البحث .. أصوله ومراحل كتابته ..
*بقلم: هناء ثابت محمد المداد
البحث محاولة لاكتشاف المعرفة والتنقيب عنها وتنميتها وفحصها، وتحقيقها بتقص ٍ دقيق ونقدٍ عميق، ثمّ عرضها عرضاً م ُ تكامِلاً بذكاءٍ وإدراك لكي تسير في ركب الحضارة العالميّة وتُساهم فيها م ُ ساه َ مةً إنسانيّة حيَّة وكاملة، فالبحث هو طلب الحقيقة وتقصِّيها وإذاعتها بين النّاس وفق طريقةٍ يسير عليها الباحث ليصل إلى الغاية من موضوع بحثه، فلا بدَّ لكل ِّ باحث ٍ يُريد أن يكتب بحثاً من أن يمرَّ بالمراحل التّالية :
جمع المادة العلميّة : وهذه المادَّة تُجمع من أُمّهات الكُتُب والمؤلَّفات من مصادر ومراجع لها ص ِ لَة بموضوع البحث، فإذا أردت مثلاً أن تكتُب موضوعاً تبحث فيه عن شاعِرٍ ما، فعليك أن تجمع المادَّة العلميَّة لهذا البحث من المصادر والمراجع الأدبيّة التي تتناول هذا الش َّ اعِر عبر تاريخ الأدب، ونذكر على سبيل المثال ( كتاب الأغاني ).
إعداد البطاقات : ويُفضَّل أن تكون البطاقات كرتونيَّة أو ورقيَّة، وأن تكون مرقَّم َ ة ترقيماً يُعنى بمتَطلَّبات البحث .
ترتيب المادَّة العلميَّة وتنسيقها : فبعد قراءة المادَّة العلميَّة يجب على الباحث أن يقوم بترتيب المعلومات التي حصل عليها وفق حاجته إليها ووفق ما يتطلَّبه البحث .
عمليَّة التَّسويد : لا يجوز البدء بالكتابة ما لم تكن المعلومات مدوَّنة بشكل م ُ تَسلْس ِ ل، وبعد استقراءٍ كامل للأخبار والنّصوص وإعلام الأستاذ المشرف عن هذه الإجراءات وطلب الإذن منه بالكتابة يُحضِّر الباحث أو الدَّارس الأوراق المطلوبة للكتابة، ويُهيِّئ قلماً سلسالاً للكتابة، ويُمعِن النَّظر في المخطط الذي وصفه المشرف أمامه لكي يستعين به لكتابة البحث، ثمَّ يبدأ بالكتابة باستثناء المقدّمة ؟ وذلك لأنَّ المقدّمة لا يجوز أن تُكتَب إلاَّ بعد الانتهاء من كتابة البحث ومراجعة ما كُتِب، وسبب ذلك أنَّ المقدّمة تعكس صورة متكاملة لعلاقة الباحث بالبحث وتُمهد لِما قام به الباحث، ولا بدَّ بادئ البدء أن يكون الباحث كريماً في استخدام الورق، فلا يكتُب على وجهي الورقة مثلاً، ويجب أن يترك مسافات بين الأسطر ومسافات في الهامش ويترك حاشية في الأسفل، كما يجب عليه ألاَّ يملأ الورقة بالكامل لأنَّه ربَّما يحتاج إلى إضافة فكرة معيّنة أو استدراك شيء معيَّن أو إضافة جملة أُخرى، وكل ُّ هذه الأمور يجب أن يُقدِّرها الكاتب، كما يجب عليه أن يُقدِّر المسافات وأن يُراعي حساب الحواشي لئلاَّ يضطر إلى ضغط كتاباته على الورقة ومن ثمَّ تتداخل هذه الكتابات مع بعضها البعض .
وإذا اضطرّ اضطراراً إلى إضافة شيءٍ هام فلا بأس من أن يُلصق قُصاصة إضافيَّة في المسوَّدة على أن ينتهي منها في المبيضَّة .
وبعدها يجب أن يُراعي الباحث كتابة الفقرات، فيكتُب كل َّ فقرةٍ على حدة ؟ لأنَّ الفقرة كل متكامل تحتوي مضموناً م ُ حدَّداً .
وممَّا يجب على الباحث أيضاً، مراعاة علامات التّرقيم، ونذكر منها الفاصلة (،) وتُدوَّن بين الجمل القصيرة .. والفاصلة المنقوطة ( ؛ ) وتُدوَّن بين الجمل الطويلة، وكذلك النّقطة ( . ) وتُدوَّن في نهاية الجمل، وكذلك النقطتان العموديتان ( : ) وتدوَّنان بعد القول والمقول أو بعد ما اشتُق َّ منهما ( أي ما فيه من القول أو المقول )، كما أنَّهما تُدوَّنان بعد أسلوب الإجمال والتَّفصيل .. مثلاً، أصابع اليدين : الإبهام، السبابة ...، أمّا إشارة الاستفهام ( ؟ ) فتدوَّن بعد أسلوب الاستفهام أ وإشارة التعجّب ( ! ) تدوّن بعد ما فيه أسلوب تعجب سواء أكان قياسيّا أم سماعيّا .. وكذلك الأقواس الكبيرة )، أو الصغيرة فيستعملان للشواهِد أو الأقوال المأثورة، والأقواس المُزدّوَجة الصغيرة (» (وتُسمّى في العربيّةِ : الشولتان المُزدّوجتان)
وتدوّنان حول الاقتباس الحرفي سواءً أكان النّص المُقتَبَس من الحديث الشّريف أو من القرآن الكريم، أو أيّ قولٍ مُقتَبَس اقتباساً حَرفيّا .
ولا يجوز للباحث أن يأخذ من مرجع أو مصدر أو أيّ مؤلفٍ كان عبارةً لغيره ومن ثمّ يقوم بنسبها لنفسه، كما أنّه ليس بحاجة إلى ذِكر الألقاب والمراتب حين يستشهد بقول أحد الأدباء.
ويُستحسَن أن يُقسِّم البحث إلى أبوابٍ وفصولٍ وعناوين جانبيّة وأفكار مُجتزأة، وليس من الضروري أن تتساوى الفصول بحسب الموضوعات، فالرَثاء غير الغزل والفخر غير المديح والحديث عن حياة الرّازي ونشأته يختلف تماماً عن الحديث عن منهجه وأسلوبه أو علومه، ويُستَحْسَن ألاَّ نُكثِر من العناوين الفرعيَّة وألاَّ نُكثير من علامات الترقيم، كما يُسْتَحسَن بل يجب أن يكون الكلام منطقيّاً ومُتوازناً إذ لا يجب أن تَكتُب فكرة وتأتي بنقيضها في السّطر الثّاني.
وقد يحتاج الباحث إلى تكرار الفكرة وهذا ممكن شريطة أن يكون التكرار موجزاً مع ضرورة الإشارة بعبارة ( كما ذكّرنا آنفاً ) على سبيل المثال أو ( كما ورد أعلاه ) ولا يجوز التّكرار كثيراً لأنّ ذلك يُفقِد البحث تقيمته .
كما يجب على الباحِث أن يُراعي أحكامه وآرائه الشّخصيَّة ابتداءً من السّطور الأولى للكتابة لأنّه في مرحلة تأليف الأفكار وصبِّها في قالب خاصُ به، وعليه أن يُبيِّن رأيه الذّاتي .
ويجب عليه أن يتذكِّر أَنّه ليس كلُّ ما يُقرأ يُنسَخ، وليس كلُّ ما يُنسَخ يُستخدّم في البحث، ويجب على الباحِث أن يستبعد ضمير المُتَكلُّم ما أمكنه ذلك، ويمكن أن يستخدم ضمير الجمع سواء كان ذلك حال المُتكلمين أو المخاطبين، ويجب على الباحث أن يتحاشى عبارات الشخريّة، وأن يكون مُهذّباً في محاكاته وألفاظه، كما يجب أن يستبعد الأحكام القطعيّة كأن يقول : وإنّني أرى ما يلي، ويجب عليه أن يقول ( يبدو لي، أو إنّني أعتقد، أو أغلب الطّن، أو لعلّ )، ويجب عليه ألا يقتطع الفصل اقتطاعاً وإنّما يجعل الفصول مُترابطة، ففي كلُّ الأحوال يجب أن يكون البحث مُتضمّناً مقدّمة تُمهّد للموضوع، وخاتمة تُجْمل أجزاء الموضوع، ويجب عليه أن يبتعد عن الستطراد الفُمِل والإيجاز الفُخِل، ويجب أن يكون أسلوبه واضحاً، ولغته سليمة كي لا يشغل الآخرين بأخطائه ويجب عليه أن يُورد الشّواهد مشروطة بما يلي :
- الصحة، أي أن تكون الشواهد صحيحة .
- أن تكون منسوبةً إلى صاحبها .
- أن تُوضّع في المكان المُناسِب لها .
وليس من باب التّفاصُح أن يبحث الباحِث عن الغريب ( الكلمات الصَّعبَة ) ولا أن يُعَقُد الجُمل أو يُطيلها، وإنما يجب عليه أن يتحرّ الوضوح في اختيار الكلمات ومواضعها، فيضع الكلمة المناسبة في المكان المُناسب، ولا بأس من استعمال بعض المُفردات بالستعانة يمُعجم صغير.
يجب على الباحِث أيضاً أن يُحكُّم عقله وهو يكتب، وأن يَعمّد إلى نقدِ نفسه وكشف أخطائه قبل أن يكتشفها الآخرون .. وأخيراً يجب على الباحِث أن يبتعد عن الأنا ( الغرور ) والاعتزاز بالنفس بحيث لا يقبل نُصحاً أو إرشاداً من أحد .
كما يُستحسن أن يترك الفصل الذي يكتبه أيّاماً حتى إذا ما عاد إليه ثانيةً وَجَده قابلاً للنّقد، وليس عيباً إذا تعاون مع أحد زملائه بتبادل المنفعة، وذلك بأن يقرأ هو كتاباً أو فصلةً مقا كتبه زميله، ويقرأ زميله كتاباته .
ويجب على الباحِث ألا يلجا إلى التبييض حتى ينتهي من عملية التسويد نهائياً، فقد يحتاج الباحث إلى تقديم أو تأخير، وقد يضطر إلى الحذف، إضافةً لذلك من الضروري للبحث أن يقوم الباحث بقراءته كاملاً وأن يضع الشَّواهِد في مواضعها للتأكُد من مُتابعة أو تتابع الجُمّل، ووضوح الأداء، وسلامة اللغة، ووضع الحواشي المُناسبة وإسقاط ما ليس مُهم في سبيل صياغة البناء بإحكام .
هذه هى أهم الملاحظات التي رأينا أنّه يجب على الباحث اتِّباعها، وهي ضروريَّة للبحث.
والجدير بالذكر إنّ بعض الباحثين ينقلون المُسوّدة إلى مُسوّدة ثانية أكثر صقلاً وتنظيماً من المُسوِّدة الأولى .. كما أن بعضهم يلجا إلى تخزين بعض الأفكار في ذاكِرته، ونادِراً ما نجد باحثاً يكتّب للوهلة الأولى من غير تسويد، ويُمكن أن يبلغ الباحِث هذه المرحلة (الكتابة من غير تسويد) بعد كثير من المِران والتدرُّب والتّمرُّس، ويُعدُّ الباحِث (عمر فرُّوخ) أُنموذجاً لذلك وخيرُ مَنْ يُمثِّل هذه الطريقة لأنَّه كان بكتب بالطّريقة المُباشرة.
وقد شوهد ذات يوم أنّه كان يطبع البحث مباشرة على الآلة الطابعة، وليس بين يديه سوى رؤوس أقلامٍ عن الأفكار الرئيسيّة التي ينبغي أن يُعالجها، وهذا ينطبق على المُرتجلين من الخطباء والشّعراء، فهم يتحدّثون مباشرةً من دون إعدادٍ مُسبق وهذا عائد للموهبة، ومع هذا كلّه فلا بدّ للباحث أيّا كان من أن يعود إلى ما كتبه ليتأكّد من صحة العبارة، واكتمال الجملة، وتناسب علامات الترقيم، والخلو من الأخطاء، ولعلّ من نافلة القول أن ننقل إليكم رأي الجاحظ وأهم كُتُبه: : البيان والتبيين، الحيوان، البخلاء - في وجوب تنقيح المؤلّفات، يقول في كتابه (الحيوان) : ( ينبفي لمن كتب كتاباً ألاً يكتبه إلا على أنّ الناس كلّهم أعداء له، وكلّهم عالِمُ بالأمور لنقد هذا الكتاب، ثمّ لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه عقلاً (عاماً غير واضح)، ولا يرضى بالرأي الفطير أي الرأي الغير ناضج، فإنّ لابتداء الكتاب فتنة وعجباً، فإذا سكنت الطبيعة، وهدأت الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرةً إلى استقرارها، توقّف عند فصوله توقُّف مَنْ يكون وزنُ طمعه في السَّلامة أنقص من وزن خوفه من العيب «، بمعنى إنّه دائماً يُؤثر اكتمال ما كُتب والوصول إلى مرحلة متقدِّمة في الكتابة، وألاَّ يُتّهم بأنّ لديه تقصيراً أو خلاً في كتاباته، أي يريد أن يكون كتابه كاملاً وسليماً حفظاً على سلامته لا خوفاً من نقد النّاس له .
* كاتبة وباحثة – سوريا
المراجع
أصول البحث - د. محمد مصطفى - جامعة حلب - ٢٠٠٧ .
الكامل في النقد الأدبي - ط٣ - كمال أبو مصلح - المكتبة الحديثة - بيروت - ١٩٦٧ .

