تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

ماهية الورق الإلكتروني

حسني عبدالحافظ 

  • من مزايا الورق الإلكتروني، مرونته، واقتصاديته، وإعادة استخدامه في الكتابة


كم هي كثيرة تلك المعطيات ، والمنتجات أيضًا، التي أوجدتها تقانة الذكاء الاصطناعي والتي دخلت جل المجالات، واستفادت منها كل الصناعات حتى صناعة الورق، استفادت منها أيضا، حيث ظهر ما يُعرف بالورق الإلكتروني، وهو يختلف كثيرًا عن الورق التقليدي الذي عرفناه وما زلنا نعرفه.. فماذا عن حقيقة هذا الورق الإلكتروني؟ 

وهل هو قادر على أن يُنحّي الورق التقليدي عن عرش مملكته في المستقبل المنظور كما يعتقد بعضهم؟

بنظرة تأريخية سريعة نجد أن ورقًا للكتابة عرفه قدماء المصريين منذ ما يزيد عن ال (5) آلاف عام، وهو ورق البردي الذي كان بحسب ج. ن. سيمونيان سببًا في ظهور كلمة ( paper ) الإنجليزية والمشتقة من كلمة ( papyrus ) ، ولقرون عديدة لم يطرأ على صناعة هذا الورق تطور يُذكر ، إلى أن أفل القرن الأول الميلادي، حيث يذهب بعض المؤرخين والباحثين إلى القول بأن الصين شهدت في العام 105 م الورق الذي نعرفه الآن، وأن الفضل في هذا الاختراع الذي غير وجه الحضارة يعود لضابط في الجيش الصيني ، إلا أن ثمة نفرا من المؤرخين والباحثين من أمثال الفرنسي د. غوستاف لوبون، والألمانية د. زيغريد هونكه، يرون بأن الفضل في اختراع الورق إنما يعود للمسلمين حيث كان أول ظهور حقيقي له في بغداد إبان العصر البعاسي الأول، ومن العرب انتقل إلى أوروبا ليكون أحد أهم الأدوات التي كانت سببا في إفاقة أوروبا من سباتها، في ظلمات الجهالة التي خيمت عليها طوال العصور الوسطى، والحقيقة أن إشكالية ( من سبق من؟) الصينيون أم العرب؟ لاختراع الورق تحتاج إلأى دراسة مستقلة، وليس هنا مجال البحث فيها. 

والورق التقليدي في أبسط حالاته هو : عبارة عن ألياف سليلوزية، يتم استخراجها من لحاء الأشجار، وقد شهد خلال القرون الماضية المزيد من التطوير والتحديث، والتنوع أيضًا، وقبيل بزوغ فجر الألفية الثالثة كان قد أُعلن عن ابتكار نوع جديد من الورق، يتواءم وينسجم مع معطيات ثورة الإنفوميديا  Infomedia هو الورق الإلكتروني الذي يرى خبير التقانة المتقدمة ميتشيوكاكو بأنه بداية الطريق نحو الورق الذكي، فعندما نرسم خطوطًا على ورقة ذكية ، يمكن لبرنامج الأشكال داخلها أن يحول رسومنا غير الممتقنة إلى أشكال جميلة، أو يستخدم إمكانيات التحرير لديه لتحويل ملاحظاتنا المكتوبة عليها إلى نصوص بقواعد سليمة. 


تقانة الورق الإلكتروني: 

وفيما يبدو أنه منافسة حقيقية أعلن مختبر تقني عالمي آخر عن ابتكار ورق إلكتروني بمواصفات خاصة ، فقد طيّر مختبر PARC لأبحاث التقنية المتقدمة في بالوألتو، وهو تابع لشركة زيوركس  Xerox الأمريكية خبرًا مفاده: أنه توصل إلى ورق إلكتروني أطلق عليه اسم ( Gyricon ) وهو يمتاز بإمكانية إعادو استخدامه وتعتمد تقانته على فيلم رقيق من البلاستيك الشفاف، الذي يوجد بداخله بلاتين من كريات النانو التي تشبه إلى حد كبير بودرة التونر المستخدمة في أجهزة تصوير المستندات والطابعات الإلكترونية، تتأثر هذه الكريات بشكل عشوائي ، وهي تحمل صفات لونين متباينين كالأبيض والأسود مثلا، وعند توصيل التيار الكهربائي، فإن هذه الكريات تُشحن وتنتظم حركتها، وتصبح بمثابة قطبين كهربائيين وعندئذ تتشكل ورقة إلكترونية ملونة يمكن الكتابة عليها، وبالتحكم في التيار الكهربائي يمكن توصيل المعطيات إلكترونيا، إلى سطح هذا النوع من الورق عن طريق شحنه بعدة طرائق من أبرزها: 

  • تغذية الأفرخ الورقية داخل أجهزة شبيهة بالطابعات التقليدية الصغيرة.

  • إمرار جهاز شاحن صغير من عليها، وفي حال إضافة جهاز مسح إلكتروني  Scanner صغير داخل هذا الشاحن ، يمكن استغلال الأفرخ الورقية الإلكترونية، بوصفها أجهزة متعددة الأغراض حيث إنها ستكون بمثابة طابعة وناسخة وفاكس وماسح إلكتروني في آن واحد.

  • التوصيل بمصدر للمعلومات الرقمية، مثل: الإلكترودات الكهربائية والتي يمكن استغلالها كلوحة إعلانات أو بيانات أو شاشة عرض متغيرة ومتعددة الأحجام. 

وفي المقابل أعلن مختبر التقانة التابع لتحالف شركتي لوسنت وإلكترونيك إنك (  Lucnt & Elnk ) أنه نجح في إنتاج نوع جديد من الورق الإلكتروني، وذلك من خلال (حبر إلكتروني) هو عبارة عن دارات كهربائية فائقة الشفافية ، من ترانزستورات نانو، تنتشر على سطح أفرخ من البلاستيك، وهذا الحبر الإلكتروني يقوم بالتحكم في شحن وإظهار المعلومات على سطح الورق، كشاشة عرض عالية التباين، وبحسب سيمونيان فإن تقانة هذا الورق تعتمد على وجود ملايين من الكبسولات الميكرونية التي تحتوي على جزيئات بيضاء اللون، وعند مرور التيار الكهربائي فإن الجزيئات البيضاء تتجه بفعل الشحنات الكهربائية نحو الجزء الخارجي لجهة من جهات الكبسولات الميكرونية، ومن ثم فإن هذه الجهة ستظهر باللون الأبيض ، وعند إرسال الشحنات الخاصة بمعلومات معينة مثل الصور أو الرسوم أو المتن، سيتم شحن وتحريك بعض الكبسولات والجزيئات البيضاء فقط، مما سيؤدي إلى ظهور هذه العناصر بوضوح، على الورق الإلكتروني، وبدرجة تباين عالية بين اللون الأسود واللون الأبيض، تصل نسبتها إلى 10:1 وهي أعلى من نسبة التباين الخاصة بالصحف والتي تصل إلى 8:1 فقط . 

وكان جوزيف جاكوبسون ، وهو خبير تقني شهير، قد أعلن مؤخرا أن فريقا بإشرافه تمكن من تطوير نوع آخر من الورق الإلكتروني يمكن التحكم فيه من خلال شبكة دارات متناهية الصغر، لا يتعدى قطر الواحدة منها قطرة شعر، بحيث تكون الصفحة الورقية بيضاء أو سوداء أو حتى ملونة حسب الطلب، وأشار إلى أنه كلما زادت كثافة هذه الدارات في الشبكة كلما وصلنا إلى درجة عالية من الدقة والوضوح عند الكتابة والطباعة على هذا الورق الإلكتروني. 

وثمة أبحاث وتجارب متقدمة حول ابتكار أنواع جديدة من الورق الإلكتروني يقوم بها باحثون في جامعة لينكوبن السويدية، وكانت صحيفة ( برلينر مورجن بوست ) الألمانية قد شهدت افتتاح أول مصنع في العالم لإنتاج الورق الإلكتروني الذي سيغزو الأسواق. 


مزايا واستخدامات الورق الإلكتروني:

وفي نقاط بعينها يمكن تحديد أهم خصائص ومزايا الورق الإلكتروني ، على النحو التالي: 

  • درجة مرونته العالية وقابليته للطي. 

  • ليس له تأثير سلبي يذكر على البيئة.

  • قابليته لإعادة الاستخدام عن طريق إعادة الكتابة والمسح كهربائيا آلاف المرات، بكل سهولة وسرعة وكفاءة.

  • إمكانية قراءة سطوره ومشاهدة صوره من زاوية رؤية واسعة.

  • اقتصاديته النسبية ، حيث إنه لا يحتاج إلى طاقة كهربائية كبيرة لتحديث الصورة أو النص المعروض، فبعد أن يتم ترتيب الجزيئات تظل الصورة ثابتة على الورقة، وبهذا توفر طاقة كبيرة ، وبالمقارنة مع الشاشات العادية التي تحتاج إلى طاقة باستمرار لانبعاث الضوء منها، وهذا الانبعاث مؤلم ومضر للعين، بعكس الورقة الإلكترونية التي تعتمد على انعكاس الضوء مثلها مثل الورقة العادية. 

  • لا يتأثر باللمس أو الأضواء المحيطة به. 

  • خفة وزنه قياسًا بجل أنواع الورق التقليدي.

أما مجالات استخدامه فهي عديدة ، منها: 

  • طبع ونسخ الصحف والمجلات والكتب والموسوعات، التي يمكن سهولة تحديثها إلكترونيا. 

  • إمكانية استخدامه في بث المعلومات والبيانات المستحدثة والمرسلة عبر الموجات اللاسلكية مثل: موجات الراديو.

  • إمكانية استخدام بوصفه ورق حائط على جدران المنازل الذكية، حيث نستطيع تغيير لونه ورسوماته، بحسب أذواقنا وفي الوقت الذي نريد.

  • يتوقع غير واحد من كبار صناع الدعاية والإعلان أنه سيحدث ثورة في صناعة الإعلانات والملصقات الدعائية، ولافتات المحلات التجارية، وكانت إحدى الشركات قد بدأت بالفعل في استخدامه لعمل لافتات الطرق الذكية في بعض المدن الأوروبية حيث يمكن لسائق السيارة أن يقرأها من أي زاوية وفي أي إضاءة. 

  • بدأت شركة سوني اليابانية في استخدام تقنية الورق الإلكتروني في بعض منتجاتها الحديثة، مثل: الهاتف الجوال، والأجهزة الكهربائية. 

  • كان الجيش الأمريكي قد قدم منحة ب 43 مليون دولار، لجامعة أريزونا بهدف تطوير نظام تقني جديد، يستبدل فيه الحاسوب الشخصي المحمول بشاشات بلاستيكية رقيقة، يمن طيها من الورق الإلكتروني. 

وإذا كان الورق الإلكتروني قد بدأ يشق طريقه نحو مزيد من التطبيقات والاستخدامات، فإن الورق التقليدي مازال يتربع على عرش مملكته، ويتمتع بقاعدة شعبية عريضة من مستخدميه في ربوع العالم .. ويصعبُ أن يتخيل أحد اختفاءه يومًا ، فهو الوسيلة الأعظم التي ظلت على مدى قرون خلتْ ومازالت، تقوم بتوصيل الأفكار والأخبار وكل أنواع المعلومات والبيانات، وبحسب الإحصاءات، فإن استعمالات الورق التقليدي في جميع المجالات، كانت قد زادت بنسبة 37% ما بين عامي 1999- 2003م ، ويُتوقع أن تستمر الزيادة في اطراد، فاختفاء هذا الورق التقليدي – كما يظن بعضهم- لا يمكن أن يحدث، على الأقل في المستقبل المنظور، إلا أنه وعلى المدى البعيد، يمكن أن تتراجع شعبيته، ويهتز عرش مملكته، ليس فقط لصعود نجم الورق الإلكتروني بمزاياه وخصائصه وتطبيقاته العديدة، ولكن أيضا لأنه أحد الصناعات المستنزفة للبيئة، حيث إن طنًّا واحدًا من الورق التقليدي يستلزم صناعته قطع 17 شجرة كبيرة، واستهلاك 700 غالون من الماء، وبرميلين ونصف البرميل من الزيت، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، تنتج نحو 63 مليون طن من الورق سنويا، فلنا أن نتخيل كم الاستنزاف البيئي الذي يلزم لصناعة الورق التقليدي في بلاد العالم كافة؟! 



ماهية الورق الإلكتروني
Ehsan Logo