صناعة الكتاب في إيطاليا بين الواقع والمبالغة
صالح سليمان
العلاقة بين الإنتاج الأدبي وحركة النشر علاقة وثيقة وطردية في أي مجتمع، فكلما نشط الإنتاج الأدبي انتعش سوق الكتاب ونشطت حركة النشر، وأصبح هذا المجتمع مجتمعا قارئا بامتياز، وإيطاليا دولة غنية بكنوزها المعرفية القديمة وثقافتها الأدبية المعاصرة، لقد تحولت ثقافة إيطاليا العريقة من العصور الوسطى إلى علامة تجارية متفردة تعرف ب" صنع في إيطاليا" وهي تمزج بفرادة بين الثقافة والأعمال، فقد كان الفنانون الرواد أمثال: ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو أصحاب خبرة في الأعمال أيضا، ما جعل هذه العلامة الثالثة في العالم، وهي غير خاصة بمنتج تجاري معين ، بل بذاكرة البلد عموما.
أما الأدب الإيطالي فيشتمل على روائع جديدة كتبت منذ بداية القرن 13 الميلادي، كما أنه عزّز حركات ثقافية مهمة، كان لها أثر دام على آداب قومية أخرى، وعرفت إيطاليا ثلاثة كتاب كبار في القرن 14 الميلادي هم: دانتي إليجيري وبترارك وجيوفاني بوكاتشيو والشاعر العملاق جابرييلي دانونسيو، كما شهدت إيطاليا في القرن الأخير والعصر الحديث أسماء كتاب حازو شهرة عالمية فائقة أمثال: إيتالو كالفينو أو لويجي بيرانديللو وجوفاني فيرغا، وألبرتو مورافيا الذي ترجمت رواياته إلى لغات العالم وتحول بعضها إلى أفلام سينمائية.
ولاشك أن هؤلاء وغيرهم قد رفدوا الساحة والمكتبة الإيطالية والعالمية بزخم من الإنتاج الأدبي الذي حظي بمتابعة كبيرة في المجتمع، ومن ثم تنشيط ثقافة القراءة وتفعيل حركة النشر وبيع الكتاب.
لكن الغريب أن هناك تصريحًا منسوبًا إلى الكاتب الإيطالي باولو دي ستيفانو يشير فيه إلى أن الشعب الإيطالي ليس مثقفًا، وأن هناك 75% من الشعب يعانون من الأمية الثقافية، وإيطاليا أقل الدول الأوروبية قراءة، لأسباب ترجع لضعف المؤسسات الثقافية وسوء سوق الكتاب، على حد قوله (1),
وإذا افترضنا أن هذا الكلام صحيح فلمن يكتبُ أدباء وكتاب إيطاليا على كثرتهم في كل العصور؟ وماذا عن المكتبات الإيطالية ومعارض الكتب المنتشرة في المدن الإيطالية التي تزدحم دائمًا بالقراء والزوار؟ وماذا نقول عن كتاب واحد فقط صدر عام 2014م وحقق مبيعات هائلة فور صدوره، وتمت ترجمته إلى العديد من اللغات، وهو كتاب : ( أجمل نظرية: سبعة دروس موجزة في الطبيعة) للكاتب الإيطالي كارلو روفيللي؟
القراءة إحدى عاداتهم:
أغلب دول العالم تحتوي على معالم ثقافية، ولكن إيطاليا مختلفة ع باقي دول العالم ، فالحكومة الإيطالية تمنح كل شاب أتم 18 عاما مبلغ (500) يورو كهدية ثقافية ليت صرفها على الكتب ، تذاكر السينما، المتاحف والمتنزهات الوطنية كجزء من المارة الوطنية لإثراء البلاد.
وبحسب التصنيف السنوي الثالث لموقع (أمازون) أكبر متجر إلكتروني لبيع الكتب ، احتلت ميلانو صدارة المدن الإيطالية من حيث الإقبال على شراء الكتب.
ويعتمد التصنيف على مبيعات الكتاب للقراء في المدن الإيطالية التي يزيد عدد القراء فيها على 100 ألف شخص خلال عام 2014 وللعام الثالث على التوالي جاءت ميلانو في الصدارة، تلتها العاصمة روما ثم ثم تريتنتو وبادوفا وكاليا بالترتيب.
وعلى عكس ما جاء في تصريح الكاتب الإيطالي باولو دي ستيفانو نقلت صحيفة (لاريبوبليكا) عن نائب رئيس كيندل أمازون بالاتحاد الأوروبي خوريت فان ميولين قوله :" تصنيفنا يظهر أن القراءة لا تزال تمثل شغفا للإيطاليين، عشاق الكتب يكتشفون ميزات القراءة"
وأظهر التصنيف أيضا ما يميل أهل كل مدينة لقراءته، فسكان ميلانو يقرأون مختلف أنواع الكتب ما عدا الخيال العلمي ، بينما جاءت كتب السفر والرحلات والروايات والطهي في الصدارة في تريستي وروما (2)
المكتبات شاهد عيان:
المكتبات الإيطالية المنتشرة في مدنها المختلفة دليل قوي آخر على ارتفاع منسوب عادة وثقافة القراءة عند شعبها، ومن ذلك المكتبة الوطنية المركزية في فلورنسا، وهي المكتبة الأكبر في إيطاليا وواحدة من أهم المكتبات في أوروبا، وهي إحدى المكتبتين المركزيتين في إيطاليا بجانب المكتبة المركزية في روما، وقد تأسست مكتبة فلورنسا عام 1714م وسميت بالمكتبة الوطنية المركزية في فلورنسا منذ عام 1870م أما المكتبة الوطنية المركزية غفي روما فقد تأسست في 1876م
وفي عام 1975م انتقلت المكتبة إلى الموقع الأثري كاسترو بريتوريو حيث الثكنات العسكرية التابعة للحرس الامبراطوري في العصر الروماني القديم.
وجر تجديد شامل للمكتبة تم إنجازه عام 2001 بما في ذلك توسعتها وإدخال أحدث التكنولوجيا ، وأصبحت تضم حاليا ما يزيد على 6 ملايين كتاب بالإضافة إلى المخطوطات والمنشورات والخرائط والدوريات، ومن أغرب المكتبا في إيطاليا شكلا ومحتوى مكتبة ساندروبينا التي صممها المهندس المعماري الإيطالي روتا على شكل صحن طائر في منطقة سان سيستو بيروجيا في إيطاليا وهي جزء من مكتبة البلدية.
معارض الكتب الإيطالية:
كما تنتشر معارض الكتب الدولية في مدن إيطاليا، وليس مقتصرا على العاصمة روما، وفي هذا دليل آخر على الاهتمام بالكتاب، فهناك معرض روما الدولي للكتاب ، وهناك معرض تورينو، ومعرض ميلانو ومعرض بولونيا الدولي بشمال إيطاليا لكتب الأطفال وهو الأكبر من نوعه في أوروبا، وقد يكون الأهم بالنسبة لقضية الهجرة والمهاجرين، حيث يطرح المعرض كيفية وأسليب شرح هذه القضايا للأطفال، كما ينظم بإيطاليا معرض الكتاب الإسلامي بلغات عدة، ويحظى بحضور كوكبة من العلماء والدعاة منمختلف العالم الإسلامي ويضم المعرض جناحا خاصا بالملابس النسائية والرجالية الإسلامية.
ولا تزال إيطاليا تتفوق في مشاركتها في معارض الكتب الخارجية، وظهر ذلك جليا في معرض الشارقة 2018 وقبله معرض الإسكندرية 2017 حيث حلت إيطاليا ضيف شرف على المعرضين.
ونذكر هنا أن المملكة وهي لا تتخلف عن المشاركة في معارض الكتب الدولية كانت قد شاركت في معرض ميلانو الدولي للكتاب 2018 وتميز هذا المعرض أنه مل شعار: زمن الكتب، ومشاركة عدد كبير من الكتاب والمؤلفين من داخل إيطاليا وخارجها، كما تميز المعرض بمشاركة سعودية متميزة ولافت باعتبارها البلد العربي الوحيد المشارك في المعرض، وكان لهذه المشاركة نكهة خاصة من خلال رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية التي تجسدت عبر برامج وندوات ولقاءات متنوعة، كانت المرأة السعودية محورها.
كما عقدت الملحقية الثقافية من خلال المعرض لقاء حول كرسي الملك عبدالعزيز للدراسات الإسلامية في جامعة بولونيا مع المشرفة الدكتورة آنا تروميتي للتعريف بأنشطة الكرسي ، وتم التعريف بآثار المملكة وما تزخر به من تراث حضاري عريق، وذلك من خلال إقامة الملحقية الثقافية لقاء حول كتاب " أصول العرب : رحلة عبر آثار المملكة العربية السعودية" للأستاذ رومولو لورينزو من جامعة نابولي الشرقية (3)
الناشرون في إيطاليا:
يؤكد المراقبون للشأن الثقافي الإيطالي أنه على الرغم من النقلة النوعية الكبيرة التي خلقتها الثورة الرقمية على كافة المستويات، وبالرغم من أننا نسير بهذه السرعة الجنونية نحو (رقمنة العالم) إلا أن دور المكتبات التقليدية سيبقى له تأثير لا يمكن أن نغفل عنه إطلاقا، من هنا يشعر الناشرون الإيطاليون بالثقة والسير قدما في صناعة النشر والكتاب في إيطاليا.
ويجمع الناشرون الإيطاليون والأجانب الذين يعملون في إيطاليا من الكتب والمجلات ومنتجات النشر الرقمي ومحتوياته رابطة تجارية ( Associazione Italiana Editori ) والرابطة AIE عضو في FEP ( اتحاد الناشرين الأوربيين) وتمثل AIEعلى المستوى الوطني والدولي، ( حيث يتم تمثيلها في مختلف المجالس) الشركات المنتجة للمحتوى التحريري بغض النظر عن صيغة الإنشاء والتوزيع ( النسخة المطبوعة الرقمية) كما تشكل الرابطة مرصدا حذرا ومحدثا لعادات القراءة فضلا عن الاستهلاك الثقافي والتربوي الضروري لنمو إيطاليا.
كما تهدف AIE إلى تمثيل وحماية الناشرين وتعزيز النمو المهني، وإزالة العقبات التي تعترض تطوير سوق نشر حديث، ومحاربة الظواهر غير القانونية وعدم احترام حقوق النشر، كما تدعم جميع المبادرات الملموسة التي تسهم في انتشار عادة القراءة والكتب، وتوسيع السوق المحلية، وعملية التدويل في الأعمال والثقافة الإيطالية في جميع أنحاء العالم.
تنقسم AIE إلى أربع مجموعات نشر: النشر التجاري، ناشرون صغار، تعليميون، أكاديميون، ويمثل الناشرون الذين ينتمون إلى AIE نسبة 90% من سوق الكتب الإيطالية.
3 مليارات يورو صافي الإعلانات، ما يقرب من 60 ألف عنوان كتاب يتم إنتاجه سنويا 57% منها عبارة عن أعمال جديدة، و 4600 دار نشر (منها 966 نشرت 10 عناوين على الأقل عام 2014 ) هذه هي الأرقام الرئيسية في سوق الكتاب الإيطالي.
ونشرت رابطة الناشرين الإيطاليين AIE أرقاما إيجابية للسوق من 2017 مع ارتفاع سوق النشر الإيطالية بنسبة 5.8% في عام 2016 إلى 14 مليار يورو نما الكتاب الإلكتروني والأسواق الصوتية 3.2% إلى 64 مليون يورو
تم إصدار 66757 مؤلفا في عام 2017 ولا تزال المكتبات الفعلية الوجهة الرئيسية للمشترين الذين قاموا بشراء 69.6% من الكتب منها، مقابل 21.3% من تجار التجزئة عبر الإنترنت (4)
ومن أهم دور النشر في إيطاليا : بالومبي، وكولومبو، وغانجيمي، ودي لوكا، وأرماندو وبيليتي.
وأما أشهر المكتبات في إيطاليا: المكتبة الوطنية في روما، مكتبة ببليوتيكا، مكتبة هيرتسيانا، وفي البندقية مؤسسة كويريني ستامباليا، وفي ميلانو مكتبة الأمبروزيانا .
___________
- بوابة الأهرام 19/11/2015
- جريدة الشرق الأوسط 20 رمضان 1436هـ
- جريدة الجزيرة 28 جمادى الآرة 1439هـ
- موقع رابطة الناشرين الإيطاليين.

