تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

أنواع أدبية جديدة .. أدب مواقع التواصل الاجتماعي وبلاغة الإنترنت

أنواع أدبية جديدة .. أدب مواقع التواصل الاجتماعي وبلاغة الإنترنت

عبدالله السمطي 

 

وأنت تطالع اليوم هذا التدفق الكبير للنصوص الأدبية على مواقع التواصل لا تحدد ذهنيتك تماما على قواعد الفن الأدبي وأنواعه أو قواعد الشعر المعهودة الموروثة، فقد اختلفت طرق الصياغة والرؤية الإبداعية والتخييلية إلى حد بعيد، وتغيرت طرق النظرة للأشياء والعالم، بفعل هذا الإيقاع الصاخب المتسارع الذي أحدثته شبكة الإنترنت، وهذا أمر طبيعي في التطور التقني والإنساني والحضاري. 

في مقالته : أدب شبكات الاتصال العالمية يفرق ديتر تسيمر بين " أدب شبكات الاتصال العالمية " و " الأدب في شبكات الاتصال العالمية " فالأدب في شبكات الاتصال العالمية هو نص عادي , كما هو حال النصوص أبدا , كما نعرفها في الكتب , مثلا, إلا إنه لا يكتب اليوم على الورق , بل أدب ألكتروني , أدب "أون لاين " , وأنت تجد له نماذج هنا وهناك , وسيزداد استخدامه بمرور الزمن , فهو ذو استخدامات , وإن كانت محدودة , لا تمكن الغفلة عنها : فيمكن الوصول إلى هذا الأدب من كل حاسوب متصل بشبكات الاتصال العالمية , كما أن الوصول إلى النص هنا أيسر من الوصول إليه في الكتب .

أما أدب شبكات الاتصال العالمية –كما يراه تسيمر – فلا يريد لنفسه أن يتسم بهذه السمات , فليس يرمي إلى أن يكون نصا , لا يختلف عن النصوص المعروفة منذ خلقت سوى في أنه موجود على شبكات الاتصال العالمية , فحيث يظهر هذا الأدب يتخذ لنفسه , في الأغلب , دور المبشر بنوع جديد من الفن , مستقل في موضوعه وشكله , وأهل للإجهاز على أشكال الأدب الأخرى جميعها " 

إن الأدب المكتوب على شبكات  الإنترنت هو أدب معروف بخصائصه وسماته , كما أنه أدب معروف مصدره وكاتبه الذي ينتمي إلى جنس أدبي معين , والمواقع الأدبية المنتشرة على هذه الشبكات يكتفي أصحابها بنشر قصيدة شعرية أو قصة قصيرة أو خبر عن صدور كتاب , أوببليوجرافيا مصغرة عن الكاتب . وهكذا يبقى الكاتب محافظا على طريقته وأسلوبه الذي عرف به , كل ما في الأمر أنه نقل نتاجه الأدبي من دائرة المطبوع الخطي إلى دائرة المقروء على شاشة الكومبيوتر . وبذلك هو يفكر في كسب طائفة جديدة من القراء أو المتابعين الذين قد لا تعنيهم كثيرا هذه الأعمال المألوفة التي كانوا قد قرأوها في كتب أو دوريات مطبوعة , ولم يعد لها البريق نفسه الذي يتطلبه مكان النشر الجديد , أو الذين يمرون عليها مرورا عابرا متأثرين بهذه السرعة التي تمنحها أجهزة الموبايل والحاسوب في التنقل من موقع لآخر , وبالنمط الدعائي الإعلاني الذي يهيمن على محتويات شبكات الاتصال . 

 

بلاغة الإنترنت:

 

نحن بالتأكيد أمام بلاغة جديدة هي : بلاغة الإنترنت، فلم تعد بلاغة الجاحظ أو القرطاجني أو عبدالقاهر الجرجاني تكفي لمعايشة إيقاع العصر، وإيقاع الشاشة ومن هنا تحول المبدعون الجدد خاصة إلى معانقة هذا الإيقاع التقني والإبداع من خلاله في نصوص قصيرة، فلاشية، وامضة، موجزة، وسريعة التلقي وربما أيضا سريعة النسيان، فلا قبل بقارئ اليوم على الحفظ والاستيعاب، فهو يتنقل من موقع لموقع، ومن صفحة لصفحة، ومن تطبيق لتطبيق آخر، من دون تركيز، حتى لا يفوته هذا التدفق العرم من مختلف الكتابات ومختلف الأشكال التعبيرية. 

 

فهل فكر أديب ما  في ابتداع صيغة أدبية جديدة من خلال شبكات الاتصال ؟ 

هناك عدد من الإمكانيات التشكيلية التي تتيحها شبكات الاتصال, تتمثل في أربع مفردات هي: المولتي ميديا , والتشارك في النص , والتفاعل في النص , والنص الفائق , وهي فيما يرى تسيمر : ألفاظ سحرية , تفتح للعقل الأبواب لأحياز جريئة فسيحة . 

إن مجالات أدب شبكات الاتصال ستكون واسعة ومتعددة .. خاصة وأن حظوظ انتشار الأدب عالميا من الزاوية الكمية آخذة بالتضاعف – فيما يقول حسام الخطيب – وذلك بفضل عوامل مثل : تكنولوجيا المعلومات , والقنوات الفضائية , والفضاء الحر للمعلومات , والإخراج المرفل Hypermedia والمعاجم الالكترونية , وكذلك تجاوز الحدود في مفهومات العولمة الحديثة 

إن كل هذه الأشياء تتعاضد لخلق نوعيات أدبية جديدة .. بيد أن هناك مشكلتين رئيسيتين تواجهان هذا النوع من الأدب هما : اضطرار النص إلى الإيجاز , والحرص على نوعية النص , ولعل مرجع ذلك إلى الفارق بين المرئي والمطبوع , فالمرئي على الشاشة يجعل القاريء قانعا بالنظرة العجلى , وبالتنقل السريع من موقع لآخر , فيما أن ما هو مطبوع في كتاب يتيح قدرا من التأمل والتفكير , كذلك وكما يرى تسيمر فإن حال أدب الشاشة بوصفه شكلا من أشكال الفن لا يختلف عن حال فن الدعاية الذي يعرض بسرعة ولا يستغرق وقتا طويلا , أما بالنسبة لنوعية النص ,فأول ما يخبر ممتطي أمواج شبكات الاتصال العالمية الكثيرُ الرغبات هو كثرة الجعجعة وقلة الطحن , فتراه كما يقول تسيمر : يجهد جهدا كبيرا شديد البراعة , لكنه لا يقدم لمستخدم الحاسوب سوى عبارات مبتذلة .. أما المأزق الحقيقي لهذا الأدب هو الاستغناء عن خطية النص , والاستغناء عن الكاتب , فالخطية كانت وما تزال هي القراءة , فليس يستطيع المرء قراءة الكلام المكتوب في دوائر , أو في زوايا , أو الكلام المكتوب بأكثر من طريقة من هذه الطرق في الوقت نفسه . 

 

أشكال جديدة للشعر:

 

إن القصر والإيجاز شرطان جوهريان في هذا اللون من الأدب , ولعل فن الشعر , بما يتيحه من تكثيف واختزال , وبما ينبني عليه من تجريد ووجازة لغوية هو أقدر الأنواع الأدبية التي يمكن لها أن تتعامل فنيا وجماليا مع الكومبيوتر والموبايل وأدب الشبكات العالمية .. فالنص الشعري القصير يتكون من عدة جمل , وقد يتكون من جملة واحدة , فإذا ما أضيفت له بعض الأشكال البصرية كالرسم أو الصورة أو الشكل الحروفي أو أن يكتب النص بطريقة حروفية , كل ذلك سيجعل من النص الشعري نصا قابلا للتشكل وفق ما تتيحه التقنية , لأنه نص يوميء إلى داخله , اللغة فيه وسيلة وغاية معا , عكس الأنواع الأدبية الأخرى التي تجعل اللغة محض وعاء أو أداة تنقل ما يريد المؤلف أن يوصله من مضامين إلى القاريء كما نجد في القصة أو الرواية التي يصعب قراءتها في شبكات الاتصال , فضلا على عدم الاستمتاع بها , من هنا فإن النص الشعري يمتلك فرصة ذهبية للتواصل مع شريحة كبيرة من القراء , باستثماره لتقنيات الشبكات العالمية ,ذلك لأن قصره الشديد سيجعل منه فن اللحظة المشحون من خلال صوره بدلالات كثيفة ,  وربما من خلال هذا الاستثمار يعيد الشعر وجهه الجميل , وربما تتولد منه آفاق تعبيرية جديدة تجعله أكثر قابلية للانتشار والتلقي على نطاق عالمي واسع , خاصة إذا ما تمت ترجمته إلى لغات عالمية متعددة . إنها فرصة ذهبية للشعر وللشعراء معا . وعلى المبدع أن يتقدم لامتلاك شفراته التواصلية الجديدة . 

 

 

إشارة : 

  • نشرت مقالة ديتر تسيمر في مجلة فكر وفن في عنوان : أدب شبكات الاتصال العالمية : بشرى أم طريق غير نافذ ؟ ,العدد 67 ألمانيا 1997م . 
  •  حسام الخطيب : ملامح العالمية الأدبية في عصر الاتصال والعولمة –علامات ج30 ديسمبر 1998 

 

أنواع أدبية جديدة .. أدب مواقع التواصل الاجتماعي وبلاغة الإنترنت
Ehsan Logo