أسهم في تحديث المشهد الثقافي السعودي .. رحيل سعيد السريحي عاشق النص ومجدد الخطاب الأدبي والنقدي
رحل أمس الأربعاء ( 23 شعبان 1447هـ/ 11 فبراير 2026م ) واحد من أبرز رواد النقد الجديد بالمملكة الناقد القدير الدكتور سعيد السريحي عن عمر يناهز 73 عامًا بعد حياة حافلة بالعطاء الأدبي والنقدي والإعلامي، حيث أثرى السريحي – رحمه الله – المشهد الثقافي السعودي لأكثر من 40 عامًا بكتاباته وآرائه ودراساته الأدبية والنقدية .
وقد نعت الأوساط الأدبية والثقافية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل عدة أشهر ، دخل خلالها المستشفى بقسم العناية المركزة.
ووجَّه سمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.
كما نعت وزارة الإعلام الأديب والناقد والإعلامي الدكتور سعيد السريحي، الذي توفي بعد مسيرة امتدت عقودًا كان خلالها صوتًا بارزًا في الصحافة والأدب والنقد في المملكة.
وأعرب وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري عن تعازيه في وفاة السريحي، قائلاً: "نودّع اليوم الأديب الناقد والإعلامي الدكتور سعيد السريحي؛ أحد الأصوات التي آمنت بأن الكلمة مسؤولية، والنقد بناء لا هدم".
واجهة ثقافية:
شكل اسم سعيد السريحي واجهة ثقافية كبيرة للتحولات الأدبية التي شهدتها المملكة لأكثر من أربعين عاما، وبالتحديد مع نهايات السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، حيث انطلقت حركة تحديثية في المملكة تلامس الخطاب الإبداعي والنقدي، وتضعه في مصاف حركة الحداثة العربية بشكل عام، خاصة مع صدور مجموعة من الأعمال الشعرية والأدبية التي نقلت القصيدة السعودية إلى مرحلة جديدة في كتابة شعر التفعيلة مع ديوان سعد الحميدين ( رسوم على الحائط) (1977) ومن قبله ديوان الشاعرة فوزية أبو خالد ( إلى متى يختطفونك ليلة العرس) (1974) وهو ديوان مؤسس لقصيدة النثر السعودية، كذلك بدايات ظهور أسئلة النظريات النقدية الجديدة في العالم العربي مثل: البنيوية، والتفكيكية، وعلم النص، ونقد الخطاب، والأسلوبية وغيرها من النظريات والمفاهيم، وهنا انطلقت حركة نقدية شكلت وعيًا سعوديًّا ثقافيًّا جديدا لامسته أقلام النقاد السعوديين لأول مرة بحضور أسماء مهمة أسهمت منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين حتى اليوم في تأسيس حركة نقدية جديدة، ومن بينها الدكتور عبدالله الغذامي، والدكتور حمزة المزيني، والدكتور منصور الحازمي، والدكتور عالي سرحان القرشي، والدكتور جريدي المنصوري، مع وجود مجموعة من النقاد العرب في الجامعات السعودية من أبرزهم الدكتور أحمد كمال زكي والدكتور لطفي عبدالبديع والدكتور نذير العظمة والدكتور سعد مصلوح وغيرهم
في هذه الأجواء توهج قلم سعيد السريحي وسطع معانقًا الخطاب النقدي الجديد خاصة مع رسالته الأكاديمية الشهيرة : «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعًا في الأوساط الجامعية وقتها، وتحولت إلى أيقونة أسئلة في المشهد الثقافي السعودي.
وارتكزت كتابات سعيد السريحي على تنوير الوعي الأدبي والنقدي، ومن هنا جاءت كتاباته تجديدية سواء تلك التي تناول فيها التراث العربي أم التراث السعودي أم تناول فيها بعض الأعمال الأدبية الحديثة، فيما كان على طرف آخر يواصل كتاباته التي تلامس الواقع العام في صحيفة عكاظ التي لم يتوقف عن الكتابة فيها لعدة عقود، حيث كان يعمل بها في القسم الثقافي ، وكان نائب رئيس التحرير المكلف بالصحيفة، وكان مداوما على كتابة زاويته : ( الرأي لكم) كما شارك في نشاط معظم الأندية الأدبية بالسعودية والملاحق الثقافية المتعددة حيث كانت في أوج نشاطها الأدبي في الثمانينيات والتسعينيات وبدايات الألفية الثالثة، خاصة في النادي الأدبي الثقافي بجدة، فيما كان عضوًا رئيسيًّا في عدد من المجلات المحكّمة والمتخصصة.
انحياز للجديد:
انحاز الدكتور سعيد السريحي إلى النقد الجديد، وإلى حركة التحديث الإبداعي في المملكة، ومزجت كتاباته ما بين الرؤية البنيوية التي تركز على النصوص فأصبح عاشقًا للنص، دون التركيز على حياة المؤلف نفسه، والرؤى الدلالية والسيميولوجية وتحليل الخطاب وتأويله، وتجلى ذلك في عدة كتب له مثل: الكتابة خارج الأقواس ( 1987) وتقليب الحطب على النار (1994) وحجاب العادة: أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة (1996) وفيه يحاور خطاب الثقافة ، ويعد رؤية متقدمة في قراءة الخطاب من وجهة الدراسة الثقافية، واستمر السريحي في إصدار دراساته وكتبه التي تتناول الشعر حينًا مثل: حركة اللغة الشعرية، و عتبات التهجي الذي قرأ فيه التجربة الشعرية للشاعر محمد الثبيتي، وشعر أبي تمام بين القديم ورؤية النقد الجديد، والقصيدة السوداء وهو من أواخر كتبه حيث صدر في العام (2023) .
أو تتناول العناصر الثقافية المؤثرة أدبيا واجتماعيا ، وتاريخيا مثل : غواية الاسم : سيرة القهوة وخطاب التحريم، والرويس، وأيديولوجيا الصحراء : آفاق التجديد وسؤال الهوية المعلقة، وغيرها من الكتب والدراسات التي عززت خطاب الرؤيوية المتجددة في الأفق الثقافي السعودي، وعززت من قيم السؤال والحوار .
وُلد سعيد بن مصلح بن سعيد السريحي الحربي في جدَّة، عام 1373هـ/ 1953م، ودرس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بجدة، وأكمل تعليمه الجامعي والدراسات العليا (لغة عربية) في كلية الشريعة ثم كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى في مكة المكرمة. عمل في حقل التعليم عشرين سنة، سنتين في التعليم العام وثماني عشرة سنة بجامعة أم القرى، عمل ثماني وعشرين سنة في حقل الصحافة بين متعاون ومتفرغ، أشرف خلالها على القسم الثقافي، والشؤون المحلية، والشؤون الدولية، والأقسام التنفيذية في جريدة «عكاظ» كما عمل مساعدًا لرئيس تحرير «عكاظ» وتعاقد كاتبًا لزاوية يومية في الجريدة نفسها، وأسهم في تجديد الإبداع النقدي والأدبي بالمملكة بدراسات تأسيسية شكلت مراجع مهمة في الحياة الأدبية السعودية وفي المشهدين الأكاديمي والثقافي المحلي والعربي.

