لها حضور بالكثير من المعارض السعودية ذات الصلة بالعمارة والتراث: تشكيلية كويتية توثق عمارة وتراث وطنها في لوحات فنية تحمل عبق التاريخ
حجاج سلامة
ابتسام العصفور.. فنانة تشكيلية كويتية، أحبّت وطنها الكويت، وجعلته حاضراً في معظم أعمالها التشكيلية، حيث اتخذت من توثيق ذلك التاريخ وهذا التراث وتلك العمارة العتيقة المنتشرة على أرض الكويت مشروعاً فنياً خاصاً لها.. وصار تاريخ وتراث وعمارة الكويت، وحكامه، ورموزه من مفكرين ومثقفين وفنانين ومبدعين، بجانب موروثاته وعاداته وتقاليده موضوعا لأعمال التشكيلية التي جرى عرضها في الكثير من المعارض المحلية والعربية والدولية.
وامتد عشق "العصفور" من تاريخ وعمارة وتراث وطنها الكويت، إلى منطقة الخليج والعالم العربي، الذي استضاف عدداً من إسهاماتها وإبداعاتها التشكيلية التي وثقت لنا معالم مهمة، ونقلت للأجيال ما كاد أن يندثر من تاريخ وعمارة وموروث شعبي ثري.
وللفنانة ابتسام العصفور حضور في العديد من المعارض السعودية ذات الصلة بالعمارة التاريخية والتراث، وتحتفظ بعلاقات واسعة مع فناني المملكة، واستضافت مجموعة من الفنانين السعوديين في معرض تولت التنسيق له من خلال عملها بالمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب، ودار المعرض في فلك توثيق العمارة العربية، وضم المعرض مشاركات سعودية وثقت لكثير من العمارة التراثية بالمملكة.
وكان من بين ما قدمته الفنانة ابتسام عصفور – هذا العام - من أعمال فنية في حب وطنها الكويت، اللوحات التي شاركت بها في المعرض الذي أقيم بمكتبة الكويت الوطنية، وذلك بالتعاون بين المكتبة وقطاع الفنون بالمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب، وحمل عنوان "هنا الكويت"، وضم 30 لوحة تشكيلية، تناولت تاريخ الكويت من جوانب عديدة، حيث يضم لوكات لأمراء الكويت بداية من الشيخ مبارك الكبير، مؤسس الكويت الحديثة وحتى صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الحالي، بجانب توثيق بعض المباني التراثية التي كانت مسرحا للأحداث التاريخية التي مرت بها الكويت، إضافة إلى معالم الكويت، مثل الأسواق التراثية، والبيئة الصحراوية الكويتية، وطقوس الأعراس الكويتية قديما، ومظاهر الحياة في الكويت قديما.
ووثقت لوحات المعرض أيضاً، بعض اللحظات المهمة في تاريخ وطنها الكويت، مثل لحظة تدفق النفط لأول مرة بالكويت، ولحظة تكريم الأمين العام للأمم المتحدة لسمو أمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي حاز لقب أمير الإنسانية، وتوثيقا لآثار الغزو العراقي، والملاحم الوطنية للتحرير، ومشاهد لعودة الأسرى، وقصر السيف وغير ذلك من الموضوعات التي توثق لتاريخ الكويت، ولوحات لبعض الشخصيات الكويتية التي كان لها إسهامات وطنية واضحة في شتى المجالات مثل أمينة الشراح، أول مذيعة كويتية، خاصة وأن المعرض الذي استوحت اسمه من بداية الإذاعة الكويتية "هنا الكويت".
وفي إطار توظيف الفنانة ابتسام العصفور للفنون التشكيلية في خدمة تراث الوطن وتحفظه وتوثيقه، فقد سبق لها وأن اقامت عرضا لمجموعة من لوحاتها في إطار اليوم التراثي الذي استضافه بيت الحسينان التاريخي، مجموعة من المباني الكويتية التاريخية، مثل المرسم الحر "بيت الغانم" وهو بيت تاريخي كويتي كان ملك لعائلة الغانم ثم تم نقل ملكيته للدولة، ويضم عدد من ورش العمل الفنية، ويستضيف على مدار العام المعارض الفنية، والأنشطة التي تعمل على نشر الثقافة البصرية، كما يضم المرسم مكتبة فنية وأرشيف للوحات والمواد الفنية، وهو تابع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت.
كما وثقت "مسجد الأحمدي الكبير"، الذي يقع في جنوب شرق مدينة الأحمدي على شارع متفرع من الشارع الجنوبي، يحيط به المركز التجاري لمدينة الأحمدي، وقد تم تشييده في عهد الشيخ عبد الله السالم.
وايضا المتحف الوطني القديم "قصر الشيخ خزعل"، والذي أهداه الشيخ مبارك الصباح للشيخ خزعل أمير المحمرة، ثم قام شيخ عبد الله الجابر الصباح بشراء القصر وأقام فيه أول متحف في تاريخ الكويت وذلك عام 1957.
و"قصر مشرف" وهو قصر الشيخ عبد الله المبارك هو قصر كويتي تاريخي، يقع في منطقة مشرف، وقد شيده الشيخ مبارك الصباح في عام 1900، وخضع القصر لمشروع ترميم في بداية الأربعينات من القرن العشرين، ثم أعيد بناءه في عام 1957 على يد الشيخ عبد الله المبارك الصباح، وسمّي القصر باسم مشرف لأنه يقع على ربوة تشرف على المنطقة المحيطة به، كما وثقت بيت الحسينان التراثي في منطقة الفيحاء والذي كان قد استضاف المعرض.
ولا يتوقف النشاط الفني للفنانة ابتسام العصفور على توثيق العمارة والمعالم التراثية، بل امتد نشاطها إلى توثيق العادات والتقاليد والكثير من مظاهر الموروث الشعبي، وذلك بهدف نقله للأجيال.
وفي هذا الإطار فقد أبدعت أنامل وريشة الفنانة ابتسام العصفور، مجموعة من اللوحات التشكيلية التي وثقت من خلالها المظاهر والعادات الشعبية المصاحبة لشهر رمضان المبارك في وطنها الكويت.
وقد ضمت تلك اللوحات الفنية الرمضانية موضوعات عدة تتصل بتلك الموروثات الثقافية والشعبية التي تتناقلها الأجيال قبل قدوم شهر الصوم وطوال أيامه ولياليه.
وقد جاءت تلك اللوحات في إطار المكانة الخاصة التي يحظى بها شهر رمضان المبارك لدي العرب والمسلمين، وما يتفرّد به بمظاهر شعبية وتراثية خاصة يعمل الناس على إحيائها.
ورأت "العصفور" في تصريحات لمجلة "أحوال المعرفة" بأن ملامح الأمكنة تتغير في شهر رمضان، وترتدي ثوبا جديدا ومختلفا، فتتزين المساجد بألوان من الإضاءة المبهجة، وتعم الزينة الرمضانية الشوارع والحارات والأزقة، وتزدان واجهات المنازل بفوانيس رمضان وكل المظاهر المعبرة عن الفرحة بقدوم شهر الصوم.
واشارت إلى أن وطنها الكويت، يتميز بمجموعة من العادات والمظاهر الرمضانية، التي تغلفها أجواء إيمانية وروحانية تأثر القلوب، وأن تلك العادات باتت تتباين تفاصيلها ومظاهر ما بين الماضي والحاضر، وأنه من هنا جاء دورها كفنانة تشكيلية في توظيف ريشتها لتوثيق تلك المظاهر والعادات الشعبية والتراثية وحمايتها من الاندثار ونقلها للأجيال.
وروت الفنانة التشكيلية الكويتية ابتسام العصفور، لمجلة "أحوال المعرفة" أن من المظاهر التي حرصت على أن توثقها بريشتها وعبر لوحاتها عادة "دق الهريس" أي القمح، والتي يبدأ الاستعداد لها منذ شهر شعبان، وذلك لإعداد أحد الأطباق الرمضانية، حيث تقوم النساء بوضع حبوب القمح في "منحاز" لفصل القشر عن الحبوب، وذلك وسط أجواء احتفالية وترديد لأغنيات "الفن العاشوري"، وغير ذلك من المظاهر التي اندثر كثير منها اليوم، وهو الأمر الذي يؤكد أهمية دور الفنون في توثيق تلك المظاهر والعادات وحفظها للأجيال.
والمسحراتي هو أحد المظاهر الشعبية الرمضانية التي وثقتها ريشة الفنانة ابتسام العصفور، من خلال لوحتها "الطبيله" وهي تصغير لكلمة طبله، و"أبوطبيله" هو الشخص الذي يقوم بالطواف بين المنازل في ليالي شهر الصوم وإيقاظ الناس لتناول السحور، وهو يدق على "الطبله"، أو "الطبيله" مرددا بعضا من الكلمات والأشعار التي باتت اليوم جزءا من التراث:
لا إله إلا الله
محمد رسول الله
اصحي يا صايم يا نايم
واعبد ربّك الدايم
قــوم صل قــوم صوم
واتسحّر بالمقسوم
لا إله إلا الله
محمد رسول الله
لا إله إلا الله
محمد رسول الله.
كما وثقت لوحات الفنانة ابتسام العصفور، عادة "القرقيعان" في الكويت، وهي عادة تتم أيام الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من شهر رمضان، وفي تلك الليالي يقوم الناس – كما تروي العصفور – بتوزيع المكسرات والحلوى على الأطفال، الذين ما أن ينتهون من تناول طعام الإفطار حتى يسارعون بالسير في الشوارع في مجموعات، مرتدين الأزياء الشعبية، وحاملين أكياسا من القماش التي تخيطها الأمهات من الخيش وقطع القماش الزائد ليجمع فيها الأطفال ما يوزع عليهم من المكسرات والحلوى في ليالي "القرقيعان".
وفيما يتجول الفتيان في الأحياء، تكتفي الفتيات بالتجوال على بيوت الجيران وهنّ يرددن:
قرقيعان وقرقيعان
بيت قصير ورميضان
عادت عليكم صيام
كل سنه وكل عام
يلا تخلي فلان يالا تخله لامه
عسى البقعه ماتخمه ولا توازي على أمه.
و"الغبوق" أيضا من العادات الرمضانية التي سجلتها مجموعة اللوحات الرمضانية التي رسمتها ريشة الفنانة ابتسام العصفور، والكلمة كما تقول العصفور تعني ما يتناوله الانسان من الأطعمة ليلا، وهي وجبة خفيفة بين الإفطار والسحور، وهي تحتوي على أطعمة عدة بينها "الباجيلا" و"النخى"، بجانب الحلوى الرمضانية مثل "الزلابية".
وهكذا من خلال تلك اللوحات وغيرها، سعت الفنانة التشكيلية الكويتية، ابتسام العصفور، لتوثيق مظاهر شهر الصوم، وما يتعلق به من موروثات وعادات شعبية، أملا في المحافظة عليها وحمايتها من الضياع، لتبقي حية في عيون وقلوب الأبناء.
هكذا تواصل الفنانة التشكيلية الكويتية، ابتسام العصفور، مشروعها الفني الخاص الذي يستهدف توثيق التراث والفلكلور والعادات والمظاهر الشعبية، والعمارة والمعالم التاريخية بوطنها الكويت وبلدان الوطن العربي.
وبالفعل فقد نجحت الفنانة ابتسام العصفور في أن توظف أدواتها الفنية، وخبراتها بمجال الفنون التشكيلية، في خدمة التراث، وذلك عبر تقديمها لمجموعات فنية مختلفة من اللوحات التي غطت موضوعات تراثية مهمة كويتيا وعربيا.
ويأتي هذا المشروع الفني الخاص لـ "العصفور" – والذي استهدف توثيق التاريخ والتراث بكافة صوره - في إطار إيمانها بأن التراث وكل ما يتعلق به من الموروثات الثقافية والشعبية، يُعد أحد مكونات الهوية الوطنية للشعوب، وجزء من تاريخ كل أمة، ومن هنا فقد بات من المهم أن تسعى المجتمعات لصون وتوثيق وإحياء ذلك التراث، وهذا الموروث الغني ونقله للأجيال، وذلك وفقا لقولها.
يُذكر أن الفنانة التشكيلية الكويتية، ابتسام العصفور، عضو بالمرسم الحر التابع للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، وهي فنانة تنتمي للمدرسة الواقعية الانطباعية.
وقد أقامت وشاركت فى العديد من المعارض ما بين معارض خاصة ومعارض مشتركة، بينها معرض "أيام كويتية"، ومعرض "ذاكرة الأصوات"، بجانب معارض "الربيع"، و"القرين"، و"ومضات"، و"الليوان"، و"آثار وزوايا"، و"رسائل لونية"، و"25 فبراير"، و"المباني التراثية"، و"جماليات عربية"، و"الفن المعاصر"، و"أيام شرقية"، "فنانون حول العالم"، و"أسبوع الكويت للتراث"، كما شاركت بمعارض دولية فى عدد من الدول بينها فى مصر والسعودية والإمارات والأردن وتونس وتركيا.

