أوراق جديدة من (جدة القديمة)
يحيى باجنيد
أسترجع أحلامًا صغيرةً في (جدة القديمة) ، الغافية في المساء على ضوء القمر، المشرقة منازلها البيضاء صباحًا تحت عين الشمس .
تتنفس أفواه رواشينها نسمات رطّبها الندى، وعطرها مزيج رائحة (اليود) وشجر (النيم) هما رئتاها: (البحر) وشجرة (النيم) .
يجودُ علينا البحر بنسمات أنفاسه الطرية في قيظ الصيف، وينقي شجر النيم الهواء (الأزيب) بسَموم الهبوب وغباره القادم من جهة الجنوب.
من أمام باب جديد ، أحد أبواب جدة في الشمال يتجمع الناس في ساحة كبيرة تعرف اليوم بميدان البيعة، تمتد شرقا من (القشلة) وهي ثكنتها العسكرية إلى البحر في الغرب.
كانت فرقة (المزيكا) هي بهجتنا نحن الصغار في عصريات جُمعتها، وهي إجازة الكتاتيب وعطلة العمل اليتيمة في جدة القديمة.
وإذا كان الكبار أيضا يبتهجون بالنظر إلى عروض فرقة (المزيكا) والاستماع لموسيقاها الشجية، فإن لنا معها نحن الصغار تفاعلا يتجاوز (الفرجة) إلى السير خلفها في طابور يحاكي ويقلد ويتحمس.
من ذلك الطابور المبهج فهمنا كلمات تمثل مصطلحات عسكرية، مثل: " صفا .. انتباه .. للخلف در.. للأمام سر"
في حارات جدة القديمة ذات الطابع الشرقي والنمط المعروف، تلتف المساكن حول المساجد التي تظل مآذنها بشموخ على حضارة عريقة، وحياة وادعة بسيطة، وتبرز العناصر الجمالية في تلك المباني التاريخية ذات الطراز المعماري الفريد، منسجمة مع الشكل الهندسي ل( رواشينها) في تكوين بديع تتكامل فيه خصائص بيئة المدن الساحلية المعانقة للبحر، الملبية لاحتياج سكانها الذين يعيشون في طقس يميل معظم أشهر العام للحرارة والرطوبة، حيث يمتزج نسيم الشمال بالهواء البحري القادم من الغرب.
كانت الآبار و العيون مصدر مياهها ، والصهاريج مستودعاتها التي تحفظ حياتها في مواسم الجفاف، أما (الأزيار والشراب) المصنوعة من الفخار فهي ثلاجات الأمس المعتمدة لتبريد الماء المبخّر بالمستكاء أو (القَفَل) وهو مادة أشبه بخشب (العود) إلا أنه أقل جودة، وأرخص ثمنا يناسب ظروف وأحوال الناس في ذلك الزمان.
وكنا نسمع قبل أن نعرف اليوم أن أجود أنواع الشراب ما كان يجلب من المدينة المنورة، يأتي بها زوار المسجد النبوي الشريف، هدايا مع التمر (والدوش والنعناع) والمراوح الخصفية، وتتميز هذه الشِّراب بلون طينها الأبيض وسرعة تبريدها.
وما دام الحديث قد سال بنا مع الماء، وهو ضرورة من ضرورات الحياة، فيحسن أن نعود إلى طفولتنا التي كانت مع (السقّائين) حكايات قد تجد فيها من الغريب المفيد ما لم يخطر ببال صاحب : العقد الفريد.
بدأت السقاية بالصفائح (الزفّة) وأعقبتها براميل سيارة، تجرها البهائم التي تحملنا على صهواتها مكرهو هي وأصحابها.
كان السقّاءون يحصون براميلهم التي يفرغونها في البيوت برسم خطوط بالفحم على الحيطان، وكانوا يعجبون من قلة مردود الردود، ولم يكن في الأمر ما يوجب العجب، فكلما رسموا على الحائط خطًّا، محونا لهم خطين !

