قراءة في كتاب "بُوشْكِين.. شاعِر رُوسيا العظيم والقرآن الكريم" للدكتور محمد علي البار
حجاج سلامة
في كتابه: "بُوشْكِين.. شاعِر رُوسيا العظيم والقرآن الكريم" يجول بنا الدكتور محمد علي البار، في العوالم الإبداعية للشاعر الروسي ذائع الصيت ألكسندر بُوشكين، متوقفا عن الكثير من نصوصه الشعرية التي تأثر فيها بالقرآن الكريم، وبسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ويغوص "البار" في أشعار "بُوشْكِين" محللاً ما جاء في دواوينه عن الإسلام، وما أقره القرآن الكريم من قيم ومباديْ للإنسانية جمعاء، وسيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وما تركه لنا من نصوص السنة المطهرة، مبينا ما تميز به شعر " بُوشْكِين" من توهج إيماني قوي.
ويشير الدكتور محمد على البار، إلى أن الأشعار الإسلامية لبُوشْكِين بقيت مدفونة لا يعرفها إلا القليل من المتخصصين، وذلك لأن قياصرة روسيا آنذاك لم يرتاحوا لهذه النغمة الإسلامية في شعره، ثم جاء البلاشفة ومنعوا ظهور أي شيء يشيد بالقرآن والإسلام أو يدعوا إليه، وهنا تبرز الحاجة إلى وجود مشروع عربي / إسلامي للكشف عن الكثير من الكنوز التي تركها مبدعون ومستشرقون أحبو الإسلام، وكتبوا عنه دون تأثر بجذورهم وثقافاتهم الأجنبية، والعمل على ترجمة كتابات ونصوص هؤلاء إلى لغات عدة، من أجل توضيح حقيقة الإسلام ووسطيته السمحة، وانتصاره للمحبة والسلام وكل القيم الإنسانية النبيلة.
ونعود لنواصل التجوال بين صفحات كتاب "بُوشْكِين.. شاعِر رُوسيا العظيم والقرآن الكريم"، لمؤلفه الدكتور محمد علي البار، حيث يؤكد لنا المؤلف أن إعجاب الشعر الملهم "بُوشْكِين" بالقرآن الكريم، وهو إجاب كبير ظهر جليا في كتاباته ونصوصه الشعرية، جاء على الرغم من أن "بُوشْكِين" لم يطلع سوى على ترجمة واحدة للقرآن الكريم، وهي ترجمة يعود تاريخها إلى العام 1716.
ومن بين القصائد اللافتة للشاعر الروسي الكبير ألكسندر بُوشْكِين، تأتي ضمن صفحات الكتاب قصيدة "الرسول"، والتي صور فيها "بُوشْكين" فترة العزلة والتأمل في غار حراء، قبيل نزول الوحي على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يقول الشاعر الروسي في تلك القصيدة من ترجمة د. مكارم الغمري ضمن مجموعة من أشعار بُوشْكين":
يُضنينا عطش الروح
وفي الصحراء الموحشة كنّا نتمدد
فظهر لنا في مفترق الطريق
سارافيم ذو الأجنحة الستة
وبأصابع خفيفة مثلما في حلم
لمس قرة عيني
فانفرجت مقلتاي النبويتان
كأنهما عينا نسرٍ مذعور. (1),
وبوُشْكين يشير هنا إلى ما حدث من رهبة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، عندما أتاه الوحي لأول مرة، واختار بوشكين النسر القوي لكي يصف به الرسول حيث يتحمل ثقل الرسالة والقرآن الذي عجزت الجبال عن تحمله، كما يصف "جبريل" عليه السلام، بـ "السيرافيم" والمقصود به إسرافيل، ولعل ذلك من خطأ الترجمات لديه، وذلك كما يقول الدكتور محمد على البار.
ونواصل ونحن نقلب صفحات كتاب "بُوشْكِين.. شاعِر رُوسيا العظيم والقرآن الكريم" للدكتور محمد علي البار، قراءة قصيدة "بُوشْكين" التي تصور ذلك الحدث الجلل، وهو نزول الوحي على نبي الإسلام، حيث يصف تلك اللحظة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم:
فأصغيت إلى رعدة السماء
وتحليق الملائكة في الأعالي
وسريان حركة أغوار البحار
ونمو الكرمة النائية
انحنى الملاك على فمي
وبيده اليُمنى المضرّجة
وضع في فمي المشدوه
كل أقوال الحكمة
ثم يصف شاعر روسيا العظيم، ألكسندر بُوشْكين، حادثة شق صدر الني محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:
وشق صدري بسيفه
واقتلع قلبي المرتجف
وأقحم في صدري المشقوق
جذوة متأججة النيران
فانطرحت في الصحراء كالجثة
وناداني صوت الله:
انهض يا رسول وأبصر
لبّ إرادتي
وجُب البحار والأراضي
وألهب بدعوتك قلوب الناس
وتتواصل محبة "بُوشْكين" للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، معلنا أنه صار من عشاق السيرة النبوية العطرة فيقول:
كم هي جذّابة الزينة المبهمة
لليالي الشرق الفاخرة
كيف تنساب الساعات
أمام عُشّاق الرسول
وقد كان لفريضة الحج نصيب من اشعار ألكسندر بُوشْكين، حيث يذكر مآثر الحج وما يصحبه من نقاء روحي وصفاء قلبي، يزيل آلام الحياة ووعثاء الطريق، فيقول:
تهب السماء للإنسان
عوضا عن الدموع والبلاء الدائم
فالناسك الناظر إلى مكة سعيد
في سنوات الشيخوخة الحزينة
وفي ذلك النص الشعري يقول لنا كم كان يتمنى وهو في شرخ الشباب أن يقضي يوماً تلك الشيخوخة، وهو يتمتع بالنظر إلى البيت الحرام والكعبة المشرفة وينعم بتلك السكينة والحياة الهانئة القانعة الناسكة.
ونبقي مع الشاعر الروسي العظيم ألكسندر بوشكين في نص آخر ينقل فيه بعض ما فهمه من ترجمات معاني القرآن إلى لغة الشعر فيقول:
أقسم بالشفع وبالوتر
وأقسم بالسيف وبمعركة الحق
وأقسم بالنجم الصباح
وأقسم بصلاة العشاء
لا لم أودعك
وهذه الأبيات توضح بعض ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ ١ وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣ وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَسۡرِ ٤﴾ (الفجر ١-4)
وقوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّیۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣﴾: (الضحى 1- 3).
ويستلهم بوشكين سورة "الأحزاب" ليتحدث عن زوجات الرسول الطاهرات، فيقول في نص شعري يُظهر لنا تأثر بُوشْكين بالكثير من تفاصل السيرة النبوية العطرة:
إيه يا زوجات الرسول الطاهرات
إنكن تختلفن عن الزوجات
وهنا يؤكد لنا الدكتور محمد علي البار، أن بُوشْكين نجح في أن يحول تلك الترجمة الضعيفة التي قرأها لمعاني القرآن، معاني حية قوية مدهشة رائعة.
ولعل من واجبنا – والقول للدكتور "البار" – أن ننشر هذه الكنوز التي حاول البلاشفة أن يطمسوا نورها، وأن تنشر على نطاق واسع بلغة بوشكين الأدبية العالية، وذلك لكونها تشكل مدخلا هاما لتصحيح صورة الإسلام والدعوة إليه بقلم شاعر مبدع بحجم ألكسندر بُوشْكين.
بقي أن نشير إلى أن كتاب "بُوشْكِين.. شاعِر رُوسيا العظيم والقرآن الكريم" للدكتور الدكتور محمد علي، لا يقتصر على عرض وقراءة نصوص من أشعار الشاعر الروسي العظيم ألكسندر بُوشْكين، بل يضم الكثير من الفصول التي نتعرف من خلالها على الكثير مما نجهله عن حياة بُوشْكين، وعلاقته بالإسلام، وما تعرض له من محن، وتفاصيل أخرى عن الإسلام في البلدان الروسية.
ومن بين عناوين فصول الكتاب: دراسة بُوشْكين للإسلام، وبُوشْكين والقوقاز، والقرآن والسيرة ملهمان لبُوشْكين، وبُوشْكين وتولستوي يُمجّدان الحجاب الإسلامي، ودعوة بُوشْكين الناس إلى الإسلام والقرآن.
-------------------------------------------------
* النصوص الشعرية بالمقال ترجمة د. مكارم الغمري، وقد نقلناها كما وردت بكتاب "بُوشْكِين.. شاعِر رُوسيا العظيم والقرآن الكريم"، للدكتور محمد على البار.

