المكتبة الوطنية الفرنسية .. ثراء في المحتوى والمخطوطات العربية
تقرير :خاص
إذا قيل لك أن دولة أوروبية عرفت العلم والكتب والمكتبات قبل خمسة أو ستة قرون فربما تصاب بالدهشة لأن أوروبا في ذلك الوقت كانت تعيش عصور الظلام (ما بين عامي 400- 1400م)، ومع ذلك سعى الملك شارل الخامس إلى تأسيس مكتبة خاصة به باللوفر عام 1368 وكانت تضم 917 مخطوطا، وقد اعتبرت هذه المكتبة التي كادت تندثر بعد رحيل صاحبها نواة للمكتبة الوطنية الفرنسية التي أسسها بالفعل الملك لويس الحادي عشر الذي حكم فيما بين عامي (1461 و 1483)، وذلك بعد دمج مكتبات ملكية متواضعة كانت قائمة وخاصة في القرن السادس عشر الميلادي المكتبة كانت قد سميت أوّلاً بالمكتبة الملكية ثم المكتبة الإمبراطورية قبل أن تصبح المكتبة الوطنية - التي أخذت تسمية الشارع الذي وجدت فيه، أي «الكاردينال دو ريشيليو»، وهو رجل الدولة والثقافة الذي عاش في نهايات القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر.
تحولات في مسيرة المكتبة
المكتبة الوطنية الفرنسية إحدى المكتبات الضخمة في أوروبا، ومقرها باريس، وتعتبر المكتبة الوطنية للشعب الفرنسي. وهي واحدة من أعرق المكتبات وأهمها في العالم. نُقلت كثير من مخطوطات المكتبة الوطنية الفرنسية من مكتبة تشارلز الخامس الملكية (مكتبة اللوفر) التي أنشأها تشارلز عام1367م، بينما ترجع ملكية البعض الآخر لمكتبة أسرة فالويس المالكة ومقرها بلويس بفرنسا. وفي القرن السادس عشر، قام الملك فرانسيس الأول بدمج مكتبة بلويس مع مكتبته (1), .
وفي يوم 14 يوليو من عام 1988، أعلن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران عن بناء إحدى أكبر وأحدث المكتبات الوطنية في العالم. اكتمل بناء هذا الصرح الثقافي الكبير عام 1995 حيث دشنها الرئيس ميتران، وأخذت رسمياً تسمية «المكتبة الوطنية للجمهورية الفرنسية». ويطلق على المكتبة التي تقف كصرح ثقافي على ضفة نهر السين، اسم فرانسوا ميتران الذي كان وراء بنائها مدفوعاً برغبة وإرادة أن يترك وراءه آثاراً تدل على فترة حكمه، وكان خياره في المجال الثقافي وهو المعروف عنه أنه كان من أكثر رؤساء فرنسا ثقافة. وكانت الفكرة التي تأسست عليها ضرورة بناء مكتبة جديدة هي أنه من الضروري توسيع وتحديث المكتبة الوطنية بقصد توسيع سبل المعرفة عبر الاستفادة من الهندسة المعمارية الحديثة ومن تكنولوجيا ثورة الإعلام والمعلوماتية الرقمية المعاصرة. من هنا كان اختياره لبناء المكتبة التي عمّدها باسم «الوطنية»، لتأخذ المكانة التي كانت تشغلها المكتبة الوطنية السابقة «روشيليو».
مواقع المكتبة وأقسامها
تتوزع المكتبة الوطنية على عدة مواقع، من أهمها:
ــ موقع فرانسوا ميتران: وهي مكتبة دراسية وبحثية وتقام فيها المعارض والندوات
ـ موقع ريشليو لوفوا ، ويضم أغلب المجموعات المتخصصة: الخرائط والصور والمخطوطات ومن بينها المخطوطات الشرقية والعملات والميداليات...
ــ الباستيل التي أنشئت في أواسط القرن السابع عشر، وعند الثورة وقع تأميمها، لتصبح مكتبة عمومية عام 1797، ووقع إلحاقها بالمكتبة الوطنية عام 1934
ــ مكتبة متحف الأوبرا: وتضم نماذج من الديكور والملابس الأرشيف المتعلق بالعروض التي نظمت منذ ثلاثة قرون.
تتكوّن المكتبة الوطنية الفرنسية من أربعة أبراج عالية على وشاكلة «أربعة كتب مفتوحة» كان قد صممها المهندس المعماري الفرنسي دومينيك بيرّو، الذي فاز بمسابقة دولية شارك فيها مئات المهندسين المعماريين عام 1989.
وهي تقوم على قاعدة مسطحة ضخمة تحتوي على مخازن الكتب، ويتم الوصول إلى سطحها عبر مدرّجات ضخمة تطل على نهر السين. (2)
مهرجانات وأنشطة
ومن أهم المواقع التابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية خارج باريس موقع مدينة افينيون بجنوب فرنسا حيث يقام مهرجان أفينيون المسرحي كل صيف في شهر يوليو منذ عام 1947 بمبادرة من المسرحي الفرنسي الشهير عالمياً جان فيلار، وهو أحد أكبر مهرجانات المسرح في العالم من حيث عدد العروض وعدد حضورها.
وفي افينيون غدا منزل جان فيلار موقع مكتبة ثرية بالكتب والوثائق الخاصّة بالمسرح وبعالمه ونشاطاته، وأصبحت تابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية - الجديدة، موقع فرانسوا ميتران على ضفاف نهر السين في باريس (3)
محتويات المكتبة
تؤكد المعلومات عن المكتبة الوطنية الفرنسية أنه جرى نقل القسم الأكبر من محتويات المكتبة الوطنية القديمة إلى المكتبة الوطنية الجديدة ( مكتبة فرانسوا ميتران )، كما عرفت بهذه التسمية. ونظرا لضخامة محتوى المكتبة اعتبرت فريدة من نوعها في العالم ، فهي تضم ملايين الكتب والمطبوعات والمخطوطات والمدموغات والصور الفوتوغرافية والخرائط والقطع النقدية والميداليات والملفات الصوتية والفيديوهات والوسائل السمعية والمرئية …. وتم تمثيل جميع التخصصات الفكرية والفنية والعلمية في شكل موسوعة.
ويضاف إلى ممتلكاتها سنويا ما يقارب 150 وثيقة بفضل الودائع القانونية والمشتريات والتبرعات، كما تزخر المكتبة بمطبوعات نادرة وقديمة يعود تاريخها إلى بداية عصر الكتابة ، وأيضا مخطوطات نفيسة كتبت بلغات متعدّدة وتنتمي إلى ثقافات شعوب مختلفة في العالم، ومن ضمنها العالم العربي والإسلامي، حيث جلب الكثير من الفرنسيين من مستشرقين ورحالة واستعماريين ومكتشفين مخطوطات وكتب شرقية نادرة يصعب تواجدها في مكتبات العواصم العربية الإسلامية نفسها.(4)
وكان قد صدر عام 1537م مرسوم ملكي يقضي بأن يودع الطابعون والكتبيون نسخة من أي كتاب يباع بالمملكة الفرنسية، وهو ما يعرف حاليا بالإيداع القانوني أو الإيداع الشرعي وهو ما شكل منعرجا
في تاريخ المكتبة وساهم في تنمية رصيدها.
لقد نما رصيد المكتبة الوطنية الفرنسية بصورة كبيرة ففي عام 1780 بلغ عدد الكتب المودعة 390 كتابا، ليصل إلى 12,414 بعد قرن أي عام 1880 ،ثم 45 ألف عام 1993م وأصبح رصيد المكتبة
الوطنية اليوم أكثر من 14 مليون كتاب ومطبوعا و250 ألف مخطوط، و360 ألف عنوان دورية، وحوالي 800 ألف خريطة ومخطط، ومليوني قطعة موسيقية ومليون وثيقة صوتية وعدة عشرات الآلاف من الفيديوهات والصور والوسائط المتعددة، 530 ألف بين عملات وميداليات وتحتفظ المكتبة بنسخة من أي مطبوعة طبعت بفرنسا. وتشمل مجموعاتها نحو 20 مليون مجلد مطبوع و500 ألف مجلة و165 ألف مخطوط و600 ألف خريطة و15مليونًا من النقوش والصور الضوئية ونحو 400 ألف نوع من العملة والحجارة الكريمة المنقوشة.
زوار المكتبة
يذكر أن المكتبة الوطنية فتحت أبوابها أمام الباحثين والطلبة والجمهور العريض بعد انتقالها لمبناها الجديد في العشرين من ديسمبر من عام 1996م ومنذ ذلك الحين يزورها جمهور متنوع من الباحثين والطلبة والقراء ، في حين يدخل آخرون مختلف مواقعها على الإنترنت وقد تجاوز عددهم عامي 2008 و2009: المليون و300 ألف زائر سنويا وقد وصل عدد زوارها اليوم أكثر من ثمانية ملايين زائر سنويا بالإضافة إلى أكثر من مليون وربع المليون زائر لموقعها على الشبكة العنكبوتية .
الكتب والمخطوطات العربية
تحتوي مكتبة فرنسا الوطنية على عدد كبير من الكتب والمخطوطات العربية حيث تم جمع المخطوطات العربية منذ عدة قرون عن طريق التجار والرحالة والدبلوماسيين الفرنسيين في البلاد العربية والإسلامية، وتعود أوائل تلك المخطوطات إلى عهد فرانسوا الأول حيث أرسل مبعوثين إلى إيطاليا وإلى البلاد العربية لاقتناء المخطوطات العربية والعبرية وفيما بين عامي 1671 و1675 تمكن المبشر الدومينيكاني ميشال فنسلاب من أن يجلب لوحده 630 مخطوطا من الشرق ثم تزايد عدد تلك المخطوطات خاصة خلال فترة الاستعمار الفرنسي لعدد من البلدان العربية، ويبلغ عدد المخطوطات العربية حاليا: 7270 مخطوطا، إلى جانب حوالي 45 ألف كتاب وأكثر من 3 آلاف عنوان دورية.
ومن أهم المخطوطات التي تقتنيها المكتبة الوطنية بباريس نسخة من كتاب “مقامات الحريري” أقدم كتاب أدبي عربي للقصص القصيرة وهي تعرف باسم ناسخها ومصورها “يحيى بن محمود الواسطي” وهو رسام ولد بقرية واسط جنوب العراق، وقد أنجز تلك المخطوطة في عام 1237م، وزودها بمائة صورة تعبر عن أحداث مقاماتها الخمسين.
ومن المخطوطات المهمة بالمكتبة نسخة من كتاب “كليلة ودمنة” أنتجت بإيران خلال العصر التيموري ونسخة عربية من كتاب “الترياق” لجالينوس تم إنجازها في عام 595هـ “1199 م”. كما تمتلك المكتبة بعضا من الصور الشخصية لحكام ووزراء من الهند أثناء حكم أباطرة المغول، ولتلك الصور أهمية تاريخية توثيقية إلى جانب أهميتها الفنية (5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موقع المكتبة
موقع البيان للكتب التاريخ: 29 /8/ 2014
المصدر السابق
المكتبة الرقمية السعودية
صحيفة الاتحاد الإماراتية السبت 24 نوفمبر 2012

