"مهربو كتب تمبكتو".. بين الأسطورة والواقع
حجاج سلامة
يغوص بنا كتاب "مهربو كتب تمبكتو: السعي للوصول إلى المدينة التاريخية والسباق من أجل إنقاذ كنوزها"، لمؤلفه تشارلي إنجليش، في أعماق تاريخ مدينة "تمبكتو" التاريخية، محاولاً كشف ما خفي من أسرارها، وبعضاً من أساطيرها، وفصولاً من تاريخها وحكاياتها الأسطورية.
ويأتي هذا المؤلف المُهم ككتاب تحليلٍ للتاريخ بقدْر ما هو كتاب تاريخ. وهو سردٌ للتأويلات عن ماضي تمبكتو بقدْر ما هو قصة ما حدث بالفعل هناك.
صفحات الكتاب التي تجاوزت الـ 250 صفحة، تؤكد لنا أن قصة "تمبكتو" ليست قصة ثابتة، بل هي في حالة حراك دائم، تتأرجح إلى الخلف وإلى الأمام بين قطبين متنافسين هما الأسطورة والواقع. تُقَدَّم حججٌ مذهلة ثم تُدحَض ثم ينشأ ادعاء آخر، في دورة متصلة، على ما يبدو، من الافتراض والتصويب. وأن تلك القصة الأسطورية تحمل في تفاصيلها مزيجٌ من المعلومات المضلِّلة والسذاجة والطمع الأوروبي في الذهب.
الكتاب الصادر عن مؤسسة هنداوي، والذي ترجمه لنا محمد حامد درويش، وراجعه مصطفى محمد فؤاد، يُجيبنا على سؤال مهم هو: لماذا كانت "تمبكتو" هذه المدينة هي التي صارت بؤرة مفاهيم العالم الخاطئة حول أفريقيا، وليس، مثلًا، جِني أو جاو أو كانو؟
ويجيبنا الكتاب بأن السبب في ذلك يرجع جزئيًّا إلى الجغرافيا، حيث أن "تمبكتو" تقع عند الطرف الجنوبي لطرق القوافل إلى المغرب وليبيا، حيث ساعد ذلك على سهولة انتقال الأخبار المبالغ فيها عن ثرائها، والتي كانت تُنقَل عبر الصحراء إلى أوروبا. وقد ساعد في هذا أن المكان كان له اسم رنَّان، شعار لا يُنسى "تلتقطه الأذن وينقل صورًا لعجائب".
وكان من الأسباب البالغة الأهمية أيضًا استعصاء الوصول إلى المدينة؛ إذ كان يمكنك أن تقول ما شئت عن تمبكتو وما كان أحد سيصحح لك قولك، إضافة إلى أن الأوروبيين كانوا قد أمضوا خمسة قرون على الأقل ينسجون خيالات حولها.
ويشير الكتاب، إلى أن "تمبكتو التي في الأذهان" طغت على حقيقة المكان، التي لم يكن يُعرَف عنها إلا القليل.
وتدلنا صفحات الكتاب على أنه خلال سنواتٍ عديدة كان اسم مدينة "تمبكتو" يستحضر عند الغربيين جَنةً غامضة؛ جَنةً أفريقية يَتحلَّى فيها الجميعُ حتى العبيد بالذهب. وبدءًا من أواخر القرن الثامن عشر، تَكرَّرت مُحاوَلاتُ كثيرٍ من المستكشِفين - الذين استحوذَت عليهم حُمى الاستكشاف - للوصول إلى المدينة الأسطورية.
لكن وبحسب كتاب "مهربو كتب تمبكتو: السعي للوصول إلى المدينة التاريخية والسباق من أجل إنقاذ كنوزها"، لمؤلفه تشارلي إنجليش، كانت الرحلات الاستكشافية تَبُوء بفشلٍ ذريع - واحدةً تِلو الأخرى - تحت وطأةِ هجماتِ القبائل الأفريقية، والمُناخِ المتقلِّب، والأمراضِ المتفشِّية.
وفي هذا الكتاب يروي "تشارلي إنجليش" في سردٍ مُفعمٍ بالحيوية الحكاية التاريخية لسعي المستكشِفين إلى الوصول إلى تلك المدينة الغامضة.
ووفقا للمؤلف، فإن قصة تمبكتو العظيمة في القرن الحادي والعشرين، تبدو وكأنها قصة من قصص إنديانا جونز، ولكنها في عالم الواقع، قصة أنقذ فيها أهل مدينة الأولياء، بقيادة رجال المكتبات، تراثهم شبه السحري من أيدي الجهاديين الذين يحرقون الكتب. بهذا التأثير، السمة العالمية للخير في مواجهة الشر، والكتب في مواجهة البنادق، والمتطرفون في مواجهة المعتدلين، وهكذا أثبتت هذه الحكاية الشعبية المعاصرة أنها لا تُقاوَم.
ونتعرف من الكتاب على أن هذه الحكاية الشعبية لتلك المدينة أعظم بكثير من أن تكون مبنية على نواة حقيقية، تمامًا مثلما كانت أساطير ماضي المدينة الأروع، التي كانت يومًا ما مركزًا مهمًّا للفقه الإسلامي في غرب السودان.
وبحسب فصول وصفحات الكتاب، فقد عمل مالكو المخطوطات، على حماية تراثهم الأدبي من خطر النهب، غالبًا عن طريق إخفاء الوثائق، وأحيانًا عن طريق إجلائها، وهي عمليات استلزمت جرأة وشجاعة، من رجال المكتبات الذين تحدَّوا الكثير من العقبات في سبيل تحقيق ذلك.
ويحتوي الكتاب على قصص الكثير من المغامرين والمستشكفين الذين زاروا ""تمبكتو"، مثل ألكسندر جوردون لينج، المشهور عنه الإطناب في الكلام، والذي عجز عن أن يجد ما يقوله عن تلك المدينة التي أقام فيها خمسة أسابيع دون أن يكتب كلمة واحدة، وعندما كان مجبرًا أخيرًا على أن يخطَّ بالقلم كلمات، لم يفصح عن شيء تقريبًا، وهنا كان عليه أن يلوذ بالفرار منها.
ويروي لنا مؤلف كتاب "مهربو كتب تمبكتو: السعي للوصول إلى المدينة التاريخية والسباق من أجل إنقاذ كنوزها"، الصحفي فيليكس دوبوا، الذي جاء إلى هذه المدينة الأسطورية بعد 70 عاما من رحلة ألكسندر جوردون لينج إلى المدينة، حيث قدّم فيليكس دوبوا "تمبكتو" في صورة قرطاج والإسكندرية مجتمعتين.
ويوري لنا أيضاً صفحات من رحلة هاينريش بارت، الذي كان أحد عباقرة الاستكشاف الأفريقي إلى تمبكتو، وكذلك المستشرقين هودا، وبينوا، وديلافوس، الذين أسهموا بحسب قول تشارلي إنجليش، في طغيان الحقائق المفترَضة في كتب الوقائع التاريخية على "الأدلة المستقاة من النقوش المكتوبة التي كانت مناقِضة ولكنها أكثر موثوقية".
ويذهب مؤلف الكتاب إلى القول بأن "الخرافة بطبيعتها هي تبسيط مفرط"، وينقل لنا قول إي بي تومبسون الذي يصف فيه النزعة إلى تبسيط حياة السابقين باعتباره نوعًا من "التعالي الهائل من جانب الأجيال التالية". ويتمثّل ذلك في نزوع ثقافةٍ ما إلى تخيُّل أن الأفراد المنتمين إلى ثقافة أخرى أقل تطورًا وأدنى عمقًا مما هم عليه في الواقع.
وهذا ما أدَّى بالغرب – وفقا لنص الكتاب - إلى الوقوع في خطأ اعتبار كتب وقائع تاريخ تمبكتو تاريخًا من الدرجة الأولى، ولكن أدب من الدرجة الثانية، في حين أن العكس كان صحيحًا.
وتؤكد لنا صفحات الكتاب على أن الغرباء قللوا من شأن الأصالة الفكرية للتمبكتيين. وأن ذلك تسبب في استمرار الروايات المشوّهة عن المكان وتاريخه، وعد القدرة على تخيُّل التعقيد الكامل للمدينة. ومع ذلك "فإن الأخطاء في قراءتها كانت من صنع تمبكتو.. فما الذي عساه يمكن أن يجذب العالم أيضًا إلى هذه المدينة النائية غير الأساطير، والشائعات".
ويصف لنا كتاب "مهربو كتب تمبكتو: السعي للوصول إلى المدينة التاريخية والسباق من أجل إنقاذ كنوزها"، لمؤلفه تشارلي إنجليش، قصة تمبكتو كسلسلة من الأساطير والتصحيحات وُضعت واحدةً فوق الأخرى.
وينوّه إلى أن أوروبا لم تكن هي المبتدع الوحيد لأساطير تمبكتو؛ فقد لعب مواطنو المدينة دورًا مدهشًا في تعظيمها. فلم يُفَوِّت كتاب "تاريخ السودان"، الذي كتبه عبدالرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر السعدي حوالي سنة 1655 ميلادية، والذي يُسلط الضوء على تاريخ الاسلام والثقافة والدول والشعوب في افريقيا وجنوب الصحراء وغانا ومالي والسنغال، لم يفوت فرصة الإطناب بشأن المدينة التي وصفها "السعدي" بأنها "الطيبة الطاهرة الزكية ذات بركة ونجعة"، وكتاب "تاريخ الفتاش.. في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس" من تأليف القاضي محمود كعت التنبكتي، الذي قال عنها بأنها مدينة "لانظير لها في البلدان". وإفراط أحمد بابا بن أحمد بن الفقيه الحاج أحمد بن عمر بن محمد التكروري التنبكتي السوداني، الذي توفي سنة 1036 هجرية، في امتداح مآثر فقهاء تمبكتو الإعجازية "فقد كان بمقدور هؤلاء الأولياء أن يسيروا على الماء ويحموا الناس من سهام العدو والنار".
ورأى المؤلف بأن المبالغة بشأن روحانية المدينة ربما تكون قد نشأت كوسيلة لحمايتها، كنوع من الدفاع الروحي، مثلما كان القديسون في أوروبا في العصور الوسطى يُستحضَرون لتخويف الغزاة المحتملين.
بقي أن نشير إلى أن كتاب "مهربو كتب تمبكتو: السعي للوصول إلى المدينة التاريخية والسباق من أجل إنقاذ كنوزها"، لمؤلفه تشارلي إنجليش، حظي بالكثير من الثناء من قبل كبريات الصحف الغربية، حيث قالت عنه مجلة "ذا نيويوركر":
يمزج هذا التسجيل الآسر لإرث تمبكتو الفكري بين روايات مستكشفين أوروبيين للمدينة القديمة وتحقيقات صحفية معاصرة.
وقالت عنه مجلة "ذي إيكونوميست":
جنبًا إلى جنب مع رواية السيد إنجليش المفعمة بالحيوية لحكاية السعي إلى الوصول إلى تمبكتو نطالع سردًا مثيرًا لقصةٍ أحدث عهدًا؛ وهي عملية الإجلاء الجريئة لمئات الآلاف من مخطوطات تمبكتو التي اضطلع بها رجال مكتباتها أثناء احتلال الجهاديين لها في عام ٢٠١٢ … إنه سرد عبقري.
وقالت عنه صحيفة "نيويورك تايمز":«قصة مذهلة … تتناسب تناسُبًا مثاليًّا مع سردية تمبكتو المتجددة.
وقالت عنه صحيفة "صنداي تلغراف": كتابٌ أخَّاذ … مكتوب بحيوية صحفية.
يُذكر أن تشارلي إنجليش، هو المدير السابق لقسم الأخبار الدولية بصحيفة الغارديان، كما تمتع بعضوية الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، وقد ارتحل لأفريقيا لأول مرة في التاسعة عشرة من عمره، واتسعت أسفاره إلى هناك وإلى أماكنَ أخرى حول العالم.

