التُراث الشعبي الحَسّاني.. ثراء وتنوّع
حجاج سلامة
يتعاظم الإهتمام بالتراث الحَسّاني يوماً بعد يوم، وتتواصل جهود الباحثين المعنيين بالموروث الشعبي، في جمع وتوثيق ودراسة هذا التراث الثّري المتنوّع.
ويعتبر التراث الثقافي الحساني ركيزة أساسية للهوية المغربية، وتُراثاّ إنسانياً يجب العناية به، عملاً باتفاقية اليونسكو الداعية إلى صون التراث اللامادي للشعوب والمجموعات الثقافية.
والتُراث الحَسّاني غني ومتنوّع، ويتجلى في في الشعر وأدب الأمثال والألغاز والحكايات الشعبية، وغير ذلك من التعابير المادية والشفهية.
وتتعدد المصادر والمؤلفات والدراسات التي تتناول التُراث الشعبي الحَسّاني، التي تصدر عن دور النشر والمؤسسات البحثية المغربية والعربية، والتي تغوص في بطون ذلك التراث، وتتبّع جذوره، وتُسلّط الضوء على مختلف فروعه.
وهكذا فقد حظيت الثقافة الحَسّانية بنصيب وافر من الدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية التي لامست بعض مناشط حياة بدو الصحراء وعاداتهم وتقاليدهم.
ومن بين الدراسات والإصدارات التي تجول بنا في عوالم التُراث الحَسّاني، يأتي كتاب "التُراث الشعبي الحَسّاني.. ثراء وتنوّع"، لمؤلفه الدكتور بوزيد الغلي، والصادر ضمن سلسلة "الثقافة الشعبية"، التي تُصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وجمع لنا الدكتور بوزيد الغلي عبر فصول كتابه، قبسات من مأثورات الرواة الشعبيين، ونثر لنا فوق صفحاته أمثالا واشعاراً من كنانة شعراء الحسانية وحكمائها، محاولا حينا استخراج مضمراتها ورسائلها الملغزة وصورها المقنعة، ومناوشا أو مهاجما حينا آخر بعض مضامينها التي عفا عنها الدهر، وتخلى عنها البشر تحت وقع حتميات التغير والتطور المجتمعي.
والكتاب، في مجمله يجمع لنا مجموعة من المقالات التي تتمحور حول الحَسّانية اللسان وبعض ما أنتج بواسطتها من أمثال وحكايات وأشعار وطقوس احتفالية يمسك بعضها برقاب بعض، وتتجاور وتتجمع كلها تحت جناح التُراث الشعبي الحساني، والثقافة الحَسّانية التي تجمع بين الثقافة العربية والأمازيغية والصنهاجية، وتتميّز بالعديد من المكوّنات بالمنطقة الممتدة من وادي في الجنوب المغربي، إلى نهر السنغال جنوب موريتانيا.
وتتوزّع محتويات الكتاب على أقسام عدة أولها: مباحث في اللسان الحساني، وثانيها: مباحث في الأمثال الشعبية الحسانية، وثالثها: مباحث في الحكاية الشعبية الحسانية، ورابعها: مباحث في الشعر الحساني، وخامسها: في دلالات بعض الطقوس الشعبية بالصحراء، وسادسها: الترفيه في الثقافة الحسانية نماذج من الألعاب التقليدية والأغنيات الشعبية.
ولا يغيب عن المؤلف أن يعرض لنا نماذج من السخرية في الشعر الحَسّاني، وأن يُحدثّنا عن الشعر الحَسّاني، وهو الشعر المتداول عند الشعب الصحراوي، والمنسوب إلى لهجته الحسانية. ويعتقد المؤرخون أن ظهوره يعود إلى مطلع القرن السابع عشر الميلادي، بينما يرى آخرون أن ظهوره كان مع ظهور اللهجة الحسانية، وهي الفترة التي بدأ فيها الإنسان الصحراوي بنظم الشعر.
ولا يفوت المؤلف كذلك، أن يرصد لنا صورة المرأة في المخيال الشعبي الحَسّاني، وكذا صورة الإبل في الثقافة الحَسّانية، وكذا الترفيه في المجتمع الحَسّاني، وطقوس الأفراح والأعياد وغيرها من صور التُراث والموروث الشعبي الحَسّاني.
وهكذا يطل القارىء من خلال فصول وصفحات الكتاب على عالم الأمثال والحكايات الحسانية التي لحق الكثير منها الانطماس والاندراس في ظل فناء جل حملتها ورواتها ونقلتها الأمناء.
والحكاية الشعبية كما نعلم، هي خلاصة تجارب الأجيال وتقوم بدور كبير في تأكيد الروابط الاجتماعية، وفيها تتجلي حكمة الشعب، ففي وقت كان فيه البيت هو المدرسة الوحيدة التي يتخرج منها الإنسان، كانت الحكاية الشعبية بطريقة غير مباشرة إحدى وسائل التلقين وتوجيه الأجيال وتوسيع الخيال.
وكما يدلنا الدكتور بوزيد الغلي، في كتابه "التُراث الشعبي الحَسّاني.. ثراء وتنوّع"، فإن الأدب الحَسّاني من حيث ماهيته لا يخرج عن حد ما وصف به طه حسين الأدب بأنه فن جميل يتوسل بلغة، أو لنقل بلهجة على مذهب من بعض بالتواجد على أن الحسانية ليست لغة، وليست اللغة أبا أحد منا وإنما اللغة اللسان كما في الأثر، والمعول عليه، أن الحسانية اللسان أمشاج من المفردات والتراكيب يتمارج فيها العربي الأثيل والصنهاجي الأصيل والأجنبي الدخيل سواء أكان لفظا من سنع افريقي مثل: امبورو، أم كان من راقد لا تبني مثل ميسا، فهي كباقي اللغات واللهجات كائن حي يؤثر ويتأثر، وينمو ويضمحل ويموت.
وبحسب الكتاب، فإن التُراث الشعبي الحَسّاني يحتاج إلى جهود جبّارة تُبذل من قبل الرواة والبحاثة الأكاديميين برعاية من مؤسسات ومراكز معنية بالشأن الثقافي، ذلك أن الجهود الفردية والمحاولات الشخصية لن تستطيع مهما بلغت من الصرامة العلمية والحزم والعزم، أن تستجمع نثار المرويات الشعبية وتحيط بالموروث الثقافي اللامادي وتعمل على تظهيره وتثمينه، كي لا يبقى دولة بين قلة من حملته الذين تطحنهم رحى الفناء يوما بعد يوم، فتغنى بفنائهم كنوز نفيسة من الخبرات والتجارب، ولا أدل على ذلك من نضوب المعرفة بالقيافة (تقفي الأثر مثلا بمنطقة وادنون الصحراوية إثر موت حفنة من المشهود لهم بطول الباع في هذا المجال الذي ارتبط بحال الترحال".
ووفقا لنصوص الكتاب، الذى احتوى على قطوف دانية من التُراث الحَسّاني منظوراً إليها من زوايا متباينة طرحاً وشرحا وتأملا وتحليلا، فإنه مهما اختلفت زوايا النظر للتُراث الشعبي الحَسّاني، فإن المعول عليه أنه سيظل فياضا نابضا بالحياة ما دام نابعاً من الشعب راجعا إليه، معبراً بعفوية عن آلامه وآماله وطموحاته وكبواته وصبواته، ولا شك أن إغفال دراسته وإعمال المناهج الحديثة في النظر اليه، سيحرم الباحثين والقراء وطلاب المدارس من مادة غنية ثرية تنطوي على كثير مما ينفع الناس فإذا يهم المرء شطر الحكاية الشعبية، وجد مرويات ومحكيات مفعمة بالحياة والعِبر.
وتؤكد لنا صفحات الكتاب، على أن الإهتمام بالتُراث الحَسّاني، الذي أضحى فاكهة كثير من المجالس لا ينبغي أن يكون نزوة عابرة، بل يجب أن يؤسس على مهاد علمي اكاديمي رصين غير مستعجل للنتائج.
ولا يطرح الكتاب يقينيات لا يتطرق إليها النقد، وإنما يعرض لنا مادة مستقاة من الرواة والحكماء الشعبيين، بهدف إقامة نوع من التواصل المعرفي والوجداني مع هذا التراث الشعبي الذي تتداوله الألسن دون حذلقة أو تفلسف.
وما كُنّا مُحيطين، ولكن نضرب الأمثلة.

