تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

عبد الكريم الجهيمان سادن التراث وعرّاب الجزيرة

عبد الكريم الجهيمان سادن التراث وعرّاب الجزيرة

أحوال المعرفة: خاص

ترجَّل أبو سهيل عبد الكريم الجهيمان بعد رحلة بحث وتنوير امتدت لأكثر من مئة عام ... ملأها فكراً وأدباً وضرباً في الأرض ينشد العلم والرزق.. حباه الله نور الصر والبصيرة ...فكأن يرى الأشياء بأسمائها.. اتخذ من بيئته القروية أدوات للتعليم والتعلم.. خط اسمه في نقاء الرمل، فحفظه الرمل ولم تمحه الريح على عكس طبيعتها لأن اسمه أصبح معلماً من معالم الأرض ذاتها كالجبال والوديان.. فأفاض على المكتبة العربية من فكره ومؤلفاته التي كأن للطفل منها نصيب الأسد.

ولد قبل سنة الرحمة 

ولد الأديب الراحل عبد الكريم الجهيمان عام 1333 هــ وتقول والدته حين سئلت عن مولده أنه كان قبل سنة الرحمة بخمس سنوات على وجه التقريب لا الدقة، وقال الراحل في تدوين عمره اختصارًا: اخترت سنة الثلاث والثلاثين تأريخاً لمولدي المثبت في الوثيقة الرسمية، والأعمار كلها بيد الله.
كأن محل ولادته قرية صغيرة اسمها غسلة تقع في منطقة الوشم يجاورها قرية أخرى تسمى الوقف (مكان قرية والدته) ويطلق على القريتين القرائن.
لذلك كأن طفولته متنقلة بين هاتين القريتين. إثر التفرق والده بالطلاق في صغره، فكأن من منعطف حياته أنه لم يحظ بعطف والده كاملاً، فعاش متنقلاً بين والدته وأخواله وبين والده عندما تزوج بأخرى..  ولكن سرعان ما تزوجت والدته بآخر فانتقلت لتعيش معه... فخسر عطف ورعاية والده أيضا....
الجهيمان لقب الراحل علق بجده لأنه كأن يجهم الى أعماله، أي يسعى اليها في أواخر الليل، وصُغَّر اللقب فبدلاً من أن يكون جهمان جعلوه جهيمان، والتصغير ظاهرة معروفة في كثير من أسماء الأشخاص، أو القبائل أو الألقاب.

بيئته وطفولته:
  كان جده لوالده من كبار الفلاحين في غسلة ،وعاش والده فترة من الزمن يعمل مع جده في الفلاحة ثم انفصل عنه ،وكأن عمره عندما تزوجت أمه زواجها الثاني ثلاث سنوات أو أربع - وهى ابنة لأحد الفلاحين – تطعمه وتسقيه ،ثم تتركه في المنزل وحده وتذهب مع رفيقاتها لجمع الحشائش من الصحراء أيام الربيع من أجل تلك الحيوانات التي تخرج الماء من الآبار لري المزروعات.
كانت حياته في طفولته كلها حركة وحرية و انطلاق ، بحيث يستيقظ مع طلوع الفجر ولا يهدأ من الحركة إلا في ظلام الليل. كما كان رفقاؤه «لداته» مثله يمارسون ألعابهم ،ولكل طبقة منهم ألعابهم الخاصة التي تتناسب مع أعمارهم هناك ألعاب الليل وألعاب النهار، وللبنات ألعابهن الخاصةٍ. وكانوا يمارسون هواية الصيد في النخيل حيث يغزون الطيور في أعشاشها، ولديهم الطيور المهاجرة التي يصطادونها بواسطة الأفخاخ، والصيد في الصحراء حيث الجرابيع والضبان، والأرانب وغير ذلك!
وبالرغم من تلك الظروف القاسية قد عاش أبو سهيل حرية نادرة المثال حيث لا حدود ولا قيود في عهد الطفولة ،وكأن يعيش بين قريتين ..فإذا ضاق بإحداهما ذهب الى الأخر. وهما بيت خالة في قرية الوقف وبيت والده في قرية في قرية غسلة .
وفي هذا الجو الريفي البسيط الطليق عاش طفولته ،ولم يحس في يوم من الأيام أنه مكروه من أحد البيتين ،بل كأن يجد حباً وترحيباً وعطفاً قبل أن يجده غيره من الأطفال.

التعليم.. بداية الرحلة

 تعلم الجهيمان القراءة والكتابة فوق ذلك التراب ،وهذا هو الشيء الطبيعي ،أن يلتصق الإنسان بأمه الأرض ، ويشعرها بوفائه وولائه وتمنحه بدورها حنانها وخيرها.
  أما معدات الدراسة، فلا مكتبات، ولا كتب، ولا أقلام، ولا أوراق. ولهذا فقد كانوا يصنعون من بيئتهم كل ما يحتاجون إليه، بمعنى أن لديهم اكتفاءً ذاتياً !! يقول الراحل: « كنا نتعلم القراءة والكتابة على رمالنا النقية ،وكنا نصنع ألواحاً عريضة تنوب عن الأوراق ،وكنا نطلي هذه الألواح بماده جيرية نسميها «الصاروخ» أي القطع التي تنسلخ من الجبل، فنطلي بها الألواح ونكتب عليها ،فإذا حفظنا ما كتب عليها ،محوناه مع الطبقة الجيرية التي طلينا بها الألواح ،ثم نعيد نعجنه ونطبخه ،حتى ينعقد... ثم نعمل منه أقراصاً نجففها ،ثم نستعملها في الدواة، والدواة زجاجة ترد إلينا من الخارج ،وقد يكون فيها دواء وقد يكون فيها مادة أخرى).
أما الأقلام، فتتم صناعتها من قصبات الأشجار ،حيث يتم بريها ثم تشق من وسطها ثم يستعملونها للكتابة .هكذا كانوا يكتبون، ومن هذه الأرضيه البسيطة والأساس اللاعلمي في مقاييس العصر الحديث انطلق الراحل ليقيم الدنيا ولا يقعدها كأبرز وألمع ما يكون مثقف في المتفاعل والمواطن الواعي لدوره في هذه الحياة.

بين قريتين 

لم يكن من المتوقع أن يتعلم هذا الطفل الذي عاش بين قريتين، تارة عند أهل والده وتارة عند أهل أمه، وأن يواصل تعليمه ويكون من الكتاب البارزين إذ أن من المعروف وكما جرت العادة أن من يعيش مرحلة الطفولة، بدون كيان أسري سليم، عادة ما يكون حظه من تعليم قليلاً، ذلك لأن الطفل لا يحظى برعاية أسرية كاملة وخصوصاً في زمن لا نسمع فيه إلا عن الكُتاِّب والشيخ. كأن التعليم غير منتشر كما هو الآن ولا أحد يعرف أهميته.
وعندما بلغ السادسة من عمره دخل كتاب القرية، وكان إمام المسجد هو الذي يتولى تعليمه مبادئ القراءة والكتابة. أما الثقافة في القرية فمحدودة جداً، إن لم تكن منتفية إذ يكفي المرء المتعلم أن يعرف القراءة والكتابة، وقد يكتفي الكثير منهم أن يعرف قراءة القرآن الكريم فقط، وكأن لا يوجد في القرية من يقرأ الرسائل إلا إمام القرية وبعض أفراد الذين لا يتجاوز عددهم الواحد أو الاثنين.
وعندما انقضى عهد الطفولة الذي يقرب من عهد الشباب، كأن قد ختم القرآن الكريم نظراً، وحفظ بعض السور غيباً.

من القرية إلى العاصمة

 لم يكتفي هذا الطفل الذي نشأ في أسرة لها ظروفها الخاصة بالتعليم وحفظ القرآن الكريم في كتاب القرية بل سعى إلى إتمام المسيرة العلمية في مدينة الرياض حيث العلم والمعرفة أكثر انتشارا من القرى في ذلك الوقت!
ذهب مع والده إلى الرياض.. والده لطلب المعيشة وهو لطلب العلم، فقرأ على يد الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله مبادئ النحو.. وعلى أخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بعض مبادئ الفرائض.. ومكث على هذا الحال في الرياض حوالي عام، ثم سنة همته وفكره وقرر أن يشدا الرحال إلى أطهر بقعه.. إلى مكة المكرمة وأن يقرأ على مشايخ الحرم. 

وعندما وصل إلى مكة المكرمة وجد أن الدراسة فيها تحتاج الى نفقة وتحتاج الى سكن وهو صفر اليدين!! فالتحق أبو سهيل بالهجانة، وبهذا ضمن السكن والنفقة، وواصل طلب العلم، في الأوقات التي ليس فيها واجبات رسمية.
وفي السنة التالية أنشئ المعهد العلمي السعودي في مكة ،و لكن الإقبال عليه كأن ضئيلا ، فأمر مؤسس المملكة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه بأن يختار الشيخ محمد بن إبراهيم بعض الشباب النجديين للدراسة فيه ،فكأن عبد الكريم وابن عمه من جملة من اختارهم لدخول المعهد ،وأمنت لها الدولة سكناً وإعاشة ونفقات لبعض ما يحتاجونه من أوراق ودفاتر وكتب.
بقى عبد الكريم ثلاث سنوات نال بعدها من المعهد الشهادة وكأن ذلك عام 1351 هـ ، وبهذا يكون تخرجه من المعهد العلمي السعودي في مكة المكرمة في نفس السنة التي وحد فيها الملك عبد العزيز طيب الله  ثراه أرجاء البلاد .
و منح شهادة كتب فيها (بسم الله الرحمن الرحيم . الحكومة العربية الحجازية.. مديرية المعارف العمومية.. المعهد العلمي السعودي. قسم المعلمين.. تشهد مديرية المعارف العمومية أن عبد الكريم بن عبد العزيز جهيمان المولود في نجد قد أتم دراسة المقررة للفئه المعلمين الأولى بالمعهد العلمي السعودي ونجح في الاختبار النهائي الذي أجرى في مكة المكرمة بتاريخ 10-11-1351 هــ وكأن ترتيبه الأول من مجموع عدد الناجحين في فصله البالغ أربعة طلاب والله ولي التوفيق).

 خارج الحدود

 بعد أن قضى جهيمان قرابة عقد ونصف التعليم سافر الى مصر في فرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا لمدة تقارب السنتين مما وسَّع مداركه، ويحدث هذا السفر في حياة الراحل تحولاً كبيراً فنراه يقول في مذكراته: «أحداث هذا السفر إلى مصر بالنسبة لي خاصة تحولات في تفكير الاجتماعي وعرفت كثيراً من الشخصيات البارزة في الدولة.. بما أن هذه السفرة إلى دول مختلفة هي أول سفرة في حياتي خارج بلادي فقد رأيت فيها الكثير من الأمور التي منها ما أحببته ومنها ما كرهته..  فقد خرجت من مجتمع محدود يعيش عيشة الكفاف والعفاف وإذا بــي في أيام قلائل أرى نفسي في مجتمع يموج بمختلف التيارات والرغبات والصراع في سبيل العيش بين الكبار والصفار والفقراء والأغنياء.. وبالجملة فقد استفدت مما سمعت واستفدت مما رأيت..  وعرفت مسالك الخير ومسالك الشر في تلك المجتمعات»

 عقود من هموم الصحافة ومكابدتها:
  تحولت مسيرة الأديب الراحل نحو العمل الصحفي وكتابة ممارسة مهنية، فرحلة العلمي والسفر لكثير من البلاد العربية والغربية جعلته أقرب للعمل الأدبي من خلال الكتب المؤلفات التي شغف بها، فليترجم هذا الشعور بانتقاله الى المنطقة الشرقية عام 1353 هــ لتولى إصدار جريدة «أخبار الظهران» ويصبح أول رئيس لتحريرها، في مواصل الكتابة من خلال بعض الصحف القائمة آنذاك.

جاءت طروحاته الصحفية متسمة بالقراءة والصراحة والمباشرة، في وقت ظل عموده الصحف الشهير (المعتدل والمائل) هو الانطلاقة الأولى للحديث عن هموم المجتمع وتلمس احتياجاته ورغباته، وحينما توقفت صحيفة «أخبار الظهران» عن الصدور، عاد الى الرياض ليواصل الكتابة عبر مجلة اليمامة، وما لبث أن انتقل إلى منطقة القصيم ليرأس تحرير «جريدة القصيم»، ويواصل كتاباته في المجال الأدبي والاجتماعي، مستلهماً والعديد من القصص والمواقف الإنسانية المعبرة.

توج الراحل مسيرة العمل الصحافة والمطبوعات بإصدار الكثير من الكتب التي احتوت على العديد من المقالات والزوايا التي كان يكتبها في تلك الصحف التي أشرف عليها ورأس تحريرها مثل (دخان ولهب) و(أحاديث وأحداث) و(أين الطريق) و(آراء فرد من الشعب) و(دورة مع الشمس) و(ذكريات باريس)، إضافة الى مخطوطات أعمال احتوت على العديد من الزوايا والمقالات التي كأن يكتبها باسمه صريح حينها حيناً وباسمه المستعار حيناً آخر.

 رحلة جمعه الأمثال الشعبية وتدوينها 

حينما وجد الراحل أنه قدم ما لديه في مجال الصحفي والكتابي ،اتجه الى حقل جديد من حقول العطاء المعرفي والأدبي تمثل في مشروعه الأهم ،المتمثل في جمع الأمثال الشعبية ،وتدوين الحكايات المحلية، وكذلك تدوينه الأساطير الشعبية في جزيرة العربية.
  فقام بتحقيق وتدوين العديد من الأمثال التي كانت ترد على ألسنة الرواة، يلتقطها من مجالسهم في مناطق مختلفة من أرض الجزيرة العربية حيث ظلت الحكايات شائقة والأمثال مسلية ومنقولة بعناية وحرص ،فكان مجيداً للعمل في هذا المجال حيث أصدر خمسة مجلدات جاءت بعنوان (أساطير شعبية) من عام 1387 هــ حتى عام 1390 هـ ، ثم أصدر تسعه مجلدات حوت العديد من الأمثال الشعبية ،وصدرت هذه الأجزاء بين عامي 1400 هــ و  1403 هــ .

فالحكايات الشعبية ثروة مهمة في ثقافتنا المحلية استطاع الراحل من خلالها أن يتواصل مع القارئ، حيث أخرجها من أسلوب الحكايات الشفهية من شخص الى آخر، لتأخذ شكل التدوين، فكانت طريقته في النقل شيقة، إذ نراه يستشرف حقيقة من المجتمع من خلال ما يتوارثه من مخزون حكائي، فكان ينقله إلى الأجيال بكل أمانة ودراية ليصبح القارئ أمام حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها.

ولم تغب عن الأديب الراحل حاجة الطفل مثل هذه القصص والحكايات الشعبية، لنرى وقد أصدر عدداً من القصص الشيقة في عده مجلدات لاقت استحسان الذائقة المحلية، في هذا النوع من الأدب والثقافة يجد صداه لدى الناشئة حينما يعد ويكتب بشكل شائق ومناسب يراعي فيه المراحل العمرية للأجيال.

 كان جهيمان رحمه الله حجة في الثقافة ومرجعاً مهماً من مراجع التراث العربي، فقد كان يمتلك خبرة ودراية أهلته لأن يكون في هذه المكانة المرموقة في ساحة المعرفة في بلادنا، كما أن هذه المحاور أو المحطات الثلاث في تجربته قل ما تكون موجودة بشكلها الموسوعي في سائر عطاء الأدباء والمثقفين إنما نجدها جلية ومتأصلة في تجربته.

 أخبار الظهران: 

بعد عودته من السفر الطويل حل ضيفاً على زميله عبد الله الملحوق والذي سبق أن أسس أول مطابع بالمنطقة «شركة الخط للطباعة والنشر بالمنطقة الشرقية» مع بعض الأشخاص وقد عرض عليه العمل معهم بل وإدارة المطابع لخبراته التي اكتسبها من سنوات وبالخارج، فقبل على سبيل التجربة فيقول في مذكراته ص 175 -177«... وأرسلنا برقية باسم مطابع الخط إلى ولي عهد سعود وجاءت الموافقة من سموه بإصدار جريدة باسم «أخبار الظهران».. «وصدر بعض أعداد هذه الجريدة في بيروت لأن مطابع الخط لم يكن لديها الاستعداد آنذاك لإصدارها.. أي طبعها.. فكنا نرسل المواد كاملة الى بيروت.... مقالاتها وأخبارها وإعلاناتها.. وبعد فترة قصيرة تولينا إصدارها من الدمام نصف شهرية مؤقتاً.. وكانت بدايتها ضعيفة هزيلة كأي بذرة توضع في التربة.. وكأي عمل ينشأ من جديد.. ثم بدأت تنمو وتكبر ويتسع توزيعها ويكثر قراؤها شيئاً فشيئاً.. لما يلمس القارئ فيها من صراحة في القول وإخلاص في علاج الكثير من المشكلات الاجتماعية والثقافية والسياسية، ولهذا فقد كانت موضع الثقة من الحكومة ومن المواطنين على حد سواء وظهر بين هؤلاء العمال كتاب ومفكرون صاروا يمدون هذه الصحيفة بألوان من البحوث والمقالات المليئة بالوطنية والإخلاص.. والجرأة في بعض الأحيان.. وقد اكتسب من رئاسة تحرير هذه الصحيفة مكسباً معنوياً كبيراً.. وكانت نقلة جديدة في حياتي الوطنية والفكرية.. حيث كان يرد إلى هذه الصحيفة المختلفة الآراء والاتجاهات التي منها ما يكون متزناً.. ومنها ما يكون مندفعاً ومتهوراً.. ومنها ما يكون مدسوساً في بعض الأفكار التي لا تتناسب مع محيطنا ومجتمعنا المحافظ الذي تسوده قيم وأخلاق توارثها الخلف عن السلف.. فإذا تجاوزها إنسان اعتبر شاذاً. فالحقيقة بنت البحث كما يقول مجربون في حكمهم التي يطلقونها في مجتمعاتهم.. وصارت الصحيفة على هذا المنوال حتى أصبحت موضع ثقة واحترام الجميع.. وكنت بصفتي مسؤولاً عن هذه الصحيفة ومسؤولاً عن جميع ما ينشر فيها.. وكنت أنخل ما يرد الي من بحوث ومقالات وأخبار فأعرف منها مختلف التيارات التي تعيش في المجتمع أو يعيش فيها المجتمع أو بعض فصائل المجتمع..» كما يقول أيضا: «ولكن بعض المواطنين يطلبوننا بحرية واندفاع إلى الأمام أكثر مما نحن عليه سائرون.. بل يريدوننا أن نقفز في درجات سلم أهدافنا قفزاً.. فنحاول أن نفهمهم بــأن القفز قد يعرض إلى السقوط وأن الاتزان هو الطريق الأسلم والأحكم..». مع هذا التشدد في الحذر والاتزان إلا أنه لم يسلم ففي النهاية السنة من عمر الصحيفة 1376هـ - 1956م يصله مقال يطالب بتعليم البنات رغم انه لا يعرف كاتبه إلا أنه يؤيد ما جاء فيه ولهذا نشر المقال وتحمل مسؤوليته بكل شجاعة فقالوا إما أن تدلنا على كاتبه أو تتحمل مسؤوليته، أفلا تعلم أن الدعوة للتعليم الفتيات أمر سابق لأوانه، ولهذا يقول في مذكراته طـ 2 ص 180 «.. وكانت النتيجة أن أوقفت عن العمل.. وأوقفت الصحيفة عن الصدور.. وأوقف رئيس تحريرها في غرفة منفردة طولها مثل عرضها أربعة أمتار تقريبا في أربعه وفيها شباك واحد قد أغلق وأحكم إغلاقه.. وضرب في جوانبه الأربعة عدة مسامير، وقد بقي مسجوناً واحداً وعشرين يوماً ولم يشعر ذات يوم إلا بالجندي يفتح له الباب فجأة ويقول له خذ فراشك واذهب الى أهلك».

عادا للرياض بعد الإفراج عنه ليعمل مديراً للتفتيش بوزارة المعارف بعد إنشائها كان وزيرها آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز - خادم الحرمين الشريفين بعد ذلك -ويصدر مع مجموعة من الأدباء بالوزارة مجلة «المعرفة» ويقول عن سياسته في الكتابة رحمه الله «.. لدي فلسفة خاصة استفدتها من تراثنا الماضي وهي: إذا أردت لكتابتك أن تكون مؤثرة وتؤدي الى المطلوب.. فيجب أن تكون حارة جداً أو باردا جداً.. أما أن تكون فاترة.. فهذا هو الشيء الذي لا قيمة له.. هو يمر غالباً دون أن يحس به أحد ولن يكون له أدنى تأثير».

 وفــــاتــــــــــــه: 

وبعد رحلة ناهزت المائة عام من العطاء والإبداع توفى الأديب عبد الكريم الجهيمان في السابع من شهر المحرم لعام 1433 هــ الموافق للثاني من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2011 لتطوي بذلك حياته الجسدية وليظل حيا بيننا بفكره وعلمه وكتبه ودراساته رحمه الله.


عبد الكريم الجهيمان سادن التراث وعرّاب الجزيرة
Ehsan Logo