته بعنوان:" الطريق إلى مكة 2011م) متزامنا مع تسمية بلدية فيينا لأحد ميادينها الرئيسة في مواجهة مبنى الأمم المتحدة، باسم محمد أسد، تعبيرًا عن احتفاء النمسا بالانتماء إليها، وفخرها بتاريخه.
إشارات:
https://ar.wikipedia.org/wiki/
محمد أسد، الطريق إلى مكة، ترجمة: رفعت السيد علي، مطبوعات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة 1425هـ
محمد أسد: الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة: صالح بن عبدالرحمن الحصين، مطبوعات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة 1429هـ
https://islamonline.net/

