تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية ووسائل النهوض بها

حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية ووسائل النهوض بها

د. إبراهيم بن يوسف البلوي

تمثل حركة الترجمة من والى اللغة العربية ووسائل النهوض بها بوصفها جوهر التفاعل بين الحضارات والثقافات والشعوب عنصرا أساسيا لفهم الحراك الفكري والعلمي بين المجتمعات، ولإدراك مضامين هذه العلاقة التلازمية وفهمها، لاحظت أنه يوجد أكثر من منهج لتناول الموضوع مثل:

  • المنهج الوصفي الذي يعتمد في مضمونه على وصف واقع الترجمة، وقد تناولت العديد من الدراسات مثل هذا الموضوع وأصبح في طرحه تقليدا حتى أنه في بعض الأحيان بدأ وكأنه يدعو الى التشاؤم والإحباط، لقد أجمعت الدراسات السابقة في مجملها على تدني مستوى الترجمة من والى اللغة العربية، وجري في هذا الحقل دراسات إحصائية عديدة ومتنوعة في عرضها ودراسات مقارنة تظهر أن واقع الترجمة في العالم العربي غير مرض إذا ما قارنا ما يترجم في الوطن العربي بدول مماثلة أو متقدمة.

  • المنهج الثاني هو تحليل المحتوى: أي تحليل نوعية المادة المترجمة وهذا النوع من الدراسات له أهميته وهو يرتبط بدراسات الترجمة.

  • والمنهج الثالث هو المنهج التحليلي القائم على الفهم ذا العمق الفلسفي لهذا الموضوع الذي يغلب الجانب الفكري على الجانب الزمني ويغلب الجانب المعرفي على الجانب الكمي ، وتكاد تكون الدراسات التي تناولت مثل هذا الموضوع مقلة أو نادرة، وقد بدأ لي أن الحديث عن مفهوم حركة الترجمة من والى اللغة العربية ووسائل النهوض بها ضمن هذا المنهج ضرورة ملحة وذلك لفهم جوهر هذه الحركة التي عادة ما نتناولها من خلال المنهج الوصفي التقليدي. حيث أن الترجمة تعد من أهم وسائل نقل المعرفة والتفاعل بين الحضارات وقد عرفت منذ القدم وفور حصول الاتصال بين الأمم ذات اللغات المختلفة والثقافات المتباينة وقد مورست لغايه متباينة: دينية وعلمية وصناعية وتجارية ومعاشيه وسياسية وغيرها. وعملية الترجمة حافظت وما زالت تحافظ على الذاكرة الإنسانية فمن خلالها نربط الإرث العابر بالحاضر فهي التي تفك لنا رموز وطلاسم أزمنة ماضية كي نستوعبها ونعيها، ثم أن الأخذ عن الغير نابع من حق كل أمة في انتقاء ما يفيدها من اللغات والثقافات الأخرى على أساس أن المعارف الإنسانية حق جمعي وتراث مشترك وإرث إنساني متداول بين جميع الشعوب والأمم.
      ولهذا كل اهتم المسلمون قديما بالترجمة وبتعلم اللغات الأجنبية منذ القرون الأولى فقد روي أن الرشيد كأن يوفر حذاق اللغات الأجنبية ويحث على الاستفادة منها خصوصا في الطب والجغرافيا والري والفلك، وقد استطاعت الحضارة الإسلامية بفضل هذه الأسباب أن تكون حلقة التواصل وواسطة العقد بين الثقافات القديمة الآفلة والحضارة الغربية الناهضة .  ومن الأدلة على ذلك أن أوروبا خلال نهضتها (في القرنين الثامن والتاسع ) لم تعتمد على التراث اليوناني في نصوص الأصلية بشكل مطلق ،وإنما اعتمدت على الأعمال المترجمة الى اللغة العربية عن التراث اليوناني والمزيد بالشروحات وهذا ما آل إلى رفع منزلة الثقافة واللغة العربية في تلك الفترة في أوروبا .
    واليوم أضحت في الترجمة بالإضافة الى وصفها بإحدى الآليات المنتجة للمعرفة الى أنها من أهم أدوات تجسير الحوار بين الثقافات والحضارات التي لا يمكن الاستغناء عنه. وضرورة ملحة حتى تقلل الحضارات من الفجوة الناشئة بينها والتي ترتب عليها سوء الفهم الثقافي والصراعات بين الشعوب.
    وإذا ما استبدعنا التحليل الوصفي لهذه الحركة ونظرنا لتفسيرها من خلال ربط بمفهوم صناعة المعرفة واعتبار أن الترجمة تمثل جزء من الحراك الفكري بمجمله لأي مجتمع ولا يدرك جوهر الترجمة ضمن هذا الحراك إلا في المجتمعات المنتجة للمعرفة بوصفها مجتمعات مدركة للأدوات التي أنتجت المعرفة لديها ويكون ذلك من خلال فهم الهياكل الفكرية والنفسية التي أسهمت في تكوين وتشكيل المعرفة.
      إن المجتمعات التي توصف بغير المنتجة للمعرفة والمستهلكة لها من دون إدراك ووعي بآليات تشكيلها لن تنضج لديها عملية الترجمة بمفهومها التكاملي. لذا فإن مدلول عبارتي " ازدهار الترجمة "  أو " تدني مستوى الترجمة " في الوطن العربي تعددت معانيها ودلالاتها وفقا للمضامين التي ارتبطت بها والمفاهيم التي شكلتها. وهي في مجملها لم تخرج عن مضامين السياق الكمي وأحيانا النوعي من دون أن تأخذ بعين الاعتبار تلك المجتمعات المستهلكة أو المنتجة لها .
    وانطلاقا عن ذلك نقول أنه إذا كان المجتمع العربية يوصف بأنه غير منتج للمعرفة في جانبها التطبيقي. فإن حركة الترجمة لن تكون فاعلة ولا تكتمل فعالية هذه الحركة إلا باستيعاب الآليات التي أسهمت في إنتاج المعرفة المترجم عنها ولا تكتمل صورة هذا الاستيعاب الشمولي إلا بإرادة فكرية وسياسية نجعل من المجتمع العربي مجتمعا منتجا للمعرفة غير مستهلكا سلبا لها. ولنا في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية خير ومثال فقد وصفت حركة الترجمة في عهد الدولة العباسية بأنها أبرز مراحل حركة الترجمة التي عرفتها الإنسانية فقد وصف " بيت الحكمة " دار الترجمة الأولى بأول أكاديمية متخصصة في الترجمة عرفها الإنسان. وعلينا أن ندرك أن نجاح الترجمة في تلك الفترة كان مرتبطا بواقع المعرفة ، فالترجمة كانت تنتج ضمن آليات إنتاج المعرفة وقد كانت في بدايتها نتيجة لإيرادات فردية سياسية ثم أصبحت فيما بعد إرادة فكرية. يقول جرجي زيدان (( كان من جملة أفضال التمدن الإسلامي على العلم انه جمع شتات العلوم من اليونانية والفارسية والهندية والكلدانية الى العربية وزاد فيها ورقاها)) [جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي، ج 3 ص 133] 

دواعي ومعايير وفوائد الترجمة:

  1. تتعدد دواعي الترجمة وتختلف في مضمونها، ولكننا نجمع على أن أبرز هذه الدواعي وأهمها:
    دواعي ثقافية: ومنطلقات هذه الدواعي تتلخص في البحث و الكشف عن الأخر والاتصال به عن طريق الثقافة التي تشكل المكون الرئيسي له.

  2. دواعي علمية وهي متصلة بالتخصصات الدقيقة.

  3. دواعي اقتصادية أسهم في تناميها الحاجة للغير التي توجت بعولمة الاقتصاد العالمي الذي استوجب بدوره ممارسة الترجمة في أكثر من اتجاه.

معايير اختيار المادة المترجمة التي تهدف لتعزيز حركة الترجمة من اللغة العربية وإليها:
1. إدراك أن المعرفة لا حدود لها وأن جميع المعارف تطورت بالتكامل والتعامل بين الحضارات المختلفة.

2. ترجمة ما يساعد على حل المشكلات الإنسانية مثل البحوث العلمية المتعلقة بصحة الأنسان ومشاكل الفقر والجفاف في الموارد المائية. 

3. أن الحضارة الإنسانية واحدة وهذا يعني أنه من المهم ترجمة ما يتعلق بتاريخ الحضارة الإنسانية التي هي في الأصل حضارة واحدة رغم تنوعها وتباينها واختلاف مشاربها، لأنها تحكي تطور الإنسان منذ قدم التاريخ حتى عصرنا الحالي.

  1. ترجمة الأعمال العلمية ذات الجدوى مثل قضايا المحافظة على البيئة. والاهتمام بمثل هذه المعايير يقرب من وجهات النظر وهي بالتالي تساهم في إيجاد منطقة من الحوار المشترك بين الحضارات والثقافات.

 فوائد الترجمة: 

  1. تطوير المعارف المختلفة والثقافة العامة للشعوب. 

  2. الإسهام في تخفيف التوتر بين المجتمعات الإنسانية متباينة الثقافات. 

  3. تنشيط حركة الاقتصاد الذي يتم بمعرفة اللغات سواء من خلال اكتسابها أو الترجمة عنها أو اليها.

  4. دعم التآخي بين المجموعات البشرية على أساس أن التعامل الصحيح هو القائم على المشاركة في المصانع والتعامل وان مصير البشرية واحد.

 وسائل النهوض بالترجمة:

 يمكن لنا أن نلخص وسائل النهوض بالترجمة في العالم العربي بجملة من الوسائل التي دائما ما نطرح ونمثل في مجملها هاجس لدى المترجم العربي والمفكر العربي على حدا سواء:
  أولا: الإرادة السياسية يجب أن تصاحب حركة الترجمة إرادة سياسية مدركة لأهمية هذا العمل وداعمة له من اجل الوصول الى مجتمع معرفي قادر على إنتاج المعرفة وفهم مكوناتها.

 ثانيا: الإرادة الفكرية، أي أن حركة الترجمة لا تنهض إلا في ظل نهضة فكرية مصاحبة وسابقه لحركة الترجمة.

 ثالثا: الإرادة المنظمة: وأعني هنا أن حركة الترجمة ينبغي أن تخرج من جلباب النزعة الفردية، لتصبح ضمن العمل المؤسساتي، وقد بدأ يدرك المجتمع أهمية هذا التوجه وذلك من خلال اقتراح مشاريع للترجمة ولدعم حركتها مثل مشروع مكتبة الملك عبد العزيز العامة الحاصنة لجائز خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة إيمانا منها بأهمية دعم حركة الترجمة من اللغة العربية وإليها عالميا.

رابعا: الدعم المادي والمعنوي المنظم.
  وأخيرا لابد من القول إن الترجمة خيار استراتيجي ومطلب أساسي نحو التحول الى مجتمع معرفي.

*جامعة الملك سعود – كلية اللغات والترجمة

حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية ووسائل النهوض بها
Ehsan Logo