حياة الشرق: دُوله وشعوبه وماضيه وحاضره
حجاج سلامة
على الرغم من مرور أكثر من تسعة عقود على صدور كتاب "حياة الشرق: دُوله وشعوبه وماضيه وحاضره"، لمؤلفه الكاتب الموسوعي محمد لطفي جمعة، إلا أن أثر هذا الكتاب وتأثيره لا يزال باقياً، كما بقيت الأفكار التي حملها الكتاب قابلة للنقاش حتى اليوم.
ومن المعروف أن الشرق كان موضوعاً للمئات وربما الآلاف من المؤلفات والبحوث والدراسات الأكاديمية وغير الأكاديمية، والتي كتبها عرب وأجانب، ورحّالة ومستشرقون على مر العصور.
وقد كان للشرق سطوته وحضوره في مجالس علماء الغرب، وكان له تأثيره في عمارة أوروبا وفنونها.. وذلك بحسب كتابات ومؤلفات المستشرقين الأجانب، الذين بهرهم الشرق بعلومه وفنونه، وحضارته وتمدُنِ شعوبه.. وسجل البعض من كتاب الغرب القدامى، كيف كان الشرق جنة للتعايش بين الأديان والأقوام، وتجاورت فيه اللغات والثقافات.
ولم لا يكون الشرق حاضراً بقوة في المكتبتين العربية والأجنبية، وفي الجامعات، وهو الذي تفرّد على مر الزمان، بأجوائه الساحرة، وطبيعته الغناء، ومعالمه التي جعلت منه قبلة للفنانين والمستشرقين الأجانب، وكثير من الأوروبيين الذين أقاموا في مدن الشرق، واتخذوا منها موطناً، وتوافدوا عليها تجاراً ورحالة وسائحين، منذ زمن بعيد.. وليس بغريب أن يظل الشرق مصدر إلهام لكل المبدعين حتى اليوم.
وفي كتاب "حياة الشرق: دُوله وشعوبه وماضيه وحاضره"، الصادر في طبعات عدة بينها طبعة وكالة الصحافة العربية بالقاهرة "ناشرون"، الكثير من الأفكار الحيّة والرؤى الثريّة، يُحدثنا محمد لطفي جمعة، عن أسباب انقسام الإنسانية إلى شطرين: الغرب والشرق، حيث يُشير إلى أن السبب في ذلك هو سعى أوروبا الذي استمر لقرون لاغتيال الشرق، واستغلال ثرواته ومقدراته ومصادر الحياة فيه وتسخيره لأغراضها، ومطامع دول أوروبا وقهرها لشعوب الشرق من سكان مستعمراتها – قبل أن تنال دول الشرق استقلالها وتتخلص من مستعمريها الأوروبيين - كما صنعت ذلك إنجلترا وفرنسا وإيطاليا.
كما يوضح لنا كيف بدأ الشرق يتنبَّه من غفلته ويستيقظ بعد طول الرقاد، وأصبح الشرق يرى لنفسه الحق في الحياة، أصبح الشرق بأُممه وشعوبه وأفراده وحكوماته يريد الحياة الحرة والسعادة المادية والمساواة بينه وبين أمم الغرب.
وكيف أن الشرقي وقف في وجه المستعمر، بعد أن عرف خفايا السياسة الأوروبية، وكيف رأى أنه لا أحد من أهل أوروبا له الحق في التسلط على بلاده. خاصة بعد أن أصبحت العلوم والمبادئ والفلسفة ملكًا مَشَاعًا للجميع، وليس في خزائن الغرب أسرار خفية غامضة، ولا المعاهدات السرية التي كانت غايتها التواطؤ بين ممالك أوروبا على اغتيال الشرق واللعب بمقدَّراته، والتي نُشرت كلها على الملأ وأصبحت خبرًا مذاعًا.
وقد توقّف محمد لطفي جمعة في كتابه، أمام التجربة اليابانية التي وجد فيها مثالاً يُحتذى، وكيف أن اليابان – بلاد الشمس المشرقة كما يصفها - قد فاجأت العالم بيقظتها وقوَّتها وقدرتها على هضم الحضارة الحديثة، مع التمسك بوطنيتها وجنسيتها ومعتقداتها.
ونقل لنا ما كتبه في ذلك الأمير شكيب أرسلان حيث قال: "رائحة التَّفَرْنُج تؤذيني، فالتفرنج لا يفيد شيئًا، والتعلُّم غير التفرنج، واليابانيون تعلموا وبقَوْا يابانيين بجميع عواطفهم وأطوارهم وأوضاعهم. والإسلام قوة معنوية عظيمة لا حد لها"
واعتبر محمد لطفي جمعة، أن نهضة الشرق ليست نهضة دينية مقصورة على يقظة الشعوب الإسلامية، ولا جنسية قاصرة على نهوض الأمم العربية، بل هي نهضة إنسانية عامة مثلها كمثل دبيب الحياة الذي يسري في الأجسام بعد طول سُقْمها فهو البُرْء يتمشَّى في البدن المريض، وبداية النَّقَاهة التي تبشِّر بالشفاء التام، بل هي تحقيق الحلم القديم الذي رآه بعض رجال الشرق المُلْهَمين، أمثال المغفور لهم جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومصطفى كامل وإسماعيل عضبرنسكي ومحمد عبده وعبد الله النديم وغيرهم.
ورأى أيضاً أن المسلمين والعرب يقطنون أوطانًا من أخصب الأرض وأغناها، من الدار البيضاء وطنجة غربًا مروراً بأم القرى ومن حولها، عبوراً إلى شرق آسيا، يؤمنون بعقيدتهم وكتابهم المنزل، ناطقون بالعربية ومحبون لها، وهم بطبيعة الحال قوة عظمى لا يُسْتهان بها".
وقد نادى مؤلف كتاب "حياة الشرق: دُوله وشعوبه وماضيه وحاضره"، في زمن مُبكر بنهضة ووحدة الشرق، من أجل أن يكون له إسهامه في نهضة العالم، مُعتبراً أن تقهقر الشرق وبلاده، هو خسارة للإنسانية جمعاء، ودعا إلى سيادة المحبة بين جميع الأمم، وأن يشترك الشرقيون في خدمة الحضارة مع أوروبا، باعبتار أنهم من أرباب المدنيات القديمة في العالم، ولأنهم علموا أوروبا العلوم والفنون التي أنتجت المدنية الأوروبية، كما أثبت ذلك درابر وجوستاف ليبون وسدليو وإدوارد براون وعشرات غيرهم.
وشدد محمد لطفي جمعة في زمن مبكر على أن الشرق لا يريد حربا ولا الدخول في صراعات وحروب، بل يُريد سلامًا وحريةً وإخاءً، وأكد على أن هذا هو المثل الأعلى الذي ينشده الشرق.
وننقل من الكتاب قول مؤلفه محمد لطفي جمعة: "إننا إن طلبنا للشرق نصيبه في الحياة، وأَلْحَحنا في ضرورة إحلاله محله في ضوء الشمس، فلا نطلب ذلك مبالِغين ولا متعنِّتين، ولكن نطالب به متمشِّين مع روح العصر، فقد تغيرت الدنيا ومن عليها، وتطورت الأفكار العامة والخاصة في جميع ناحياتها".
ولفت "جمعة" في كتابه إلى أن الإسلام حضارة ومدنية ونظم سياسية واجتماعية، كما هو دين وعقيدة، والإسلام دولة وعدل وقانون وفلسفة في الحياة كما هو تعاليم سماوية، ولا ريب في أن أمة تَدين بالإسلام ليست في حاجة إلى غيره من النظم الوضعية.
وقال بأنه يكفي للمسلمين أنهم يتفهمون مبادىء دينهم، ويخلصون لأنفسهم ولأممهم، ويحييون قيم الشرق بلا تعصب، وأن تعصبوا فإنما يتعصبون لأجل الإنسانية والرحمة، وللمدنية والحضارة والتسامح والغفران، ونوّه إلى أن تلك هي المبادئ السامية التي جاء بها الإسلام ونشرها في جميع أنحاء العالم، فقد كانت غايته الأولى عِتْق الأفكار وتحريرها وإطلاق أعناق البشر من رِبْقَة العبودية للأرباب والأوثان والظالمين، ومن مبادئه.
وفي حديثه عن الشرق العربي، قال محمد لطفي جمعة، "إن الشرق العربي كما ترى بلاد كبيرة واسعة الأكناف، من أخصب بلاد العالم مع اعتدال في هوائها وطباع أهلها، فضلًا عن أنها كلها في وسط المعمور وعلى طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وكانت كلها قديمًا بلاد الحضارة والأديان المنزَّلة والعمارة والزراعة والصناعة والتجارة ومركزًا للعلم والأدب والفنون، وليس ما يمنع أن تعود إلى ما كانت عليه من العظمة والغنى".
ونضيف بأنه إذا كان الشرق بوجه عام، قبلة لفناني أوروبا ورحّالتها ومستشرقيها، فإن الجزيرة العربية، وصحرائها كانت أيضا قبلة للكثير من المستشرقين، والرحالة، والمستكشفين، وعشاق المغامرة.
وكانت الجزيرة العربية، عنوانا للكثير من المؤلفات الغربية، وكانت الصحراء العربية في المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، وما يحيط بهما من بلدان، بجانب دمشق وبغداد، موضوعا لمؤلفات كثير من المستشرقين.
ونذكر من بين تلك المؤلفات التي أثرت المكتبة الغربية، وقدمت للباحثين في أوروبا، الكثير من المعلومات والتفاصيل عن الجزيرة العربية، وجغرافيتها، وحياة الناس فيها، وتاريخها وحضارتها، نذكر كتاب " الحج إلى نجد " لمؤلفته " آن بلنت "، والتي استطاعت بحسها الأدبي، أن تقدم ما يمكن اعتباره أول وصف تفصيلي عرفه الغرب عن حياة البدو وبيئتهم التي أدهشت " آن بلنت " التي باتت مسحورة بتلك الحياة وتلك البيئة، فقدمت عبر كتابها بلغة رحلة لا تخلو من الإثارة ومن الدهشة، وسعت محايدة لتقديم صورة للبيئة النجدية في القرن التاسع عشر.. وروت فيه الكثير من التفاصيل عن كرم العرب، وفروسيتهم، وعن الخيل والإبل ومكانتها ودورها في حياتهم.

