مراجعات الكتب .. الأعمال العلمية المفترى عليها
د. حشمت قاسم
هناك من الشواهد ما يدل على أن مراجعات الكتب لا تحظى بالتقدير المناسب في الأوساط العلمية العربية بوجه عام، ومن جانب اللجان العلمية للترقيات بالجامعات على وجه الخصوص، وبوصفها أحد أشكال ممارس النقد المنهجي، تنهض مراجعات الكتب بدور حيوي في الارتفاع بمستوى الأداء في نظام الاتصال العلمي بوجه عام، وصناعة الكتاب بوجه خاص، ونعالج في هذه السطور طبيعة مراجعات الكتب، وعناصر محتوى المراجعة، وأوجه الإفادة من هذه المراجعات، وقنوات بثها، وشواهد وأدلة ما تتمتع به من أهمية، وما تحظى به من معالجة وراقية تؤكد هذه الأهمية.
طبيعة مراجعات الكتب:
book reviews : مراجعات الكتب
ناتج قراءة ناقدة خبيرة للكتب التخصصية، تؤدي وظيفة علمية وتعليمية ومهنية ، فضلا عن الوظيفة الإعلامية، وهي على عكس ما يتصور البعض، ليست مجرد وسيلة للتعريف بالكتب والترويج لها، فمراجعات الكتب معالجة وصفية وتحليل نقدي، وتقييم موضوعي للكتب، تتناول مسألة التأليف ومدى أهمية المؤلف، وجدارته للتصدي لموضوع الكتاب، فضلا عن محتوى الكتاب ، وطريقة المعالجة ومستواها، بالإضافة إلى بيان ما للكتاب من مكانة في مجاله، وهي ليست مجرد تقرير عن الكتاب أو تلخيص له، وكما هو الحال في النقد المنهجي، فإن مراجعات الكتب تحرص على إبراز وتحليل مظاهر القوة، وبيان مواطن الضعف في أداء المؤلفين، ومن الطبيعي ألا تحظى بالمراجعة على هذا النحو سوى الكتب الجديرة فعلا بالاهتمام، على ضوء ما يتوافر بها من خصائص ومقومات إيجابية، إذ ترى الأوساط العلمية من العبث الاهتمام بكتاب هابط بادي الضعف، لا يتوافر به الحد الأدنى من السمات الإيجابية، لأنه لا جدوى من الاهتمام بكتاب ضعيف متهافت، ربما كان أقصى ما يمكن أن تحظى به من نقد، وهو قاس ولا شك، أن يترك وشأنه يذوي في غياهب النسيان، وفي مقابل ذلك يمكن للكتاب الجدير بالعرض والنقد، أن يحظى بأكثر من مراجعة واحدة، ويمكن لعدد ما يحظى به الكتاب من مراجعات أن يكون دليلا على ما له من قيمة .
وعادة ما تركز المراجعة على كتاب واحد، إلا أنه من الممكن للمراجعة الواحدة أن تهتم بأكثر من كتاب واحد، تجمعها قواسم مشتركة من حيث الموضوع أو الفئة النوعية أو الوظيفية، أو الهدف، أو أسلوب المعالجة، وعادة ما تهتم مثل هذه المراجعات المقارنة بعدد محدود من الكتب، لأنها إن تجاوزت هذا الحد يمكن أن تدخل في فئة أخرى من النشاط العلمي، لا تقل أهمية، وهي المراجعات العلمية أو مراجعات الإنتاج الفكري التي تهتم بالمعالجة التحليلية النقدية الشاملة المقارنة لرصيد الإنتاج الفكري بكل فئاته النوعية واللغوية، المتخصص في قطاع موضوعي معين، في حدود زمنية معينة/ بحيث تصور الوضع الراهن للمعرفة في الموضوع :
State of the art
في مرحلة معينة، وتبرز مظاهر التقدم أو الاتجاهات السائدة في المجال.
وفضلا عن المراجعات التي تهتم بالكتب التي نشرت فعلا، هناك المراجعات الخاصة بالكتب المرتقب صدورها، وبالإضافة إلى المراجعات التي تكتب بتكليف من إحدى قنوات النشر، وعادة ما تكون دورية تخصصية ، هناك المراجعات التي تكتب بمبادرة من الكاتب الواثق في قدرته على الاختيار والنقد والتقييم وإصدار الأحكام، على نحو يقنع القائمين على قنوات النشر المحتملة، وراء المراجعات التي تكتب بناء على تكليف، تدابير تنسيقية بين ناشري الكتب، ومحرري الدوريات التخصصية، والخبراء المؤهلين لكتابة المراجعات، وعادة ما تنشر مراجعات الكتب المرتقبة في القنوات الموجهة لخدمة سوق الكتاب، واختصاصيي المكتبات، وغيرهم من الأطراف الضالعة في صناعة الكتاب، وغالبا ما تنشر مثل هذه المراجعات قبل نشر الكتب بوقت يكفل تهيئة الأوساط العلمية والمهنية لاستقبالها.
عناصر مراجعة الكتاب:
كتابة مراجعات الكتب ليست بالمهمة النمطية اليسيرة إذ تتطلب في من يتصدى لها ، فضلا عن الاستعداد النفسي، التآلف مع الإنتاج الفكري في مجال التخصص، والإحاطة بالتطورات الجارية، وكذلك القدرات اللغوية، وعادة ما تتكون مراجعة الكتاب من العناصر التالية:
وضع الكتاب في الفئة النوعية أو الوظيفية التي ينتمي إليها، ما إذا أن كتابا تمهيديا، أم كتابا دراسيا، أم مرجعيا، إلى آخر ذلك من فئات الكتب، ولكل فئة ظروفها التي ينبغي مراعاتها في المراجعة.
- وضع الكتاب في سياقه الموضوعي المناسب، للتحقق مما إذا كان يسد ثغرة في هذا السياق ، ومن ثم التعرف على مجال الكتاب وحدوده.
- التحقق من أهداف الكتاب، ومدى وجاهة هذه الأهداف، على ضوء التطورات الجارية، أو الوضع الراهن للمعرفة في موضوع الاهتمام.
- التعريف بالمؤلف، من حيث مؤهلاته العلمية وخبراته المهنية والمنهجية، وجهوده السابقة، وما لهذه الجهود من صدى في الأوساط التخصصية والمهنية.
- التعرف على الطريقة التي اتبعها المؤلف في تقسيم موضوع الكتاب إلى وحدات وعناصر، والنهج الذي اتبعه في تحليل هذه العناصر، وترتيبها فيما بينها، وكذلك التحقق من مدى التوازن في توزيع صفحات الكتاب على عناصر الموضوع، ويتم التحقق من ذلك على ضوء عنوان الكتاب وقائمة محتوياته.
- التحقق من خصائص المحتوى، من حيث: الموضوعية في المعالجة، والمنطق في التحليل والتعليل والتفسير والاستنتاج، والحياد والاتزان في الأحكام ، مدى حداثة المعلومات، مدى دقة المعلومات، مستوى الأداء اللغوي، مدى انضباط التوثيق والدقة والأمانة في الإسناد .
- التحقق من مدى سلامة النتائج المستخلصة، ومدى توافر الأدلة والبراهين المساندة.
- التحقق من مدى الجدة في النتائج، مقارنة بنتائج أعمال مناظرة .
- بيان مدى تأثر كاتب المراجعة بالكتاب، ما إذا كان الكاتب قد غير شيئا من أفكاره، أو عدّل قناعاته، وما إذا كان قد صحح خطأ أو وضّح غامضًا .
- بيان مدى نجاح الكتاب في تحقيق أهدافه ، كما تمت الإشارة إليها في المقدمة أو التمهيد .
- بيان المستوى القرائي المناسب للكتاب، وفئات القراء المحتملين، وليس هناك ترتيب معياري لهذه العناصر، إذ يتوقف ذلك الترتيب على أسلوب كاتب المراجعة ومنهجه، وفضلا على هه الجوانب المتصلة، بالمؤلف والمحتوى، عادة ما يهتم كاتب المراجعة بالمكونات الوظيفية للكتاب ومدى اكتمالها ، وكذلك مواصفات الإخراج، وتبدأ المكونات الوظيفية بصفحة عنوان الكتاب ، ومدى توافر عناصر البيانات الأساس اللازمة للتحقق من هوية الكتاب ومسؤولية التأليف، ثم تأتي المقدمة أو التمهيد الذي يعد بمثابة تعهد من المؤلف تجاه القارئ، وسواء وردت قبل التمهيد أو بعده، فإن لقائمة المحتويات أهميتها في إبراز معالم خطة تصنيف محتوى الكتاب.
وقوائم الجداول والأشكال البيانية أو الإيضاحات عنصر مكمل لقائمة المحتويات، وربما كان من أهم المكونات الوظيفية للكتاب، كشاف نهاية الكتاب ، ذلك العنصر المهمل في الغالبية العظمى من الكتب العربية، بينما لا يكاد يخلو منه كتاب أجنبي، وتكمن أهمية هذا الكشاف في إضفاء الطابع المرجعي، على التعامل مع الكتاب، بتيسير مهمة القارئ في الوصول إلى أدق دقائق المحتوى، وقائمة المراجع، سواء كانت موزعة على الأجزاء أو الفصول أو مجمعة في نهاية الكتاب ، من أهم المكونات الوظيفية أيضا، إذ تلقي الضوء على مدى إحاطة المؤلف بمصادره، كما يمكن الاستئناس بها في الحكم على مدى حداثة المعلومات، على ضوء تواريخ نشر الأعمال المستشهد بها، ثم تأتي بعد ذلك مسارد المصطلحات التي عادة ما تكون ثنائية اللغة أو متعددة اللغات، ثم الملاحق والتذييلات، وكل هذه عناصر يمكن للنظر فيها أن يلقي المزيد من الضوء على خصائص الكتاب، ومن ثم إثراء المراجعة
أما الخصائص المادية فتشمل نوعية الورق ، والأساليب الطباعية وإخراج وسائل الإيضاح، والتغليف أو التسفير، وعادة ما يتم ربط ذلك بطبيعة الكتاب ووظيفته واحتمالات التعامل معه.
وهناك بعض الجوانب التي توضع في الحسبان عند مراجعة الكتاب الإلكتروني وهي:
- سبل الإتاحة وطريقة التعامل، ما إذا كان منفتح المصدر أو يمكن التعامل معه مجانا، أم يتم التعامل معه مقابل رسوم اشتراك أو ترخيص.
- ما إذا كان على الخط المباشر، أم على أسطوانات ضوئية مكتنزة cds أو أي شكل من الوسائط الممغنطة، أم يتم تحميله على أي نوع من الحاسبات الشخصية أو الحاسبات اللوحية، أو أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية.
- طريقة إخراج النص ، ما إذا كان معتمدا على برمجيات ميكروسوفت لمعالجة نصوص word أو أي برمجيات مناظرة، أو ما إذا كان بصيغ pdf ومدى توافر مقومات الوسائط المتعددة ومقومات النصوص الفائقة، ومدى توافر الروابط الفائقة .
- المرونة في التصفح.
إمكانية تسجيل الملاحظات:
وهناك الكثير من الموجزات الإرشادية التي يمكن الاستئناس بها في كتابة مراجعات الكتب ومعظم هذه الموجزات تتبناه الجامعات، ومنها ما هو عام ومنها ما هو متخصص، ولا وجود لمثل هذه الموجزات الإرشادية manuals باللغة العربية.
أوجه الإفادة من مراجعات الكتب:
التعريف بالكتب التخصصية الحديثة أو المرتقبة، ليس هو وجه الإفادة الوحيد من مراجعات الكتب، ففضلا عن هذه المهمة الإعلامية، يمكن لهذه الفئة من الأعمال العلمية االنهوض بالمهام العلمية والتعليمية والمهنية، ففيما يتعلق بالمهمة العلمية يمكن لمراجعات الكتب أن تقدم المعلومات التي يمكن أن تغني القارئ عن الرجوع إلى الأصل في حدود معينة، وليس أدل على ذلك من أن هذه المراجعات يتم الاستشهاد بها في البحوث، وكما يمكن أن تحقق هذا الهدف، فإنها يمكن أن تبصر القارئ بمدى جدارة الكتب بالقراءة والاطلاع عليها، ومن ثم فإنه يمكن لمراجعات الكتب المساعدة في تخطي الحواجز اللغوية التي يواجهها الباحثون في التعامل مع الكتب بلغات لا يجيدونها، كذلك يمكن لهذه المراجعات المساعدة في ترشيد خدمة الترجمة العلمية، وهي خدمة معلوماتية باهظة التكلفة ، وفضلا عن ذلك يمكن لمراجعات الكتب أن تفيد في تقييم الأنشطة العلمية للباحثين والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث والدراسات، أما المهمة التعليمية لمراجعات الكتب فمتعددة الأبعاد، فعادة ما يرى أعضاء هيئة التدريس بالجامعات في تكليف الطلبة بالاطلاع على هذه المراجعات وسيلة مناسبة للحث على القراءة، ومن ثم تحصيل المعلومات، فضلا عن تنمية القدرة على التفكير والقدرة على التعبير ، ولما كانت القراءة النقدية من أهم مقومات تكوين الباحثين فإنه عادة ما يحث الأساتذة طلبة الدراسات العليا على كتابة مراجعات الكتب، كنوع من التمرين، وتنشيط هذا النمط من القراءة الذي ينطوي على إبداء الرأي فيما يقرأ، وقلما يخرج أداء الطلبة هنا عن حدود التقرير أو التلخيص إلا أن هناك بعض المحاولات الناضجة التي تبلغ مستوى الجدارة بالنشر ، ومن ابعاد المهمة التعليمية أيضا ، اعتماد أعضاء هيئة التدريس على مراجعات الكتب في اختيار الكتب المناسبة لتدريس مقررات معينة، تلك الكتب التي تحرص المكتبات الجامعية، تأكيدا لدورها في العملية التعليمية، على توفيرها بنسخ تناسب أعداد الطلبة الدارسين لكل مقرر، وإتاحتها تحت مظلة الإعارة قصيرة الأجل .
أما عن المهمة المهنية ، فإن مراجعات الكتب من أهم المصادر التي يعتمد عليها اختصاصيو المكتبات في اختيار ما يمكن اقتناؤه في المكتبات على اختلاف أنواعها، وتدخل مراجعات الكتب ضمن مصادر الترجيح في مقابل مصادر الترشيح المتمثلة في الوراقيات ( الببليوجرافيات) الشاملة، من الوطنية والتجارية، إذ تفيد المراجعات عندما يكون اختصاصي تنمية مجموعات المكتبات بصدد المفاضلة بين أكثر من كتاب واحد في الفئة الموضوعية والنوعية والوظيفية واللغوية نفسها.
شواهد أهمية مراجعة الكتب:
كما أن للنقد الأدبي والفني مناهجه وقواعده وأصوله، لمراجعات الكتب قواعدها وضوابطها ومعاييرها وأساليبها، ولعل من أهم ضمانات الثقة في مراجعات الكتب كأعمال علمية، أنها عادة ما يتصدى لكتابتها خبراء متخصصون، وترتبط موضوعية مراجعات الكتب وحيادها ونزاهتها بمدى نضج المجتمعات العلمية وسويتها، واكتمال مقوماتها البشرية والتنظيمية ، ومدى الالتزام بمنظومة القيم التي تحكم الأداء في الأوساط العلمية، وانعكاس ذلك على الاعتراف بمراجعات الكتب بوصفها نشاطا علميا جديرا بالتقدير.
ولعل من بين شواهد ما لمراجعات الكتب من أهمية علمية، إفساح الدوريات التخصصية المجال لنشر هذه الفئة من الأعمال في أبواب ثابتة، وتحرص كشافات الدوريات على تغطية محتوى هذه الأبواب حرصها على تغطية الفئات الأخرى من الأعمال، كالمقالات والمراجعات العلمية، وتقارير المؤتمرات ، وفضلا عن التغطية في هذه الكشافات التي تعرف بمحتوى الدوريات بوجه عام، تحظى مراجعات الكتب بالتغطية أيضا في فئة خاصة من الكشافات وهي كشافات المراجعات، ومن بين هذه الكشافات ما هو عام ومنها ما هو متخصص في مجال موضوعي معين، وكما هو الحال بالنسبة للأعمال الوراقية تحولت كشافات المراجعات إلى مراصد بيانات الكترونية ومن بين هذه الكشافات ما توقف عن الصدور ورقيا، ومنها ما لا يزال مستمرا في طبعتين متوازيتين، وربما كان أقوى دليل على ما لمراجعات الكتب من قيمة علمية التعريف بها في الفئة المتميزة من الكشافات وهي كشافات الاستشهاد المرجعي citation indexes
خاتمة:
على الرغم مما سبق، فإن مراجعات الكتب قلما تحظى بالتقدير المناسب في الأوساط العلمية العربية بوجه عام، ومن جانب السلطات الأكاديمية واللجان العلمية على وجه الخصوص، فلا وزن لمراجعات الكتب في معايير لجان الترقيات وهذا الموقف في حد ذاته سبب كاف لإعراض الباحثين العرب عن تكبد مشاق كتابة مثل هذه المراجعات، ويتضح هذا الإعراض جليا بمجرد نظرة في تبويب محتويات الدوريات العربية التخصصية.

