تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

البحث العلمي وأهميته في العصر الحديث

البحث العلمي وأهميته في العصر الحديث

د. عبدالله بن محمد الشعلان 


يعد البحث العلمي أساسًا لتقدم العلوم وتطور المعارف وهو العمود الفقري والركيزة الصلبة التي تستند عليها الصناعات والاختراعات التي تسهم بدورها بشكل فعال في التطور الاقتصادي والتقني والاجتماعي. ومن المعروف أن الدول الصناعية المتقدمة تنفق الأموال الطائلة والاستثمارات الضخمة في سبيل البحوث العلمية التي تسهم في تحسين أداء المعدات وإطالة عمرها الاقتصادي وتخفيض تكلفتها. والبحث العلمي يركز على النواحي التطبيقية أو تطوير وتبني نظريات علمية تقود البحث في النهاية إلى مرحلة التطبيق، لذا فإن البحوث يجب أن توجه نحو ما يتناسب ويتمشى مع متطلبات التنمية ويواكب التطور الكبير الذي تشهده المجتمعات الحديثة في القطاعات الصناعية والطبية والزراعية والاقتصادية والعسكرية ومجالات نقل التقنية والاستحواذ عليها وتوطينها.

والبحث العلمي يمثل أهمية بالغة في حياة الأمم المتطورة ووسيلة فعالة في استمرار نموها ورقيها بما يتحقق لها من إمكانيات في إجراء البحوث وترسيخ قواعدها وبناء الكوادر الوطنية المؤهلة لها، فالعصر الحديث - عصر التقنية والازدهار العلمي - يُجسِّد حلقة الاتصال المباشر بين قنوات البحث العلمي وواقع المجتمع لربط التنمية الوطنية بأحدث وسائل التقنية وأساليب الإنتاج والتطور.

والبحث العلمي هو المقدرة على الاستيعاب المتأني والتحليل المتزن والتفكير الرصين. ولقد أصبح التوجه في الجامعات والمعاهد العلمية نحو البحث العلمي أمرًا ضروريّا وحيويّا حيث إن هذه الكيانات والمواقع العلمية لم تبن فقط لتلقين العلوم والمعارف وحشوها في أذهان طلابها وإنما أنشئت لتكون أيضًا مراكز للتفكير ومنابر للإبداع والتطوير. وفي الجامعات تشكل برامج الدراسات العليا ومراكز البحوث بها سبلاً ميسرة وقنوات مفتوحة نحو الانطلاق نحو آفاق العلوم والمعرفة واكتشاف العوالم المجهولة.

ولقد لقيت البحوث العلمية في الجامعات السعودية كل تشجيع حيث أنشئت مراكز البحوث  المتخصصة، وانصبت برامج الدراسات العليا نحو البحوث العلمية ذات الأهداف المركزة والنتائج التطبيقية الملموسة، لقد خطت المملكة خطوات كبيرة وجادة بتوجيه من قيادتها الحكيمة في سعي حثيث وخطوات عريضة نحو إحداث التطور التقني لمواطنيها وأبناء شعبها، مع الحفاظ على القيم الدينية السمحة والتقاليد الاجتماعية الأصيلة، وفي هذا الإطار كان من الطبيعي أن يتجه البحث العلمي إلى تطوير المجتمع السعودي ونقل التقنية الحديثة بعد أن أرست قواعد وأسس ونظم التعليم الجامعي حيث أنشئت مراكز متخصصة في الجامعات لتبنّي وتمويل المشاريع البحثية وتوفير جميع الإمكانيات المادية والعملية لتيسير المسار البحثي وتهيئة جميع الظروف الملائمة لاستيفائه وإتمامه، كذلك أنشئت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لتشجيع البحوث وتبنيها والاستفادة منها، ولذلك نشطت حركة البحوث العلمية في الجامعات السعودية وأوجدت روح التنافس بين القطاعات العلمية المختلفة. 

ومما لا شك فيه أن  المؤسسات العلمية في بلادنا تحتوي على قدر كبير من الوسائل والإمكانات التي قد لا تتوفر لدى كثير من دول العالم المتقدم والتي إذا أحسن استخدامها فستؤتي - بإذن الله - ثمارا يانعة ونتائج باهرة في مجالات البحث العلمي. كما أن مؤسساتنا العلمية تبذل الجهود المضاعفة لتهيئة المناخ العلمي المريح والحوافز المادية المشجعة حتى ينصرف الباحثون نحو بحوثهم بكل قواهم الفكرية والعلمية بعيدين عن مشاغل الحياة وصوارفها وهو ما تفعله كثير من الدول المتقدمة التي تهيء للباحثين كل الإمكانات المريحة التي تكفل للباحثين مستوىً معينا يوفر لهم الحياة الفكرية المبدعة والأجواء المستقرة الوادعة، هذا إلى جانب إتاحة سبل النشر والتطبيق لما أتموه من بحوث قيِّمة وما أحرزوه من نتائج، وهذا بلا شك النهاية التي يطمح لها كل باحث وعالم ، والباحث السعودي – بفضل الله – لا يقل في عقليته وإدراكه ونضجه ومستواه العلمي وتميز شخصيته عن أي باحث آخر في العالم، حيث إن الكثير من الباحثين السعوديين قد تخرجوا من جامعاتنا المتميزة أو من جامعات عالمية أفرزت الكثير من العلماء والباحثين المرموقين. 

إن أسس نجاح أي بحث علمي تتوقف على توفر عناصر أساسية كالعقلية المتفتحة والذهن المصقول والرغبة الجادة في عمل البحوث وتوفر الأجواء والإمكانيات لها، كما أن البحث العلمي ليس مجرد معانٍ جوفاء أو تصورات عقيمة تلقى على عواهنها وإنما هو فكر جدية تعتمل في عقل الباحث ورؤىً حقيقية تتفاعل في ذهنه وأحاسيسه يسعى نحو تحقيقها وتطبيقها والاستفادة منها والوصول إلى نتائجها المحسوسة. 

ولكي تتحقق الفوائد المرجوة من تلك البحوث فلا شك أن الباحث سيجد في كثير من الأحيان بعض العوائق والمعاناة في سبيل الحصول على المعلومات التي يجب أن يستخلصها من المراجع المختلفة ومن المعلومات والأرقام الإحصائية المتعددة، وقد لا تكون تلك المراجع أو المعلومات متواجدة ومتاحة عند الحاجة للوصول إليها والحصول عليها، لذا قد لا يكون من السهل على الباحث أن يجد طريقه مفروشًا بالورود والرياحين في مسيرته البحثية فإن نقص الإمكانات وعدم توفر المعلومات وغياب الجهة أو الجهات التي تشجعه وتتبنى أبحاثه قد يعيق مسيرة البحث الأمر الذي قد يجد الباحث نفسه معه قد وقف في طريق مسدود لا يفضي إلى شيء وبالتالي تتعطل مسيرته البحثية وتتبدد جهوده العلمية التي أعطى لها جل وقته وأنفق عليها كل طاقته.

 

ولا شك أن هناك الكثير من المزايا والفوائد التي أفرزتها البحوث العلمية فقد أصبح من الممكن التعرف على الكثير من الأمراض الفتاكة والتوصل إلى طرق لعلاجها، كذلك أمكن التوصل إلى أفضل أنواع التقنيات في الأجهزة والمعدات التي يستخدمها الإنسان في الاتصالات السلكية واللاسلكية ووسائل النقل، كذلك أمكن تحسين نوعية الكثير من المنتجات الزراعية والصناعية أو مجالات أخرى سواءً أكانت فنية أم إدارية أم تنظيمية. 

وعلى الصعيد المحلي أدَّت كثير من البحوث إلى صناعات وطنية مبنية على الإبداع المحلي أصبح له عائد ملموس على الاقتصاد الوطني. إن دولة نامية مثل المملكة العربية السعودية لا يمكن أن تصبح دولة صناعية ما لم تربط صناعتها المحلية بمراكز بحوث وتطوير تعمل على نقل وتطويع وتوطين التقنية الحديثة وتبدع في تطوير تقنية لها جذور وطنية كما أن البحوث التطبيقية لها صفة تراكمية لا يمكن أن يظهر أثرها إلا بعد فترة زمنية كافية من تطوير المعرفة واستثمار الملكات المبدعة.

والبحوث العلمية في المملكة  تتناول كل الجوانب الضرورية المحققة لأهداف التنمية التي تسنها الدولة في خططها التنمويَّة وكل ما له مساس بحياة المواطن السعودي والتي تكفل له حياة هانئة ومستقرة وتهيئ له كافة الإمكانات التي تضمن له حياة ميسرة وبعيدة عن الإسراف والتكلف والتعقيد. ولقد لقيت البحوث العلمية في الجامعات السعودية كل تشجيع حيث أنشئت مراكز البحوث المتخصصة وانصبت برامج الدراسات العليا نحو البحوث العلمية ذات الأهداف المركزة والنتائج التطبيقية الملموسة. فعلى سبيل المثال هناك بحوث عن الطاقة الكهربائية للمحافظة عليها وترشيدها واستخدامها الاستخدام الأمثل والوصول إلى أفضل المواصفات التي يمكن التصميم بموجبها لتحسين أدائها ومواءمتها لظروف التشغيل في المملكة. كذلك أجريت بحوث على بعض الأمراض الشائعة في المملكة وطرق الوقاية منها وعلاجها، بل وأمكن التعرف على بعض الأمراض التي لم تكن معروفة من قبل، وأنشئت وحدات خاصة لتشخيصها وعلاجها، كذلك أمكن تطبيق الميكنة في الزراعة وتطوير الكثير من المحاصيل الزراعية وتحسين سلالاتها، كذلك عن تطوير مواد البناء باستخدام الخامات المصنعة محليا وذلك لما تشهده حركة البناء وإنشاء الطرق في المملكة من نشاط واسع وما تتطلبه من كميات هائلة من الخامات والمواد المتعددة، كذلك في صناعة المواد الغذائية وسلامتها وطرق حفظها وتعليبها، كذلك في الصناعات البترولية ومشتقاتها بدلا من تصدير الزيت الخام إلى خارج البلاد، ولقد أسهم البحث العلمي في تلك الجوانب وجوانب أخرى هامة وحيوية والتي ستتطلب الكثير من النفقات والأموال التي لو تم استيرادها من الخارج سيكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.

إن الباحث جزء لا يتجزأ من مجتمعه الذي يعيش فيه فهو يحس بمشاكله ويتلمس متطلباته فيسعى جاهدًا لحل تلك المشاكل وتحقيق تلك المتطلبات. ولا شك أن الباحث قد اكتسب خلال مسيرته العلمية والعملية ما صقل مواهبه وطور أفكاره وبلور شخصيته إلى القدر الذي يستطيع معه أن يجابه تلك المشكلات، ولا يمكن أن يتأتَّى له التصدي لها ما لم تكن لديه الإمكانات المتاحة لذلك. لذا فإن التخصص عامل مهم في العملية البحثية فهو الوعاء الذي يختزن فيه الباحث كل حصيلته ومعطياته الفكرية والعلمية والعملية ليستطيع عندئذٍ التعامل مع جُلِّ - إن لم يكن كل - المشاكل التي يعاني منها مجتمعه وبيئته، ولا يمكن أن يكون نشاطه البحثي محصورًا فقط في إطار ضيق ومحدود من التخصص، لأن الباحث لا يمكن أن يعيش في قوقعة معزولة لا يحس فيها بما حوله من مشاكل ومستجدات أخرى تحدث في محيطه وبيئته ولا يستطيع مجابهتها والتصدي لها.

والبحث العلمي هو محصلة تجارب متعددة تصطبغ بكثير من العناء والتضحية وتعتمد على مكونات عديدة أهمها تواجد العناصر البشرية المؤهلة والمؤسسات العلمية المتطورة بالإضافة إلى الإمكانات المادية الهائلة التي تتطلبها حركة البحث العلمي، والحديث عن رفع مستوى البحث العلمي يستلزم الحديث عن هذه العناصر جميعها، ولعل أهمها وجود الكوادر الوطنية المؤهلة والقادرة على مباشرة البحث وتطبيقه والإسهام فيه. وهذه الكوادر يجب العناية بها وتدريبها والأخذ بيدها وذلك أثناء مسيرتها العلمية في الجامعة حيث تتفتح المواهب وتبدأ شخصيات الطلاب في التبلور ثم النظر إلى أصحاب المواهب من أولئك الطلاب المبرزين والمتميزين لرعايتهم وتشجيعهم وتهيئتهم ليكونوا علماء وباحثين، وعندما تتكون هذه الكوادر فلا بد أن تهيأ لهم الأجواء العلمية والبحثية في بيئات متخصصة تحفل بالمعدات والأجهزة والإمكانات التي تساعد الباحث وتسهل مهماته وتوفر له الثقة في النفس من مساعدي بحوث وحاسبات آلية، كذلك يجب أن يتوفر الدعم المالي الذي سيكون له دور كبير في تنشيط البحوث وتوفير الحوافز المادية وإيجاد روح العمل الجاد والسعي الحثيث لإنجاز المهمات.

البحث العلمي وأهميته في العصر الحديث
Ehsan Logo