متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.. مقتنيات أثرية تؤرخ لنشأة الفنون وازدهارها فى ظلال الإسلام
حجاج سلامة
نشأت الفنون وازدهرت فى ظلال الدين، ومن رحم الإسلام ولدت أعمال فنية عظيمة، بقيت شاهدة على عمق العلاقة بين الفن وديننا الإسلامي السمح.
وكثيرة هي الفنون التى عرفها العرب، وعرفتها الشعوب التى دخلت الإسلام من غير العرب، لكن تلك الفنون لِمَ لَمٌ يصبح لها عمقا شاملا ومضيئا ووهاجا إلا بالإسلام.
ولأن الحضارة والتراث هما أسمى وأبقى ما للأمة الإسلامية من فقد ترك الأجداد الكثير من التحف والأعمال الفنية من منحوتات وزخارف وخزفيات وعمارة باتت تراثا للمسلمين وللإنسانية جمعاء.
وكما تقول الدكتورة سعاد ماهر محمد، فى كتابها الموسوعي مساجد مصر واولياؤها الصالحون " فإن الحضارة المادية، وما يمثلها من آثار باقية هي اصدق قيلا واقوى دليلا من الحضارة المروية أو المكتوبة أو المأخوذة بالفهم والإستنتاج.
ويمتلك عالمنا العربي والإسلامي الكثير من الاثار الباقية، التى جمعت فى متاحف وقاعات عروض، والتي من بين أبرزها متحف الفن الإسلامي بالعاصمة المصرية القاهرة.
ويعد المتحف الإسلامي بالقاهرة، أحد المتاحف الأكثر شهرة بين المتاحف المعنية بالفنون الإسلامية فى العالم.
وكان إنشاء المتحف بهدف جمع الآثار والوثائق الإسلامية من العديد من أرجاء العالم مثل مصر، وشمال أفريقيا، والشام، والهند، والصين، وإيران، وشبه الجزيرة العربية، والأندلس، في مجموعات فنية معبرة عن مختلف الفنون الإسلامية عبر العصور بما يسهم في إثراء دراسة الفن الإسلامي. ويُعد متحف الفن الإسلامي أحد أكبر متاحف الفنون الاسلامية في العالم، حيث بدأ عند انشائه بقرابة ثلاثة آلاف قطعة أثرية، وأصبح اليوم يضم قرابة ١٠٠ ألف تحفة أثرية متنوعة، جلعت منه قبلة لعشاق الآثار والفنون العربية والإسلامية، وللباحثين في مجال الفنون الإسلامية من جميع البلدان والقارات.
رحلة عمرها 143 عاما فى الحفاظ على الاثار الإسلامية
ويرجع تاريخ ذلك المتحف إلى عام 1880 ميلادية، أي قبل قرابة 143 عاما مضت، وبدأ بمتحف صغير أقيم فى صحن مسجد الحاكم بأمر الله فى العاصمة القاهرة، وكان يطلق عليه آنذاك اسم " دار الآثار العربية "، وفى العام 1903 ميلادية، أقيم المبنى الحالي للمتحف في ميدان باب الخلق، أحد أشهر ميادين القاهرة التاريخية، ونقلت إليه مجموعة القطع والآثار العربية والإسلامية، وافتتح رسميا فى يوم التاسع من شهر شوال سنة 1320هـجرية، الموافق ليوم الثامن والعشرين من شهر كانون أول/ ديسمبر سنة 1903.
وفى العام 1952 ميلادية، صار اسمه متحف الفن الإسلامي، بدلا من اسم " دار الآثار العربية "، وذلك لأن المتحف يضم مقتنيات من بلدان إسلامية عدة غير ناطقة باللغة العربية.
ويقول الدكتور سمير أديب، فى كتابه " موسوعة الحضارة المصرية القديمة " الصادر عن دار العربي للنشر بالقاهرة، ان متحف الآثار الإسلامية بالقاهرة، يضم آثاراً ترجع للفترة من القرن السابع الميلادي، وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، بينها عملات ومخطوطات وتحف من السجاد والخزف والفخار والخشب والمعادن، وقد خصصت قاعة بالمتحف للنقود الإسلامية، واخرى للنسيج والسجاد.
ويستطيع زائر المتحف رؤية 4400 قطعة أثرية تنتمي لعصور مختلفة، موزعة على 25 قاعة عبر سيناريو عرض متحفي مبهر.
ومن بين المقتنيات الإسلامية النادرة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، ومجموعة من أغنى التحف وأكثراها ثراءاً فنيا ربما فى العالم أجمع بينها مجموعات الخزف الإيراني والتركي.
ومصحف هو الأقدم من نوعه، ويرجع للعصر الأموي، وقد كتب بطريقة مختلفة عن كتابة المصاحف اليوم، إذ كتب بلا تنقيط أو تشكيل، وهي طريقة كانت سائدة وقت كتابة ذلك المصف ما بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثانى الهجري، ومجموعة مصاحف مزينة بزخارف جميلة بأساليب فنية متنوعة، منها الضغط والتذهيب والتلوين والتخريم والتفريغ، وتنتمي بعض تلك المصاحف إلى بلدان عربية وإسلامية وأوروبية عدة.
بجانب عدد 1170 مخطوطة نادرة، تنتمي لبلاد عربية وإسلامية عدة بينها إيران ومصر والمغرب والهند وإسبانيا وغيرها.
ومن مقتنيات المتحف أيضا مكتبة تضم قرابة 1300 كتاب مخطوط بلغات شرقية قديمة كالفارسية والتركية، بجانب الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.
ترميمات وحماية دائمة للتحف الإسلامية
وتعمل وزارة الآثار المصرية على القيام بأعمال حماية وترميم دائمة لمقتنيات المتحف من الاثار والتحف الفريدة.
وفى العام 2002 ميلادية، خضع المتحف لأعمال تطوير لمنشئاته، وحماية وترميم لمقتنياته الأثرية، جرى خلالها الاستعانة بخبراء من مؤسسة الأغاخان، وخبراء ترميم فرنسيين لترميم آلاف القطع الأثرية، وبخاصة النافورات الرخامية وقطع الفسيفساء، وهي عملية استمرت حتى عام 2010 ميلادية حيث جرى افتتاح المتحف مجددا بعد تطويره بحضور الرئيس المصرى الأسبق محمد حسنى مبارك.
وفى العام 2014 ميلادية، تعرضت عشرات التحف والقطع الأثرية بالمتحف للدمار جراء تعرض المنطقة المحيطة بالمتحف لعملية تفجير إرهابي، اسفرت عن دمار في واجهة المتحف ايضا.
وسارعت الحكومة المصرية، فى القيام بمشروع لترميم مبنى المتحف ومنشئاته التي تأثرت بالتفجير الإرهابي، كما جرى ترميم 160 قطعة اثرية كانت قد تعرضت للتلف جراء التفجير الإرهابي الغاشم.
وفى يوم العشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1438 هـجرية، الموافق ليوم الثامن عشر من كانون ثان/ يناير 2017، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتحف مجددا بعد ترميمه وإزالة ما اصابه من اضرار جسيمة جراء التفجير الإرهابي الذي كانت قد تعرضت له المنطقة المحيطة بالمتحف، بعد أن اضيفت له ثلاث قاعات جديدة، وارتفع عدد القطع المعروضة للزوار به من 4000 قطعة إلى 4400 قطعة.
يذكر أن الفن الإسلامي قد اعتمد في نشأته على مجموعة من الأسس الفنية التي كانت سائدة في البلدان التي فتحها العرب والمسلمون مثل الفنون الهندية، وفنون الصين وأسيا، والفنون البيزنطية والرومانية وغيرها، حيث جمع الفنان المسلم العناصر الزخرفية من كل تلك الفنون واختار منها مالا يتعارض مع أحكام الدين الإسلامي الحنيف وما يتلاءم مع المتذوق العربي، ومزجها جميعا واستخدمها فى بناء أسس الفن الإسلامي الذى تملأ تحفه متاحف الكثير من بلدان العالم مثل بريطانيا والمانيا وفرنسا والكثير من البدان الغربية، بجانب البلدان العربية والإسلامية.

