الذائقة الأدبية
علي بن أحمد الصويلح
مفهوم الذائقة الأدبية للمتلقي تعتمد في أساسها وتكوينها على الثقافة الاجتماعية للجمهور وسيكولوجية المتذوق وثقافته الخاصة، الميول اللفظي والصور الجمالية، والتركيبات اللغوية المبهرة تحدد مستوى التفاعل المتوقع والاستجابة المرجوة.
فثقافة المجتمع قد تتحكم وتتدخل بقوة في تشكيل الذائقة على المستقبل للعمل الأدبي.
فالفرد المتلقي للفنون الأدبية عليه أن يطور نفسه بالتعامل مع الأعمال الإبداعية بالتسلح بثقافة قوية يرتقي بها ويكون قادرا على الاختيار الصائب فيما يقرؤه أو يشاهده من المنتج الثقافي.
كذلك الكاتب في مجالات الفكر والإبداع؛ عليه أن يرتقي بالمتلقي إلى مستوى الرسالة الثقافية والعمل الفني حتى نحقق الذائقة الأدبية المنشودة.
فالذائقة الأدبية هي حاسة فطرية تكتسب وتنمو بالمران والتدريب والقراءة والوعي؛ بحيث يصبح التذوق الأدبي عملية ملموسة بالعقل والوجدان؛ من خلال ما يبدعه الأديب أو يتصفحه القارئ، فأرسطو طاليس الفيلسوف القدير ظل طوال حياته الفكرية والفلسفية يهتم بالمتلقي وبآرائه من خلال اهتمامه بوظيفة الفن المتحققة في عملية الاستجابة.
ولتحقيق إثارة الانفعالات في نفس المتلقي يحتم انسجام العمل الأدبي في ذاته وبنيانه وشكله، بعد ذلك تحدث المفاجأة في الأحداث وفي النهايات، وهو ما يجعل المتلقي في حالة ترقب وانتظار لما هو غير متوقع، وهذا ما يجعلنا نشعر بأهمية القصيدة والرواية والقصة، لتنتابنا سعادة غامرة، حيث تظهر قدرة الكاتب الفنية على التأثير لتحقيق المتعة الجمالية التي تلامس الشعور والوجدان.
أما عندما يخفق الكاتب في مخاطبة مشاعرنا وأحاسيسنا؛ فإنه سيفقد الاتصال والتفاعل، وربما الرفض لهذا العمل الأدبي، لهذا فالإحساس الخاص والانطباعي هو أولى خطوات التذوق؛ لأنه يفتح أمامنا الطريق للتذوق على أسس موضوعية وإن كنا لا نستطيع أن نجرب الإحساس الخاص والانطباعي، لارتكازه على أسس موضوعية ترسبت في الوجدان من خلال خبرات وتجارب سابقة بالاطلاع أو التعامل مع النصوص الأدبية بصورة وأخرى، طالما كان هناك إحساس خاص وانطباع ذاتي فإنه ينبغي علينا أن نشير إلى الحالة النفسية التي يكون عليها الشخص وهو يتلقى العمل الأدبي؛ فإن كان في حالة نفسية معتدلة يصل غالبا إلى استنتاج موضوعي، أما إذا كان في حالة نفسية غير طبيعية فإنه قد يبتعد عن الصواب غالبا، وهو ما يؤكد ضرورة اتخاذ المعايير الموضوعية والمقاييس العلمية حتى نصل إلى الحكم الصحيح أو القريب إلى الصواب، إنما لا نستطيع أن ننكر أثر العوامل الشخصية أو الذاتية في تقبل العمل الأدبي أو رفضه، ولكن ينبغي أن تكون هناك أسس مشتركة أو قيم متفق عليها للحكم على الأعمال الأدبية أو فهمها وتذوقها بطريقة صحيحة.
إن الأحكام الشخصية وحدها تسبب إشكالات حقيقية في تقويم الأعمال الأدبية، وربما يقودنا المزاج الشخصي إلى نتائج غير مرضية بالنسبة للإنشاء الأدبي على وجه العموم، فنرى أعمالا رديئة تظهر لدى أصحاب المزاج الشخصي بوصفها أروع الأعمال، والعكس صحيح أيضا بحيث يهبطون بالأعمال الجيدة إلى درك سحيق.
لهذا فإن التذوق الأدبي لا بد أن يكون في صورة موضوعية لها أسبابها ومبرراتها.

