أول ديوان للشعر التفعيلي في المملكة .. 45 عامًا على صدور :" رسوم على الحائط " للشاعر سعد الحميدين
لم يكن الشاعر سعد بن عبدالله الحميدين هو أول من كتب قصيدة التفعيلة أو ما يُسمى لدى الدارسين والنقاد ب" الشعر الحر" في المملكة العربية السعودية، بل سبقه شعراء كثر في المملكة كتبوا هذه القصيدة ونشروها في عدد من المجلات الثقافية، لكنه هو أول من أصدر ديوانًا مكتملُا ومطبوعًا في هذا الشكل الشعري الجديد الذي بدأه مجموعة من الشعراء في الثلاثينيات والأربعينيات الميلادية وما بعدها من القرن العشرين منهم: علي أحمد باكثير وبدر شاكر السياب، ونزار قباني، ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور وعلي أحمد سعيد (أدونيس) وعبدالوهاب البياتي عربيا.
وفي المملكة مثلت قصائد لمحمد حسن عواد ومحمد العلي وأحمد الصالح (مسافر) البدايات الأولى لهذا الشكل الشعري، لكن الدارسين والنقاد الذين يؤرخون للبداية الحقيقية للشعر التفعيلي الحر في المملكة يقفون عند ديوان:" رسوم على الحائط" للشاعر سعد الحميدين بوصفه أول ديوان في هذا الشكل صدر في طبعته الأولى في العام 1977م عن نادي الطائف الأدبي .
ملامح تعبيرية:
يتضمن ديوان :" رسوم على الحائط" مجموعة من القصائد التي جاءت في الشكل التفعيلي الحر بعد بداية انتشاره أواخر الأربعينيات على أيدي عدد من الشعراء العرب ، حيث تنهض القصيدة على وحدة التفعيلة في السطر الشعري بدلا من وحدة البيت، وهذا الشكل أعطى الشعراء فرصة تعبيرية لا تتقيد بالعروض والضرب ووحدة الوزن والقافية بقدر ما تتقيد بالملامح التعبيرية لوحدة القصيدة وموضوعها ودلالاتها وهذا أعطى القصيدة مساحة للتعدد الدرامي وتعدد الأصوات في القصيدة، فضلا على الكتابة الحرة الطليقة، إلا أنها كتابة موزونة تستند على بحر شعري أو عدة أبحر .
وقد انتشرت إرهاصات هذا الشكل في المملكة ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، في قصائد متفرقة منشورة في المجلات الأدبية العربية ، لكن ديوان:" رسوم على الحائط" شكل نقلة تاريخية مهمة في أفق حضور هذه القصيدة بالمملكة وبحركة الشعر السعودي، وظهرت أصوات تالية وموجات شعرية متلاحقة تكتب القصيدة التفعيلية بإتقان لتناظر مثيلتها العربية، فظهرت أسماء أحمد صالح الصالح (مسافر) ثم علي الدميني، ومحمد الثبيتي، ومحمد جبر الحربي، وثريا العريض، وبديعة كشغري، وعبدالله الصيخان ، ثم اتسع نطاق القصيدة التفعيلية والشعر الحر ليشمل مختلف الأجيال الشعرية بالمملكة كما نرى في اللحظة الشعرية السعودية اليوم.
حياة ثرية بالكتابة:
ومن أجواء الديوان قصيدته التي يحمل الديوان عنوانها: رسوم على الحائط :
تجيئين قلت مع الغيم، قلت.. تجيئين عند
احتدام الرعود وقلت.. تجيئين عند المساء
وعند بداية كل صباح وقلت.. وقلت وكان انتظار.
****
بنيت على الدرب كوخ انتظار لعلِّي أراك بفصل
الربيع مع العشب حين يجيء المطر.. وهبَّت رياح
الشمال مرارا.. مرور القطار.. الخريف وليس
هنالك غير انتظار.
****
وأيوب.. كان الكتاب.. الجريدة، ترحل
قرب الصباح بوادر حلم اللقاء البعيد.. وتنسج
ثوبًا.
****
ويا باكورة الأحلامِ.
إن جاءتك آهاتي
تسيل على دروب التيه رنّانه.
أجيبي بالنداء الغائر النبراتْ
وقولي عندها: كان اللقاء البكر حادينا.
وكم ماجت ظلال عرائش الذكرى
علينا عندما كنا
****
يرود بقاع التذكر سحر الجفون، يشد حزام
اللقاء الذي كان يومًا قصائد تتلى، يؤطرها الشوق
والحلم واللهفة المخملية بين بريق العيون وهمس
الشفاه.
****
وتطفو على السطح كل القشور، يعوم بها الموج
.. والموج يحدو الأولى ضاع منهم على الشط سِفْرُ
التذكر.. يعصف.. يعلج.. يخطف.. كل
الحكايا.. حكايا انتظار
****
يجيء غناء الأحبة قبلا - قفا نبك أو - يا فؤاديَ
رفقا - علامات حب يلقنها الوجد للصب وقت
الرجوع
****
أنا ما زلت أحفر في الجدار،
أحدد الأيام.
لعل خيالك الليلي..
يرسف في قيود العين.
وألمس نشوة التذكار
فليت نهاية الأشياء
تعود إلى بدايتها..
تجيء حبيبتي الأولى
****

