حروف طيعة تتزخرف على الجدران.. رحلة الخط العربي من الورق إلى عمارة المساجد والفضاء الروحي
أحوال المعرفة – خاص
كتب المستشرق الفرنسي ( أيتين دينيه ) الملقب باسم (ناصر الدين) بعد إسلامه: " إنّ فنّ الخطّ العربي من الفنون الرفيعة التي تمخضت عنها مخيّلة الإنسان، ولعله الفنّ الأوحد الذي نستطيع أن نقول عنه دون مغالاة أنّ له روحًا، فهو كصوت الإنسان يعبّرُ عما في النفس من أفكار، وهو لا يستوحي العالم الخارجي مهما بلغ هذا العالم من التنظيم والتنسيق، وهو بذلك ينتسب إلى الموسيقى، ويبدو أنه رمز لمعانٍ تعيشُ في القلوب"
هكذا ربط دينيه بين جماليات الخط العربي، بكل فضاءاته الحروفية والتشكيلية وبين خيال الإنسان وروحه وقلبه، كأنّ الخط العربي هنا يعبّر عن موسيقى الذات الإنسانية وكينونتها، فهو ليس مجرد حروف ونقوش وزخارف، ولكنه تعبير صوتيّ موسيقيّ حيّ ، انتقل عبر رحلة طويلة ، فنية وروحية، من الكتابة على الورق والقماش، والجلود والحجارة والصخور، إلى الكتابة على الجدران، فأنتج لنا الخطاطون في العالم العربي والإسلامي أبدع زخرفة تاريخية لا نظير لها في العالم، حيث نُقش الخط العربي بكل أنواعه وزخارفه على جدران المساجد وقبابها، ومآذنها، وعلى البنايات المعمارية الإسلامية في مختلف بلدان العالم الإسلامي، وما يزال يُنقش في البنايات الإسلامية حتى اليوم.
وقد أدت مطواعية الحروف العربية في التشكيل الخطي إلى ظهور أكثر من 100 نوع من الخطوط العربية، يقول دينيه: " انظر إلى هذه الحروف التي تُرسم من اليمين والشمال في خطوط أفقية سريعة ثم تدور حول نفسها في تموّجات هادئة أو عنيفة، وكأنها تسيرُ وفق هوى روح داخلية خفية، ثم ترتفع ثم تتوقف فجأة وتثبت فخورة في أشكال مستقيمة متقاطعة، ثم إذ بها تعود إلى الاندفاع في جموح وتحلّ ما انعقد من أشكالها"
نظرة تاريخية:
تعد الكتابة العربية من أشرف الكتابات؛ لأن كتاب الله العزيز لم يُرقم بغيرها، وقد اكتشف العلماء جمال الخط في النصوص الكتابية، وأدركوا خصائص اللغة الخطية، وبالتالي نتيجة تفاعلهم مع فن الخط ورصد جمالياته. فجماليات الخط لها جهازها الاصطلاحي الخاص، وظل تأثير القرآن الكريم في بلاغة الخط جَلِيّا، مع كتابة المصاحف، ومن أشهر الخطاطين القدامى: ابن مقلة ، ياقوت المستعصمي، ابن البواب، ويرى بعض الباحثين أن العرب قد أخذوا كتابتهم عن الأنباط الذين كانوا يسكنون شمال الجزيرة العربية، وبذلك فإنّ الخطّ العربي قد اشتق من الخط النبطي، وهناك نقوش تدل على ذلك اكتشفت في جنوب حوران بالأردن، ونقش النمارة في إمارة الحيرة في مناطق الفرات الأوسط، ونقش في جبل الدروز ، ويُجمع المؤرخون على أن أول من أدخل الكتابة إلى مكة المكرمة هو: حرب بن أمية بن عبد شمس وكان قد تعلمها في أسفاره، واشتهر الأوس والخزرج بالكتابة ، ويقال إن الكتابة دخلت المدينة قبل مكة، ومنها اهتم المسلمون بتعليمها ونشرها.
وقد روى ابن النديم في كتابه الفهرست: أن أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال من (بولان) هي قبيلة من طي، سكنوا منطقة الأنبار، وأنهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعة وموصولة وهم:
مرارة بن مرة، وأسلمة بن سدرة، وعامر بن جدرة، وقد ظهر الخط النسخي على يد الوزير ابن مقلة وأخيه الحسن.
ومن البلدان التي تكتب أحرف لغتها بالرسم العربي: ماليزيا وجاوا ومدغشقر، وإيران وأفغانستان والهند وباكستان، والمقاطعات الناطقة بالأردية في كشمير وجامو.
كما أن تركيا ظلت تستعمل الأبجدية العربية، حتى جاء مصطفى كمال الذي أرغم الأتراك على استعمال الأبجدية اللاتينية. أيضاً روسيا استخدمت الأبجدية العربية طويلاً، ثم تحولت إلى اللاتينية، ثم عدلت عنها إلى السلافية.
شخصية الخط العربي:
امتدح الرسول الكريم (ص) حسن الخط، حيث قال: " الخطّ الحسن يزيد الحق وضوحًا، وقال علي بن أبي طالب :" عليكم بحسن الخط فإنه مفتاح الرزق" وقال القلقشندي: " الخط ما تنعرف منه صور الحروف المفردة وأوضاعها، وكيفية تركيبها" واشتهر العرب بالخط الجميل المنمق والمنوع، وتم ظهور الخط النسخي على يد الوزير أبي علي محمد بن مقلة ( 272-328هـ ) وأخيه محمد وضُرب المثل بحسن خطهما، وأخذ الخط العربي أشكالا فنية والتصق بالفن الزخرفي، وأول الخطوط التزينية كان الخط الكوفي الذي انبثق منه المضلع الهندسي، والمشجر، والمضفر، وظهرت الخطوط الزخرفية الأخرى كالطغرائي والفارسي والديواني.
وعبر 210 دراسة ومقالة عن جماليات الخط العربي نُشرت بالدوريات العربية خلال القرن العشرين، - طبقا لأرشيف الشارخ - أبرز الدارسون مختلف جماليات الخطوط العربية، ورأى عاطف عبدالستار أن الخط العربي عبارة عن : " هندسة روحانية بآلة جسمانية" كما وصفه مصدق الحبيب بأنه:" منبع للحلم والسحر اللا متناهي"
وقال المستشرق الألماني أرنست كونيل المولود سنة 1882م : " أعتبر الخط العربي كفن ، من أشرف الفنون" وعرف محمد طاهر الكردي الخط بقوله: " الخطُّ ملكة تنضبط بها حركة الأنامل بالقلم على قواعد مخصوصة" ويرى فاروق بسيوني أن " الخط العربي مثير للإبداع"
ويقول الدكتور إسماعيل فاروق : " لا يوجد بين شعوب ما بين النهرين وغيرهم من العبرانيين والهندوكيين والإغريق والرومان، بما في ذلك العرب أنفسهم من حاول اكتشاف القيمة الجمالية للكلمة، لكن الإسلام هو من فتح آفاقاً جديدة أمام الكلمة كوسيلة للتعبير الفني، فالعبقرية الإسلامية لا تُضارَع، فقد أصبح هذا الخط لوناً من ألوان الأرابيسك، وأصبح عملاً فنياً إسلامياً خالصاً "
جماليات مستديمة:
يحدد وليد الأعظمي جملة من خصائص الخط العربي منها: التشكيل، التنقيط، اتجاه الحروف، القياس والأبعاد . وينقسم الخط العربي إلى قسمين: الأول : ذو الحروف اليابسة المستقيمة، وهو الخط الكوفي بأنواعه، ويتخذ أشكالا هندسية بديعة كالمربعات والمخمسات والنجوم والزوايا والعقود والضفائر، والثاني: ذو الحروف اللينة المطواعة لحركة القلم أثناء الكتابة وهي المسطحة والمنكبة والمقوّرة والمعقوفة، وتتجلى في خطوط : الثلث المرسل، والمحقق والمركب، وخط الإجازة والنسخ والرقعة والديواني .
ومن أنواع الخطوط العربية: الخط الكوفي البسيط، والخط الكوفي ذو الرؤوس المزخرفة، ومن أنواع الخط الكوفي أيضا: الكوفي المورق، والمزهر، والمخمل، والمضفر، والمربع، والمعماري.ومن الخطوط الأخرى: النسخ، والثلث، والإجازة، والرقعة، والديواني، والغباري، والمثنى، والفارسي .
وقد اشتهر عدد من الخطاطين في العصر الحديث منهم: ناصر الميمون، ومحمود حماد ومحمد أوزجاي، هاشم محمد البغدادي، وليد الأعظمي ، عثمان طه، معصوم محمد خلف، فهد المجحدي، عبدالرحيم أمين، عبدالرزاق خوجة، عثمان الخزيم وغيرهم.
جداريات المساجد :
يرى الباحث في العمارة الإسلامية عفيف بهنسي أن قراءة النص المعماري المسجدي تحتاج إلى طريقة دلالية سيميولوجية تهدف إلى الكشف عن ركن أساسي من أركان الجمالية الإسلامية، لضمه مع أركان أخرى سعيا وراء بناء فكر جمالي أستاتيكي يقوم على مبدأ التوحيد.
ولأن المسجد أصبح هو مركز الإشعاع الروحي في المدينة الإسلامية، كما يرى بهنسي، فإن مساجد كثيرة نقشت في قبابها آية النور : ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة ) ( النور / 35) وقد نقشت على ذرى القباب كعلامة أولى ثابتة لروحانية المسجد التي استمدها من الكمال الإلهي.
وهنا تبرز جمالية الخطوط العربية التي تشرق بصريا في هذه الآية الكريمة، ولأن مساحات المساجد واتساعها تسمح بوجود جدران ممتدة، فضلا على وجود الأعمدة والقباب والمآذن المرتفعة، فإن البعد الروحي البصري ظلّ ماثلا في مخيلة بنّائي هذه المساجد بعمارتها المتقاربة التي تجعل من القبلة واتجاهها هي الصورة الروحية الأولى للقاء المصلين بالخالق، ومن هنا تم توشيح أعالي الجدران بالآيات القرآنية، لتتخذ بعدها الروحي والجمالي والبصري.
ويرى عفيف بهنسي أن " الإضافات التي أغنت المدلول الروحاني في المسجد اندمجت عضويا في بناء المسجد، بعد أن تعمقت الثقافة الإسلامية واغتنى الفكر الإسلامي وأهم هذه الإضافات هي: المئذنة والقبة والمحراب والأقواس، ثم الزخارف والمقرنصات، هكذا أصبح المسجد كونًا صغيرًا، سماؤه القبة، وفضاؤه الصحن، وكواكبه النوافذ والمشاكي" .
وإذا كانت الزخارف الملونة تشكل مساحة بصرية كبيرة في مساجد كثيرة مثل المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف وجامع قرطبة وجامع السلطان حسن ومسجد الرفاعي والأزهر الشريف بالقاهرة وجامع السلطان أحمد في استانبول، - على سبيل المثال - فإن الخط العربي الذي ينقش الآيات القرآنية خاصة بالثلث والطغراء ينتشر في مختلف المساجد الكبرى تقريبا ، فهذه الزخارف أو الرقش العربي الذي يسمى: أرابيسك، والتي تغطي جدران وسقوف أكثر المساجد هي عناصر بصرية جمالية مساندة لنقوش الآيات القرآنية المكتوبة بمختلف الخطوط العربية.
ويُعد الخط العربي عنصراً أساسياً في العمارة الإسلامية، حيث يزين جدران وأقواس وقباب المساجد، ليجمع بين الجمال البصري والرسالة الروحية عبر آيات القرآن الكريم والأحاديث.
ويُعتبر المسجد الحرام، بمكانته المقدسة، منارةً للجمال المعماري، حيث تُجسد تفاصيله إبداع الخط العربي الأصيل الذي يُزيّن جنباته، وقد استخدمت ثلاثة خطوط رئيسية في كتابة الآيات القرآنية بالمسجد الحرام وهي: الثلث، والكوفي والخط الحر.
وتُجسد النقوش والخطوط التي تزيّن جدران المسجد النبوي الشريف مزيجًا فريدًا من الجمال الفني وبلاغة اللغة العربية، لتكون شاهدًا خالدًا على روعة الفن الإسلامي وثراء تراثه الحضاري.
حيث تُعد الخطوط المرسومة على جدران المسجد النبوي من أبهى صور فن الخط العربي، بخطوط تميزت بجمال تكوينها ودقة تنسيقها، وتحمل هذه النقوش في طيّاتها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية شريفة، وأسماء الله الحسنى، لتدلل على روحانية المكان.
ويبرز الخط العربي على جداريات المساجد وكأنه حالة روحانية كبرى، تتخذ بعدا مقدسا لحملها الآيات القرآنية، وتتشرف الحروف العربية بالنقش القرآني الكريم ومعناه ودلالاته وتفسيراته.
لقد سما الخط العربي – كما يذكر عفيف بهنسي - إلى قمة البلاغة الجمالية من تركيبات قلم الثلث ، وكانت بلاغته مدينة لبلاغة آيات الكتاب، وكانت البنية العضوية للغة العربية تجعل للأحرف قبل تجسيدها في كلمة ذات دلالات تفرض نفسها على الكلمة، فإن مجال التأويل يصبح عريضًا ودور الخط في تأويل عمارة المسجد يصبح كبيرًا مما يزيد في أهمية الوظيفة الروحانية للمسجد.
هوامش:
· د. مصطفى محمد رشاد: جماليات الخط العربي وتطبيقاتها في التصميمات الجرافيكية والمطبوعات، عالم الكتب 2014
· https://journals.ekb.eg/article_241884.html
· https://archive.alsharekh.org/SearchResult
· محمود الحسنية، الكتابة وتطور الخط العربي، مجلة الأديب، بيروت، العدد 9 – سبتمبر 1969
· وليد الأعظمي: خصائص الخط العربي، مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد 2 – أبريل 1980
· رفاه هلال حبيب : الخط العربي.. جمالية الحرف وإعجاز القلم، مجلة الرافد، أغسطس 2024
· https://arrafid.ae/Article-Preview?I=EOnZGMi5G64%3D&m=5U3QQE93T
· https://alharamain.gov.sa/public/?module=subj-ar&main_subject=nw&subject=subject_305234


