تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الإدريسي .. أشهر الجغرافيين ورائد علم الخرائط

الإدريسي .. أشهر الجغرافيين ورائد علم الخرائط

بقلم:أ.د. بركات محمد مراد

لسنا هنا في مجال استعراض جهود العرب والمسلمين في الجغرافية وما أضافوه إليها في ميادينها وبخاصة الجغرافية الوصفية والفلكية، فذلك أمر قد ألفت فيه عشرات من الكتب من مختلف اللغات. وإنما هدفنا أن نتوقف عند أحد هؤلاء العباقرة العرب وهو الإدريسي ونبين كيف كانت كتابات العرب والمسلمين أساسا من الأسس التى قامت عليها النهضة الأوروبية في العصر الحديث، وكيف كانت أبحاثهم وآراؤهم نبراسا اهتدى به علماء الغرب فنقلوا عنهم وساروا على سفنهم.

العرب والجغرافيا

لقد ظهر بين العرب والمسلمين علماء أفذاذ أضافوا إلى العلم أحسن التحقيقات عن طريق الأرصاد الفلكية، ومشاهد الرحلات، وتمحيص الروايات والمقارنة بينها ليتبين السليم من الزائف غير الصحيح وأسهم العرب فى حركة الكشوف الجغرافية مساهمة فعالة ؛ فهم قد عرفوا أوربا جميعا فيما عدا الأطراف الشمالية منها التى لم يكتشفها الأوربيون أنفسهم إلا في عصر متأخر وكانت معرفتهم بالنصف الجنوبي والشرقي من آسيا معرفة دقيقة وقد عرفوا إفريقية الشمالية حتى حدود المنطقة الاستوائية، وأوغلوا أبعد من ذلك فى ساحلها الشرقي حتى وصلوا إلى قرب مدار الجدي.

 ووصف العرب فى دقة بالغة وتفصيل كبير العالم الممتد من كوريا حتى سواحل بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) واهتموا بكل الجوانب الجغرافية لهذه المنطقة الواسعة، فيتحدث المسعودي مثلا عن الرياح الموسمية في المحيط الهندي ومواعيد هبوبها وأثرها على الملاحة، ويستنتج البيروني أن سهول الهند كانت بحر ردمته الرواسب، ويفرق بين الخليج والمصب الخليجي، ويفسر حركة المد والجزر ويربط بينها وبين أوجه القمر.

ولم يفت الجغرافيون العرب أن يتحدثوا عن الجغرافية الاقتصادية للبلاد التي عرفوها، وثروتها المعدنية، وإنتاجها الزراعي، وطرقها ومسالكها، كما لم يفتهم أن يتحدثوا عن السكان، وحياتهم اجتماعية

وأنماطها، ومراكز الاستقرار البشري وعلاقتها بما حولها من الأرض.

ويؤكد الدكتور الصياد على أن البحث العلمي الحديث قد أثبت أهمية المعلومات التي جمعوها عن بلاد نائية مثل أرخبيل الملايو وداخل إفريقية، وكانت هذه المعلومات مما أفاد منه الرحالة والرواد الأوربيون فى عصر النهضة(2).

ومن الثابت أن أوربا لم تعرف داخل إفريقية إلا عن طريق الكتابات العربية، فقد وقفت الظروف الطبيعية لسطح القارة حائلا أمام توغل الأوربيون فيها، فاقتصر علمهم علي سواحلها، فى حين كان الجزء الأكبر من النصف الشمالي للقارة معروفا للعرب، وظلت كتاباتهم هي المرجع الوحيد عن جغرافية هذه المناطق حتى القرن التاسع عشر، ويكفي هنا نشير إلى واحد من الجغرافيين العرب هو»الحسن بن محمد الوزان الزياتي» الذي عاش فى أوربا فترة طويلة من حياته باسم «ليو الإفريقي «(3 ) Leo Africanus، وقد وضع كتابا باسم”وصف إفريقية “ عالج فيه بالدراسة المفصلة جغرافية النصف الشمالي من القارة ثم قام هو نفسه بترجمة كتابه إلى اللغة الإيطالية أثناء إقامته بالفاتيكان فى خدمة البابا ليو العاشر.

ولهذا يصعب إنكار ما للعرب من أثر فى تقدم المعارف الجغرافية عن آسيا وإفريقية، فقبل أن توجه الإمبراطورية الإسلامية عنايتها إلى العلوم اليونانية والفارسية والهندية، كانت معرفة البلدان لازمة من

لوازم الفتح والتوسع. وقد وجد الغزاة المسلمون سبيل التوسع ممهدا بفضل طلائع التجارة والملاحين من العرب والفرس الذين تجشموا الصعاب في البحر والبر وأنشئوا مراكز للتجارة على شواطئ البحر الشرقي الكبير قبل ظهور الإسلام، وتجمعت المعارف الجغرافية حول مغامرات أولئك الرجال.

فلما بدأ تكوين الإمبراطورية الإسلامية، اقتضى ذلك تنظيم المسالك والبريد، وتعرف طرق الملاحة، وكان هذا وذاك أساساً من الأسس الهامة للجغرافية العربية، اعتمد عليه أمثال ابن خرداذبة وابن قدامة. وعندما كان الجيهاني يُعنى بجمع المعلومات عن البلاد الأجنبية، لم تكن عنايته خالصة لوجه العلم، بل كان يتم عمل أولئك الرحالين في إعداد سبيل الفتوحات وتمهيد مسارحها، فالجغرافية العربية، كما قال “فيفيان دي سان مارتان” شبيهة بالجغرافية الرومانية فى أن أصحابها عرفوا الأرض عن طريق الفتح(4)، بل أيضا عن طريق الرحلات التجارية، فهي جغرافية وصفية عملية، قبل أن يُعنى المأمون بترجمة كتب بطليموس القلوذي وماريتوس الصوري (5) Zenith أو بقياس الدرجة الفلكية فى وادي سنجار Hbbassides

الإدريسي: حياته ومؤلفاته

هو محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس عاش فيما بين 493 و 560 هجرية / 1099 ـ 1165 ميلادية. وقد ولد بثغر سبتة المغربي، وهي مدينة جميلة شمال المغرب الأقصى على مضيق جبل طارق، وقد انتقل إلى قرطبة بالأندلس، وكانت آنذاك منضمة للمغرب الأقصى تحت حكم المرابطين. وتلقي الشريف الإدريسي العلوم فى قرطبة واهتم منها خاصة بالجغرافية التى أبدع فيها، بسبب رحلاته الواسعة فى مدن الأندلس والمغرب ومنها مراكش وقسنطينة الجزائر، وآسيا الصغرى، وزار المغارة المنسوبة لـ «أهل الكهف» بوادي الأردن.

ونسبة الشريف الإدريسي تعود إلى جده إدريس الأول بن عبدالله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن بن على بن أبي طالب مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب، ولقب كذلك بالقرطبي لأنه قضى معظم حياته الدراسية في قرطبة، ويسمى أحيانا بالصقلي لأنه أمضى ردحا من الزمن في صقلية حيث كانت الثقافة الإسلامية لازالت مزدهرة فى الجزيرة، وكانت صقلية بوضعها المتوسط بين بحر الروم مركزا للتبادل التجاري وملتقى للفكر العلمي العالمي. وتعتبر صقلية كشقيقتها الكبرى الأندلس همزة الوصل بين العالم الإسلامي والعالم النصراني فى أوربا، والجدير بالذكر أن الشريف الإدريسي كان صاحب مواهب جذابة إلى درجة أن الكثير من أقرانه النصارى المتعصبين اتهموا روجر الثاني ملك صقلية، الذي قربه إليه وعهد إليه بأعمال علمية هامة، باعتناقه الدين الإسلامي، وذلك بسبب تقديره النادر النظير للشريف الإدريسي وإعجابه بالثقافة الإسلامية، رغم انتمائه للنصرانية (6).

لقد اشتهر الإدريسي فى علوم كثيرة، كما امتاز بين زملائه بذكائه الخارق وتواضعه النادر، كما كانت ثقافته عالية جدا فى معظم فروع المعرفة، ولكنه اشتهر في علم الجغرافية والصيدلة والنبات. ويقول عنه «عمر رضا كحالة» فى كتابه»التاريخ والجغرافية في العصور الوسطى» أنه كان على ثقافة أدبية يدلنا عليها إنشاؤه وشعره، كما كان على ثقافة رياضية كاملة من حساب وهندسة، وجغرافية فلكية، وطبيعية، وسياسية، بالإضافة إلى معرفة بالطب ومنافع الأعشاب، وأماكنها، وأعيانها، فهو طبيب ونباتي أيضا».

لقد امتدح مؤلفوا تاريخ العلوم الإدريسي ووصفوه بأنه علامة عصره، فهو العالم المسلم الذي اعتمد عليه علماء الغرب فى كل من علمي الجغرافية والنبات. يقول عنه مرحبا (7) أنه أعظم جغرافي في الإسلام، كان له ملكة قوية فى رسم الخرائط، كما صنف كتبا عدة في النباتات والصيدلة، أكثرها فى بلاط بالريمو النورماندي (8)، ونظرا إلى إقامته فى بلد مسيحي ونشاطاته فى صقلية، كانت بياناته عن البلدان المسيحية أعظم وأدق وأوسع مدى من سائر الجغرافيين الآخرين من العرب، وهو فضلا عن ذلك ونتيجة لذلك أيضا من العلماء المسلمين القلائل الذين اشتركوا في نقل كنوز العلم العربي إلى الغرب.

ولذلك يؤكد «عمر رضا كحالة»(9) على أن الإدريسي كان عالما بقوى الأدوية المفردة ومنافعها ومنابتها وأعيانها، له من الكتب: الأدوية المفردة، وكتاب الصيدلة، وجمع كتاب الجامع لصفات أشتات النبات وضروب أنواع المفردات من الأشجار والثمار والأصول والأزهار وأعضاء الحيوان والمعادن والطيور، ذكر ذلك كله بأسمائه العربية والفارسية واليونانية واللاتينية والسريانية والعبرانية والهندية والكردية والتركية والإسبانية والبربرية والقبطية أحيانا. وذكر منافع كل مفرد وما يستخرج منه من ُصموغ وزيوت ويتخذ من أصول وقشور وفوائدها فى العلاج والتداوي.

وبجانب شهرة الشريف الإدريسي فى علم الجغرافية، فقد صنف فى حقول أخرى مثل علم النبات وصناعة الأدوية واستند فى تآليفه على كتاب ديسقوريدس اليوناني فى هذا المجال، وإن كان أضاف إليه

الكثير من البيئة الطبيعية العربية. وأهم كتب الشريف الإدريسي:

  • نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق (الكتاب الروجري). مصورا لأشكال الكرة الأرضية مع الشروح الوافية. 

  • خرائط للعالم وتعتبر أول خرائط صحيحة مع تعليقات عليها.

  • كتاب المسالك والمالك.

  • كتاب الجامع لصفات أشتات النبات. 

  • كتاب سعادة الرجال وغبطة النفوس.

  • كتاب الصيدلة.

  • كتاب الأدوية المفردة.

لقد امتاز الإدريسي بمصنفاته الحاوية على كل شيء يتعلق بالجغرافية البشرية والفلكية والاقتصادية وقياساته المتناهية فى الدقة فى هذا المضمار، وذلك نتيجة لأسفاره الكثيرة للحصول على تلك المعلومات النافعة، ولا شك أن تجوله فى البلاد ورحلاته العديدة قد أفادته تجربة ووسعت من ثقافته. فقد بدأ الإدريسي سياحته وهو ابن ستة عشر عاما، مما يدل على نضجه المبكر، فتجول فى بلاد شمالي إفريقية وعرف مدنه وقراه، وذلك فى بلاد الأندلس، وزار بعض المدن الفرنسية وشواطئها الواقعة على المحيط الأطلسي، وبعض مدن الشاطئ الإنجليزي، وفى الشرق زار مصر والشام وتجول فى سائر بلاد آسيا الصغرى، وذلك خلال عام 510 هجرية لزيادة التحصيل والتوسع فى الدراسة.

الإدريسي الجغرافي وخريطة العالم

وبالرجوع إلى «الصفدي» (1363م) الذي يحدثنا عن العلاقة الحميمة بين روجر الثاني ملك الفرنج وصاحب صقلية، وقد كان فيه محبة لأهل العلوم الفلسفية من العدوة إليه، ليصنع له شيئا فى شكل صور العالم: فلما وصل إليه الإدريسي، أكرم نزله، وبالغ في تعظيمه. فطلب منه شيئا من المعدن ليبدع منه ما يريد، فحمل إليه من الفضة والحجر وزن أربعمائة ألف درهم، فصنع منها دوائر كهيئة الأفلاك، وركب بعضا على بعض، ثم شكلها له على الفضة المخصوصة. فأعجب بها رجار وسأله المقام عنده، وقال له أنت من بيت الخلافة، ومتى كنت بين المسلمين، عمل ملوكهم على قتلك، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك، فأجابه إلى ذلك، ورتب له كفاية لا تكون إلا للملوك وكان يجئ إليه، راكبا بغلة، فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه فيأبى، فيجلسان معا فقال له: أريد تحقيق أخبار البلاد معاينة لا بما ُينقل من الكتب، فوقع اختيارهما على أناس ألباء فطنة وأذكياء، وجهزهم رجار إلى أقاليم الشرق والغرب جنوبا وشمالا، وسفر معهم قوما مصورين ليصوروا ما يشاهدونه عيانا، وأمرهم بالتقصى والاستيعاب لما لابد من معرفته. فكان إذا حضر أحد منهم بشكل أثبته الشريف الإدريسي، حتى تكامل له ما أراد، وجعله مصنفا، وهو كتاب «نزهة المشتاق» (10).

ويعلق المستشرق الروسي «كراتشكوفسكي» على هذه الفقرة قائلا: «وروجر وقد عاش على الحد الفاصل بين الحاضرتين العالميتين لذلك العصر، كان على معرفة جيدة بالإثنين، وتكليفه عالما عربيا بالذات وضع وصف العالم المعروف آنذاك، لدليل ساطع على تفوق الحضارة العربية فى ذلك العهد، وعلى اعتراف الجميع بهذا التفوق. وقد كان بلاط النورمان بصقلية نصف شرقي، هذا إذا لم يكن أكثر من النصف».

وقد لخص هذا الكتاب ونقل إلى اللغة اللاتينية في القرن العاشر الهجري (16 الميلادي) ولا زال هذا الكتاب مخطوطا في مكتبات أوربا، وبقيت جامعات أوروبا تدرس موجز هذا الكتاب زهاء أربعة قرون،

ويقول «روم لاند» في كتابه «الإسلام والعرب» ولأسباب واضحة حظي علم الخرائط عند المسلمين، بأهمية لا تقل عن أهمية الوصف الجغرافي، وأبرز المشتغلين فى هذا الحقل هو الإدريسي، الذي عمل

فى بلاط روجر الثاني، ملك صقلية، وكتابه الرئيسي الموسوم بـ (كتاب روجر) يتضمن بالإضافة إلى المادة الجغرافية المستقاة من كتب أسلافه، يحتوي على قدر كبير من المعرفة الجديدة كل الجدة، وإنما بنيت هذه المعرفة فى المقام الأول، على تقارير الرحالين الذين أوفدهم الملك روجر لهذا الغرض إلى مختلف الديار والبلدان. والقيمة الرئيسية لكتاب الإدريسي تقوم على الخرائط السبعين التى تعطينا صورة عن العالم أكثر دقة من أيما مجموعة أخرى من الخرائط المعاصرة. ومن بين سماتها الرائعة قول مؤلفها بكروية الأرض فى زمان ساد خلاله الاعتقاد بأنها مسطحة. وتعيينه ينابيع النيل، وهو صنع لا يزال كثير يعتبرونه حتى اليوم، اكتشافا غريبا لا يرقى إلى أبعد من القرن التاسع عشر الميلادي».

لقد اشتهر الشريف الإدريسي بغزارة علمه ودقة معلوماته فى جغرافية

العالم، وذلك عائد لدراساته الطويلة ورحلاته وأسفاره المستمرة. فقد زار البحر الأبيض المتوسط كله شرقه وغربه، وقدم وصفا لرحلاته تمتاز بالشمول، مثل تحديده لمنابع نهر النيل والحيوانات المتواجدة فيه، ووصف المناطق المحيطة به، وتمييزه حدود البحيرات الإستوائية التى فشل فيها علماء أوربا.

وصدق الأستاذ الكبير العقاد عندما قال: «ولا يعرف أن أحدا سبق الإدريسي إلى بيان الحقيقة عن منابع النيل العليا، كما حفظت فى الخرائط التى بقيت فى بعض المتاحف الأوربية ومنها خريطة محفوظة بمتحف سان مرتين الفرنسي، ترسم النيل آتيا من بحيرات جنوب خط الاستواء، بعد أن تخبط الجغرافيون فى وصف منابعه وتعليل فيضانه».

ومن هنا لا غرابة أن يثني الباحث الكبير سيد حسين نصر فى كتابه «العلوم والحضارة فى الإسلام» على الإدريسي حين يعتبره أعظم عالم جغرافي فى العصور الوسطى على الإطلاق. 

لقد اعتمد الإدريسي فى كتاباته على المؤلفات الجغرافية المتيسرة فى زمانه، وقد انتقد بعضها انتقادا بناءا، كما قارن بين المعلومات الواردة فى كتب أسلافه من علماء المسلمين وقد عرفها جميعا وذكرها فى مؤلفاته وعلق عليها وشرح الكثير من النقاط الغامضة فيها.

وصنع كرة فضية نقش فوقها خريطته الشهيرة للعالم المعروف حينذاك، وصارت هذه الخريطة مرجعا لكل باحث فى جغرافية القرون الوسطى. ويقول الإدريسي «إن الملك روجر الثاني أحضر له دائرة من

الفضة عظيمة الجرم ضخمة الجسم فى وزن أربعمائة رطل بالرومي، فى كل رطل منها مائة درهم وأثنى عشر درهما. فلما كملت أمر أن ينتقش عليها صور الأقاليم السبعة، ببلادها وأقطارها وريفها وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغابرها، وما بين كل بلدين فيها وبين غيرها من الطرقات المطروقة والأميال المحدودة، والمسافات المشهورة والمراسي المعروفة، على نص ما يخرج إليهم مثلا فى لوح الترسيم، ولا يغادروا منه شيئا، ويأتوا به على هيئته وشكله».

وتمثل خريطة الإدريسي القسم المعمور من الكرة الأرضية وقتذاك فى آسيا وإفريقيا وأوربا، وتنحصر بين خط عرض 63 شمالا حيث ما بعدها مكسو بالثلج، و16 جنوبا حيث منابع النيل. ومما يلفت النظر أن الإدريسي جعل الجنوب فى خريطته إلى أعلى والشمال إلى الأسفل، والغرب إلى اليمين والشرق إلى اليسار. وقد نقشت هذه الخريطة بالألوان فى قصر من قصور بلارمة عاصمة صقلية، وقد حطمت مع الأسف فى غارات الحرب العالمية الثانية. لكنه نقلها قبل ذلك عالم ألماني وقد ترجمها إلى اللغة الألمانية، ولقد خططها متحف بغداد واحتفظ بنسخة منها.

وتؤكد لنا المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة على هذه الحقائق، حيث ترى أن الإدريسي الذي تلقى دراسته فى قرطبة، قد قام برحلات عديدة ما بين آسيا والساحل الغربي لإنجلترا، ووصل جنوبا إلى القارة السوداء. وقضى في بالرمو خمسة عشر عاما فى إعداد ما عهد إليه الملك يرسم ويسجل ويحصي ويدون كل ما رآه فى رحلاته العديدة وكان الملك الشغوف بالجغرافية ومشاكلها وكتبها يشاركه فى عمله بنفسه. ولم يكن يدخل دولته ضيف أو سفير أو مسافر أو تاجر إلا وسأل عن بلده ورحلاته وخبراته. وقد كلف الملك الموثوق بهم من موظفي المساحة العرب بالتجول فى كل أنحاء إمبراطوريته ليقيسوا المدن والأنهار والمرتفعات.

وفي أول عام 1145 ميلادية أتم الإدريسي عمله العظيم وقدم للملك الذي هده المرض وبات ينتظر نهايته سبعين خريطة، خرائط تفوق خريطة بطليموس الشهيرة فى دقتها ووضوحها وقلة أخطائها. بيد أن درة علمه كانت خريطة العالم التى نحتها على لوح من الفضة قطره متران ووزنه يعادل وزن رجلين، وتوضيحا لخرائطه، وضع الإدريسي كتاب قيم فى وصف الأرض، المعروف في العالم الإسلامي «كتاب نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق».

وتتابع المستشرقة رؤيتها العلمية حين تؤكد على أن «الجغرافي العربي الإدريسي هو الذي مثل في قصر ملك صقلية دور المعلم للغرب، وليس بطليموس كما يدعي بعضهم. وبقيت خريطة الإدريسي ثلاثة قرون تسد الفراغ فى الغرب، وتخدم محاولاتهم الخاصة فى هذا المجال كنموذج يهتدي به، كما ظلت أعمال ابن سينا المرجع الأساس للجيولوجية الأوربية فى القرن الثامن عشر»(12).

وقد قدم الإدريسي وصفا موجزا للأرض وتصورها على شكل كرة طول محيطها اثنان وعشرون ألفا وتسعمائة ميل وهو ما يعادل 185 و45 كيلومترا، وهذا الرقم ليس بعيدا عن محيطها الحقيقي وهو 068 و40 كيلومترا، وأنها معلقة فى الفضاء «كالمح فى البيض». ويرى الإدريسي فى مؤلفه الجغرافي الهام أن الأرض مكورة على شكل بيضة، وأنها منقسمة بواسطة خط الاستواء إلى قسمين متساويين: شمالي وجنوبي، المعمور منها الشمالي فقط، أما الجنوبي فهو خلاء غير معمور لشدة الحرارة ولعدم وجود الماء فيه. كما أسهب فى شرحه للأقاليم والخلجان على سطح الأرض، وأولى اهتمامه البالغ بدراسة المغرب العربي والأندلس وصقلية حيث قضى حياته في تلك المناطق»(13). ويقول فى كتابه الكبير عن وصف الأرض والماء المحيط بها:»إن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء مستقران فى جوف الفلك كالمحة فى جوف البيضة، ووضعهما وضع متوسط، والنسيم محيط بهما من جميع جهاتها، وهو جاذب لهما إلى جهة الفلك، أو دافع لهما. والله أعلم بحقيقة ذلك، والأرض مستقرة فى جوف الفلك، وذلك لشدة سرعة حركة الفلك، وجميع المخلوقات على ظهرها والنسيم جاذب لما فى أبدانهم من الخفة، والأرض جاذبة لما فى أبدانهم من الثقل، بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجذب الحديد إليه».

الإدريسي عالم النبات والعقاقير الطبية

كان الإدريسي من العلماء الكبار ليس فقط فى حقل الجغرافية، ولكن أيضا فى حقل النبات، فهو الذي صنف كثيرا من النباتات من حيث خواصها الطبية والغذائية. ويذكر «عز الدين فراج» فى كتابه «فضل علماء المسلمين على ال

الإدريسي .. أشهر الجغرافيين ورائد علم الخرائط
Ehsan Logo