تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

انطلقت من قرطبة في القرن العاشر.. «صناعة الكتب في إسبانيا» ازدهار رغم ضعف القراءة!

انطلقت من قرطبة في القرن العاشر.. «صناعة الكتب في إسبانيا» ازدهار رغم ضعف القراءة!

عندما فتح العرب المسلمون بلاد الأندلس نقلوا إليها الحضارة والعلوم والثقافة، لتصبح مدنها وفي مقدمتها العاصمة قرطبة في القرن قرطبة العاشر، منارة للعلم والحضارة التي يقصدها أمراء وملوك أوروبا ليتلقوا العلوم ويتعلموا الحضارة على أيدي العرب، فأضحت قرطبة الإسلامية درة العلم والحضارة في القارة الأوروبية والعالم الغربي.

 

صالح سليمان

 

يقــول المــؤرخ الإســباني، جــون برانــد ترنــد، فــي وصفــه لقرطبــة: «إن قرطبــة التــي فاقــت كل حواضر أوروبــا مدنية أثنــاء القــرن العاشــر كانت فــي الحقيقــة محط إعجــاب العالم ودهشــته، فقــد كان القادمون إليها من الشــمال يســمعون بما هو أشــبه بالخشوع والرهبة عن تلك المدينة التي تحوي سبعين مكتبة(1),.

إسبانيا وصناعة الثقافة الآن إن إسبانيا وريثة هذه الثقافة التي خلفها المسلمون والتي أضافــت إليهــا في مجال النشــر وصناعة الكتــاب الكثير حجما ونوعا وتحديثا أصبحت رابع أكبر ناشر في العالم والثالث في المحيــط الأوروبــي ، حيث يبلغ حجم الإنتاج الســنوي أكثر من 70000 عنــوان, رغــم ثقــل هذه الصناعــة الثقافيــة وإمكاناتها الهائلــة ، والتدريــب ، ورغــم المنافســة القويــة لوســائط المعرفة الحديثة (2).

ويسهم قطاع النشر في إسبانيا بقسط وافر في الاقتصاد الوطني، وتتبدى هذه المســاهمة -على سبيل المثال- في بيع 236.2 مليون كتاب بحسب إحصاءات عام 2009. وتبلــغ مســاهمة قطاع النشــر في إجمالي الناتــج المحلي 1 في المائة وهو يوفر فرص عمل لنحو 30 ألف شخص، وأكثر من ذلك فرص العمل التي لا ترتبط به ارتباطاً مباشراً. ولكن قطاع النشــر في إسبانيا مثله مثل صناعة الكتاب في بلــدان أوروبيــة أخــرى يواجه تحدياً كبيــراً.. يتطلــب منه إدخال الرقمنــة فــي عالــم الكتاب، ويصــدر قطاع النشــر مطبوعات بأربع لغات هي الإسبانية والكتالونية والباسكية والغاليسية، وفــي عــام 2009 وحــده نشــر 76213 كتاباً، ضمنهــا كتب في طبعــات ثانيــة أو أكثــر، وبلــغ عــدد الكتــب التــي ط ُ رحــت في السوق: 329.8 مليون نسخة (3).

 

ظاهرة ملفتة للأنظار

الغريب أن ازدهار صناعة النشــر والكتاب في إســبانيا لا يدل على الحالة القرائية للشعب الإسباني، فالإحصاءات الحديثة تشــير إلى أن القراءة في إســبانيا تنمو ببطء ولا تزال بعيدة عــن المتوســط الأوروبــي، فمتوســط قــراءة الكتــب تصــل إلــى 63٪ فيمــا يصــل المتوســط الأوروبي إلــى 70٪. وهذا يعني أن واحداً من كل ثلاثة إســبان لا يقرأ أبداً. والأســباب الرئيســية التي تبرهن عليها الاســتطلاعات لقلة القراءة هي نقص الوقت (48٪) أو غير مهتمين بالقراءة (29٪). 

وقــد اعتــرف أكثــر مــن ثلث الشــعب الإســباني بأنــه لا يقرأ الكتب مطلقا أو نادرا, وجاءت هذه النتائج في استطلاع أجراه معهد البحوث الحكومي الإســباني حول عــادات القراءة لدى الإســبان والأســباب التي تجعل الناس مقبلين على القراءة وقــال 29 مــن النــاس الذيــن شــاركوا فــي الاســتطلاع إنهم يقــرؤون الكتــب يوميا أو كل يوم تقريبا , بينما قال واحد من بين كل 5 أشخاص إنهم لا يقرؤون أبدا تقريبا , في حين أكد 15 أنهــم لا يقــرؤون الكتب مطلقا، ولم يتــذرع أحد بقلة عدد المكتبات أو ارتفاع سعر الإصدارات (4).

وكنتيجــة لهــذه الحالــة القرائيــة المتراجعــة في إســبانيا أعلن الاتحــاد الإســباني لباعة الكتب في الرابــع من مارس 2015م أن ّ إســبانيا تشــهد إغلاق أكثــر مــن مكتبتين يوميــاً، وأوضح الاتحاد في تقريره أن ّ ه في عام 2014 أغلقت 912 مكتبة، فيما جــرى افتتــاح 226 مكتبة فقط في المقابــل. وذكر أن ّ مبيعات الكتــب تراجعــت خلال العام نفســه (2014م) مــن 870 مليون يورو إلى 707 ملايين يورو.

ولفــت بيــان الاتحــاد إلى أنه يتفق مــع التحذير الــذي أطلقه الناشــرون فــي فبرايــر مــن نفــس العــام، حيــن أك ّ ــدوا أن 5٥ في المائة من الناس في إســبانيا لا يقرؤون الكتب أبداً، أو يقرؤونها في بعض الأحيان فقط.

وبحســب الاتحاد، فإن ّ تراجع مبيعات الكتب في إســبانيا في ذلــك العــام أرجع إلى ســببين، الأول هو الأزمــة الاقتصادية التــي مــرت بها البــاد، والثاني انتشــار التكنولوجيا الجديدة، بما في ذلك الكتب الإلكترونية (5).

 

تشجيع القراءة

ولإنعــاش حالــة القــراءة فــي اســبانية تتــم خطوات تشــجيع القــراءة بعــدد مــن الإجــراءات علــى المســتوى الرســمي والشــعبي فهنــاك اهتمــام متزايــد بالمكتبــات الجامعيــة والمدرســية وتوفيرهــا لمصــادر الثقافــة العامــة إلــى جانــب الكتب والمراجع المتخصصة.

كذلك إقامة معارض الكتاب الوطنية بالمدن الكبيرة ومعرض اســبانيا الدولــي للكتاب الذي يســتقطب زوارا كثيرين، وفي إسبانيا حرصوا على تحويل بعض المكتبات التقليدية لأماكن ذات طابع ترفيهي لجذب الأطفال وحثهم على القراءة وبحســب صحيفــة الإكونوميســتا الإســبانية، فــإن مكتبــة توبلاريا أطلقت أول مبادرة من نوعها لتشجيع القراءة، تجعل القارئ هو من يقرر سعر الكتاب الذي قام بقراءته.

وكما يقول مؤسس المكتبة فإن «مبادرة تحديد القارئ لسعر الكتاب وفقا لرأيه الشخصي وإمكانياته تستند إلى فلسفة، وهــى أنــه عندما يقــرأ الناس يكونــوا أكثر أخلاقــا وأكثر إنتاجا ويعــود بالنفــع على البلاد في آخر المطــاف أما الحد الأدنى للمبلغ الذي يدفعه أي قارئ على الأقل فهو يورو (6).

ومن أهم الكتب التي يقرؤها الإسبان:

-       «دون كيشــوت»، لمؤلفهــا ميغيــل ســرفانتس، ويعتبرها الإســبان مــن الكلاســيكيات التي كتبــت بلغة القرن الســابع عشــر، ومعظم مفرداتها وجملها هجرت في اللغة الإسبانية الحديثة.

-       «أشــعار ومســرحيات فيدريكو غارســيا لــوركا»، وينظر إلى هــذا الشــاعر والكاتــب باعتباره أعظم المبدعين الإســبان في القرن العشرين.

-       «أسفار مع حماري» لتيم مور، وهو رحلة إلى شمال إسبانيا، مكتوبة بشكل هزلي يشرح علاقة الإنسان بالحيوان.

-       «جنــوب غرناطــة» لجيرالــد برينــان، وهــو كتــاب يــروي حياته فــي قرية تقــع بين جبال «الباجــوراس» بعد الحــرب العالمية الأولى، كونه أمضى فترة طويلة من الزمن هناك.

-       «السياقة فوق الليمون» لـ«كريس ستيوارت» في المرتبة الخامســة، وهــو مســتوحى مــن الحيــاة والطبيعة فــي جبال الباجوراس القريبة من غرناطة.

-       «تكريم كتالونيا» لـ «جورج أرويل»، وتدور أحداث هذا الكتاب حول قصة حياته أثناء الحرب الإسبانية.

-       «وتشــرق الشــمس أيضاً» لأرنســت همنغــواي، الذي كان مســحوراً بعالم مصارعة الثيران في إســبانيا، فكتب روايتين مــن أهــم رواياتــه في هذا الشــأن، وهــو الكتاب الــذي يؤرخ للجيل الضائع ما بعد الحرب العالمية الأولى (7).

 

المكتبات في إسبانيا

يواجــه الباحــث فــي الشــأن الثقافي الإســباني بكل أســف صعوبــة في إيجــاد إحصائيات رســمية أو إعلاميــة تدل على عدد المكتبات في إسبانيا وأسمائها رغم اتساع رقعة إسبانيا (ثانــي أكبر بلد في أوروبــا الغربية والاتحاد الأوروبي)، ورغم ثراء تاريخ إســبانيا الثقافي وتشكله من العديد من الثقافات المختلفة، ورغم نشاط حركة الترجمة في إسبانيا ،وهذه الندرة المعلوماتيــة تجعــل الكتابــات والمدونــات تركــز فــي كتابتهــا علــى مكتبــة الإســكوريال التــي تعــد أحــد عجائــب المكتبــات فــي العالم، وكذلــك المكتبة الوطنية الإســبانية ذات التاريخ العريق في احتضان الثقافة الإسبانية وأيضا الثقافة العربية والإسلامية مــن خــلال المــوروث الأندلســي المخطوطــي على أرفف هاتين المكتبتين وربما غيرهما .

 

المكتبة الوطنية الإسبانية

تقف المكتبة الوطنية الإســبانية رغــم حالة القراءة المتراجعة شــاخصة علــى رأس المكتبــات الإســبانية تســهم بقوة في الحركــة الثقافية في البلاد، وتحتضن موروثها الثقافي الذي يتميــز علــى غيره مــن ثقافة الــدول الأوربيــة بالثــراء والتنوع وتشكله من عدد من الثقافات.

ومنــذ تأســيس المكتبة على يد الملــك فيليب الخامس في 29 ديسمبر 1711 بمرسوم ملكي، وهي تسهم في صناعة الثقافــة الإســبانية بما تضمه من موروثــات وثقافات تركتها الشــعوب المختلفــة التــي مرت على شــبه الجزيــرة على مر القرون، وقد كرســت المكتبة نشــاطها لجمع وفهرسة وحفظ الكتــب الببليوجرافيــة واحتضــان ما يقارب 30 مليون مســتند ووثيقة صدر في البلاد منذ بداية القرن الثامن عشر وتمثل جميعها أهمية غير عادية بالنسبة للتراث والثقافة الإسبانية، منهــا 20 مليــون كتــاب ومطبوعــات الأخــرى، 30 ألــف مخطوطات، 143 ألف صحف ومسلسـلات ، و5مليون مواد الرســم، و510 ألف الموســيقى، 500ألــف الخرائط،600 ألف تسجيل الصوت، 90 ألف السمعية البصرية، 90 ألف الوثائق الإلكترونية، وأكثر من 500 ألف الميكروفيلم (8).

 

مكتبة الإسكوريال

أمــا مكتبة الإســكوريال.. فهي تحفة إســبانية ارتبط اســمها بالملك فاســم الإســكوريال هو اســم المدينــة، وقريب من هذه المدينة قصر الملك الإسباني فيليب الثاني، ويسمى قصــر الإســكوريال، وفــي هــذا القصــر مكتبــة ضخمة، هي مكتبــة الإســكوريال، الخاصــة بالملــك، وفــي هــذه المكتبــة ملحــق مختــص بالمخطوطــات القديمــة، وفي هــذا الملحق قسم للمخطوطات العربية. 

وتعتبــر مكتبــة الإســكوريال مــن أهــم المكتبــات التاريخيــة الإســبانية، واســمها الرســمي وتحتــوي علــى وثائــق أثرية، ذلك أن الملك فيليبي الثاني نفسه كان يهتم بجمع الكتب، وســعى إلى شرائها من جميع المناطق، وطلب من سفرائه تزويده بكل ما يطبع في أماكن وجودهم، وأوصاهم بشــراء المخطوطات المتوافرة، واســتطاع بذلك جمع نفائس الكتب والمخطوطــات. وتحتــوي المكتبــة الآن علــى حوالــي 45000 قطعــة بيــن مجلــد ومخطــوط وخرائــط ورســوم ومنحوتــات ونقــود، والكثيــر منهــا يعــود الــى القــرون الخامــس عشــر والســادس عشر والسابع عشر. وتبلغ أبعاد صالة المكتبة 45 متــرا طــولا و9 أمتار عرضــا ويبلغ ارتفاعها 10أمتار، وســقفها مزيــن بالصور، وأرضية المكتبة من المرمر، وصنعت رفوفها من الخشب الثمين.

وكجــزء مــن مكمــلات المكتبــة، قســم خــاص للمخطوطــات القديمة، والتي تشــكل المخطوطات العربية جزءا منها، وقد تــم جمــع هذه المخطوطات مــن مناطق مختلفة من اســبانيا وخارجها (9).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.     ميدل ايست أونلاين 2016/4/26

2.     جريدة البيان الإماراتية 7/ 8/ 2006

3.     دار الفكر 2011/4/14

4.     موقع المترجم العربي 2015/9/17

5.     العربي الجديد 2015/3/5

6.     أحوال المعرفة العدد 80 /10/ 2015

7.     جريدة البيان الامارتية24 /4/ 2010

8.     موقع المرسال 2013/11/26

9.     جريدة الشرق الأوسط 2 /4/ 2008

 

 

انطلقت من قرطبة في القرن العاشر..  «صناعة الكتب في إسبانيا» ازدهار رغم ضعف القراءة!
Ehsan Logo