هشام بنجابي.. فنان من الزمن الجميل
حجاج سلامة
غيّب الموت هذا العام، الفنان التشكيلي السعودي الكبير هشام بنجابي، الذي رحل عن دنيانا بعد رحلة فنية غنيّة ساهم خلالها في إثراء المشهد التشكيلي السعودي والعربي والدولي، وقدّم – رحمه الله – أعمالاً فنية ستبقى خالدة في تاريخ الفن السعودي والإنساني.
كان "بنجابي" ينتمي لجيل مُتفرّد ممكن يمكن ان طلق عليهم فناني الزمن الجميل، وهو فنان الواقعية والحداثة أيضا.. وهو أحد رواد الحركة التشكيلية السعودية والعربية، بل والعالمية أيضا، وقد ظل منذ بداية رحلته من الفن وحتى رحيله غواصا في أبحر التراث والموروثات الشعبية، والعادات والتقاليد، وكل صور الزمن الجميل.. والذي باح لنا في مقابلة أجريناها معه، ببعضٍ من ملامح سيرته ومسيرته وبعض من رؤاه.
وطوال رحلته الفنية آمن الفنان هشان بنجابي بأن وطنه المملكة العربية السعودية غني بالمفردات التشكيلية، والتراث والطبيعة والعمارة المتميزة والأزياء اللافتة، التي تجعل منه مصدر إلهام لكل فنان.. وكان - رحمه الله - لديه اعتقاد دائم بأن الفن قادر على تغيير المجتمعات للأفضل، وأن تمدن الشعوب وتحضر المجتمعات يقاس بما لديها من ثقافة وفنون.. وظل منحازاً على الدوام لوطنه المملكة ولمدينته جدة، التي كان يراها بأنها مدينة مختلفة ومتفردة، ويصفها بأنها الأكثر حضورا في المشهد التشكيلي السعودي.
وكانت رؤية المملكة 2030، وما أحدثته من حالة حراك ثقافي وفني غير مسبوقة على أرض المملكة، محل إشادة "بنجابي" الذي كان يشير في أحاديثه إلى الدعم الذي قدمته الرؤية لشتى قطاعات الثقافة والفنون والإبداع، في ظل رعاية كريمة ومتابعة دائمة، من قبل خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان.
ورأي – رحمه الله - بأن رؤية 2030 بالمملكة العربية السعودية، جاءت لتروي عطش أصحاب الفكر والثقافة والفن بجميع فروعه بلا استثناء لسنوات، وأن محاور تلك الرؤية كشفت عن طاقات وشرائح مبدعة في كل مناطق المملكة الشاسعة، ومفرداتها سواءً في العمارة، أو الملبس، أو العادات والتقاليد، والفلكلور الشعبي، وأثره في هذه المجتمعات والمناطق، وحتى القصص والأساطير والحكايات الشعبية، وبأن ذلك صنع حالة من الشغف لمتابعة وقائع المشهد الفني والثقافي داخل كل ربوع المملكة العربية السعودية.
بدأت رحلة الفنان الراحل هشام بنجابي مع الفنون من على أرض مصر، التي انتقل إليها برفقة أهله وهو في سن مبكرة، ثم تركها عائدا إلى وطنه المملكة العربية السعودية وهو في ريعان الشباب، واكتسبت التجربة الفنية لـ "بنجابي"، نضجها على أرض المملكة.. واطلع الراحل خلال مشواره الفني على شتى المدارس الفنية، فامتلك أدواته الفنية بقوة، وصار يحمل ثقافة فنية عالية.
ولعل تلك الثقافة هي التي قادته لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – وهو لايزال طالبا في المرحلة الثانوية، وهي المقابلة الشهيرة التي جرت بتنسيق من وزير التعليم آنذاك، وذلك بعد أن لفتت لوحة فنية رسمها الفنان الراحل للمك فيصل، فرأي وزير التعليم أن يقابل ذلك الطالب الفنان ملك البلاد، في صورة من صور التشجيع الكبير للطلاب المبدعين، وبالفعل نال الراحل هشام بنجابي شرف لقاء ملك البلاد كفنان، وهو في المراحل الأولي من مسيرته الفنية.
"بنجابي" حرص خلال رحلته مع الفنون، على دراسة المدارس الفنية، وحرص - أيضا - على دراسة الكثير من الأشياء ذات الصلة بالفنون التشكيلية، حيث درس العمارة القديمة، ودرس ابوابها وعرف مسمياتها، وأنواع أخشابها، ودرس بعناية ما يسمى بـ "الرواشين" في العمارة الحجازية القديمة، والذي تتفرد به بشكل خاص بيوت مكة المكرمة ومدينة جدة، وعرف كيف تأثرت تصميماتها وتشكيلاتها بفنون عربية وإسلامية أخرى مثل الفنون المغربية والسودانية والفنون العثمانية قديما.
وأبدع الراحل هشام بنجابي في رسم البحر وسفنه العتيقة، والبيوت والرواشين، والألعاب القديمة، وكل معالم وطقوس الحياة في البيئة التي أحاطت به.. وكان – رحمه الله - ولوحاته مسكونين بالوطن.. ترابه وسمائه، وزرعه وبشره، وبحره وشواطئه، مراكبه وصياديه، حرفييّه وصنّاعه.. والوطن كل الوطن، حيث تفرّد الراحل الكبير برؤية خاصة في تناوله وتوثيقه لتراث وطنه.
وقد كان رحمه الله يؤمن بأهمية قيام الفنانين بتخليد تراث بلادهم، وتجسيده في أعمالهم الفنية، بما في ذلك كل الأنماط التراثية من عمارة وألعاب وعادات وتقاليد وموروثات شعبية، إلى جانب ما تشهده الأوطان من تطور وإنجاز، معتبراً أن الفنون التشكيلية هي أحد أدوات توثيق التاريخ.

