تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

انهيار الكوميديا المتماسكة لوحة المهرج نموذجًا

انهيار الكوميديا المتماسكة لوحة المهرج نموذجًا

ضحى عبدالرؤوف المل

تستندُ التأثيراتُ التعبيرية في لوحة المهرج على انهيار الكوميديا المتماسكة وتحولاتها الحزينة، والتي جعلتني أتقصى أسباب جمالية هذه اللوحة واستمراريتها في لفت الأنظار إليها، وفي معرض بحثي الدؤوب عن الجمال في الفن وجدتٌ أن بعض الفنانين يعتمدون على الفكاهة التي تحتوي على بعض لمحات من الحزن، وتكاد إشارات الفرح تنحصر في الألوان الحارة فقط، ومع ذلك نعتبرها لوحة كوميدية تمسك بتلابيب التفاصيل التي تنتج تأثيرات هزلية تعتمد على انهيار الشخصية، ومن ثم تماسكها تخيليًّا . 

إنها تخطف الأنفاس للحظات تجبرنا على الصمت والوقوف أمامها بحثًا عن أسرار جمالها وشهرتها، وما هي إلا لوحة مرسومة وفق التقلبات المزاجية التي يصاب فيها الفنان أحيانا، فتنبلج مستويات الحركة وتنتج شخصيات ذات سمات سلوكية تنتمي اجتماعيا إلى الأفراد أو الكائنات العاقلة ، وتنضح بالفن الهزلي ببساطة ورشاقة بصرية خاصة بفئة من الناس، والذين نطلق عليهم اسم" المهرج" وهو اسم مشتق من الهرج والمرج والتعبير عن العواطف الجياشة المؤثرة في الآخرين. 

شكلت لوحة المهرج نقطة انطلاقتي ، وجعلتني أتأملها لساعات، وكادت تجعلني أتحول عنها، وأكتب مقالة أخرى عن التراجيديا في الفن التشكيلي، إلا أن المهرج في هذه اللوحة يلاعب ظلال وجوده ربما، لأنه يخص فئة من الناس خاصة التي ترنو إليه في ساعات الضيق، ومهما كانت مهنة المهرج هي استدرار الضحك، إلا أنها تحتوي بواطنها على كميات من الحزن عبر عنها بابلو بيكاسو بالظل المتواري بين الألوان التي ترمز إلى الروح الكوميدية التي تكسح الحدود بين الباطن والظاهر ، وأصبحت علامات الحزن في أحايين كثيرة هي الصفة الكوميدية التي تتحلى بها اللوحة أو بالأحرى هي سر اللعبة الفنية وجماليتها الواضحة في الخطوط التي تكمن في الأبيض وصفائه، وما يخفيه من المرح في ثوب يحمل طيات النفس التي تتصف بالرشاقة والخفة والضحكة غير المصطنعة، والتي تخفي شخصية المهرج ومرحه، فكل ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب، وكل ما يخرج من الألوان الزاهية والحارة ينتقل بدون استئذان إلى البصر الذي يترجم مشاعر الآخر وينتزع منه الضحكة أو الدمعة، فينقل الفنان حسه الفني إلى اللوحة وتصبح الريشة أداة لاستساغة المشاعر، إذ لطالما اعتمد بيكاسو على هز المشاعر من خلال غرائبية اختياراته لشخوصه التي يرسمها بفن يثير الحيرة في النفس، ويؤدي إلى الدهشة بدون استئذان، كأنه ينتزع من المتلقي دمعه ويمنحه دفء ضحكة تتوارى خلف شفاه المهرج في هذه اللوحة التي لا يمكن وصفها بالانفعالية ولا بالفن المجد من المعنى ، إذ ترتكز في المرتبة الأولى على الإدهاش، وإذا ما تأملنا سر هذه اللوحة نجدها تحمل روح المهرج، أو روح الفن الهزلي المتأقلم مع الظل والضوء والألوان والتضاد المبني على قوة الملاحظة والتناقض في إثارة التساؤلات، ولا غرابة في ذلك فالانفعال يكون إما سلبا أو إيجابا، والتأثير إما مضحكا أو مبكيا، وقد يكون جامعا المضحك المبكي، أو ليست الإنسانية تحملُ الكثير من التناقضات التي تشترك فيها مع هموم الإنسان ومبعث انفراجاته؟ 

 

فرادة التفاصيل: 

في اللوحة تتحقق فرادة التفاصيل الحزينة ودلالتها الفنية ، ضوء ساطع عند الجبين يجمع الأنف والذقن في مثلث ينسجم مع القبعة هكذا تحملنا الألوان في رقتها الجمالية وعذوبتها الفنية صوب ناصية المعنى التشكيلي، لمهرج يجعلنا نرى من خلاله ما يود لنا الفنان رؤيته، فتكون النظرة المتشكلة في العينين هي بوابتنا لاستساغة هذا المهرج المسترسل في الجلوس بهدوء، وكأنه في حالة صدمة دفعته للتجهم في الوجه في أغلب الأحيان وهو يرتدي ما تبقى من ثيابه ، وبأسلوب لا يخلو من حزن تتشح فيه حتى يديه اللتين تحملان بعض " لطشات" من ألوان قاتمة في الأسفل، ومن ضوء في الأعلى كأنه ركن في زاوية ما ، قبل أن يواجه جمهوره بضحكة مخفية أو سخرية تتغلغل في عروق الألوان التي تدفع بالخطوط إلى وكأنه يرتدي ثوبه المهترئ المرقع بالألوان، لنكشف عن وجه حزين لا ينتمي إلى الفن الهزلي أو التهريج الذي يتعدى صفة الضحك ليكشف عن وجه مبتسم أقل ما يكون لشخص يحمل صفة المهرج، وكأن ريشة " بابلو بيكاسو" سرقت على غفلة من المهرج بعض أحزانه، إن لم أقل أحزانه كلها وأظهرتها لجمهور تنعكس أمامه حقيقة هذا الرجل المسمى " بييرو" أو المهرج بييرو ، فهل يمكن أن تفسر ريشة الفنان المشاعر وتكشف عن الوجوه الحقيقية التي تتصف بالكوميديا أو التراجيديا ، وهل يمتلك الفنان ناصية الدراما من خلال ريشته وألوانه؟

مهرج يهاب الحقيقة أن تظهر فيهاب المواجهة دون طلاء على الوجه لتغيير المعالم وقلبها من حزن إلى فرح ولا يتوانى عن اقتناص دهشته، إنه الدؤوب للوصول إلى غايته الأساسية وهي التعبير عن انفعالاته وبرغباته بأسلوب صاعق، يحمل بصمته ويعكس روحه المرحة المنطلقة، كاشفًا عن آرائه خلف نقاب التهريج أو خلف نقاب الريشة واللون.

 

 

لعل السماجة هي أكبر عدو في الفن التشكيلي ، ولكن بالمقابل فإن امتلاك الحسّ الفكاهي يحتاج إلى ذكاء اجتماعي يستقرئ به الفنان التشكيلي الآخر ، باهتماماته ومشاغله ورغباته وعاطفته ليستحوذ عليه وتكون لريشته وألوانه وقع وتأثير، لذلك لا غرابة في أن تمتلك ريشة " بابلو بيكاسو" عبقريته وأن تميل تفاصيل لوحته للون معين من الضوء يخصها دون سائر الألوان، فما يُضحكُ قومًا قد لا يضحك آخرين، والمهرج يمتلك حس استقراء واقعه والتقاط المناسب لتضخيم مجهره فتخرج صورًا مضحكة صادمة وصاعقة وتكون بردًا على الأكباد حاملة رسالة صاحبها بذبذباتها الحاسمة والمقنعة بحسب مهارة مرسلها وطول باعه حركة وصورًا وحضورًا وصولًا إلى القلب للتأثير وإلى العقل والبصر، فتتأثر بذلك تأثيرًا مذهلًا جعل من لوحة المهرج تاريخًا تهتز له أبواب المعارض والمتاحف للوحة بسيطة تجعلنا نتساءل عن معنى الحزن والفرح والكوميديا والتراجيديا ونتساءل ما هي فلسفة الفرح والكوميديا في هذه اللوحة؟ لماذا هو حزين قبل مواجهة الجمهور أو بعد مواجهته؟ وما الذي يحزنه؟ وعلام يعتمد المهرج أساسا على إضحاكنا وهو الباكي من الداخل أو في لحظات عزلته . 

إذا ما حللنا سبب الضحك نجد فيه انفعالًا طفوليًّا إذ يفاجئنا الطفل حديث الولادة ببسمة تعكس سروره بهذا الكون الجديد المطلّ عليه، ولعلها بسمة امتنان لأمّ تعرف كيف تحقق كفاياته وترضي حاجاته المستجدة والتي يتطلبها نموه الجسدي والنفسي على السواء، وهذه الحالة تستمر ليصبح الضحك عادة لصيقة به تخصه دون سائر المخلوقات، وقد نضحك من هول المفاجأة ، ولعل سبب خصوصية الضحك المتبدلة بين مجتمع وآخر ولغة وأخرى هي توقع المفاجأة المتعلقة بقانون اجتماعي أو قيمة اجتماعية منتشرة في مجتمع وغير موجودة أصلا في آخر، وقد تكون متعلقة بتورية تخص لغة دون أخرى، فبعض الشعوب تعتمد ثقافتها على الكوميديا والمقدرة على فهمها وهذه القدرة يختزنها المهرج من خلال إدراكه لقيمة الحزن داخله الذي يحوله إلى مادة متلونة تميل إلى الضحك. 

فهل ينبع الحزن من اللا وعي الذي اكتشفه فرويد؟ وإلا لماذا يحزن الطفل وهو لا يفقه شيئا مما يسمع، ولا يعي لعبة الوجود من خلال الوجوه بعد؟ وهل الضحك يردنا إلى عمق طفولتنا فنلقي ما على أكتافنا من هموم وننسى ما يزعجنا ويقض مضجعنا؟وكأنه خصيصة طفولية مغروسة في النفس وهي بانتظار من يوقظها من سباتها؟ بها تستيقظ فينا طفولتنا فنستعيدها ونحياها من جديد لندخل الغبطة إلينا؟

وهل البسمة توهمنا أننا سعداء لا بؤساء فيتحطم بؤسنا عند تحطم بؤس الآخرين؟

يبدو أن للبسمة بعدًا اجتماعيًّا معديًا، وإلا فلماذا يعمد مخرجو البرامج الكوميدية إلى إدخال تسجيل لضحك جماعيّ لو لم يكن الضحك معديًا؟ وهل يبحث الفنان عن ذاته كما يفعل المهرج؟

وبهذا يكون " بابلو بيكاسو" قد رسم انعكاسات الذات على هذا المهرج تحديدا .

وإذا كان الفن الهزلي احتفالًا بالحياة فهو احتفال يركز على النقائض الموجودة أصلا ولم نكن نفطن إليها، إلا إذا أتى من يخرجها لنا ويضعها نصب أعيننا ويصورها لنا ضمن المفهوم الفني التخييلي ساخرا. هنا لابد من التطرق إلى العلاقة بين الفنان والمشاهد، أو بين الفنان والمتلقي، إذ تتجلى مهارة المهرج في تضخيم الأمور تضخيمًا مقنعا مدوزنًا ضمن معيارية مقنعة تميز بصمة الفنان، ولكن ما هسي أهداف التهريج أو السخرية الهزلية وغير ذلك من الأمور التي يتساوى فيها الفنان والمهرج؟

يكرس الفنان " بابلو بيكاسو" ريشته للخيال الهزلي ، ولكن ضمن واقعية الشخصية التي تلعب هذا الدور ، ومجازيا هي الفنان نفسه الذي يتوارى خلف لوحته أو خلف شخصية المهرج الذي يرسمه وفق عدة نقاط مشتركة بين الضوء واللون .

الأبيض والمعنى الخفي لشخصية المهرج وألوانه على حد سواء ، فالبناء اللوني في اللوحة يغلب عليه الأبيض، وبنفس الوقت يسيطر الضوء على الوجه مما يعني أن اللوحة لم تكن عابرة بسيطة، وإنما هي رسالة يتم توجيهها من خلال الفن التشكيلي إلى المجتمعات التي تئن تحت وطأة أحزانها، ومن جوانب حياتية مختلفة، فكيف لمهرج اتصفت سلوكياته بالهزلية أو الكوميدية أن تغلب عليه التراجيديا أو الأحزان؟ وهل يمكن لمهرج أن يتسبب بالحزن لجمهوره أم أن يكسر أحزانه بأفراح الآخرين؟ 

تشويق فكاهي يمتلكه المهرج في هذه اللوحة التي أثارت جدلية في نفسي ودفعتني نحو كتابة هذه المقالة محاولة تحليل الأسلوب الفني والنفسي لهذه اللوحة التي أعتبرها غرائبية في مفهومها، ولو أنها لا تنتمي للسوريالية، إلا أنها تنتمي للفرد أو للإنسان الاجتماعي أو الكائن الذي تهاجمه مشاعر الفرح كما مشاعر الحزن والقادر على بث روح الكوميديا كما يبث روح التراجيديا محتفظًا بالمقاييس والمعايير وبالنسب الجمالية التي أشبه ما يكون بميزان جمالي أضاف للوحة وهجًا فنيًّا أو إرثًا ما يزال يثير جدليات كثيرة خاصة بما يخص التطابقات بين الضوء واللون الأبيض رغم حساسية اللون الذي يحمل في طياته مجموع كل الألوان ويمتص سلبيات البصر ليحتفظ بتناسب بقية الألوان التي ترمز إلى الفن الهزلي الذي تتصف به شخصية المهرج. 




انهيار الكوميديا المتماسكة لوحة المهرج نموذجًا
Ehsan Logo