مكة المُكرّمة كما رآها جون لويس بوركهارت
حجاج سلامة
جون لويس بوركهارت، رحّالة ومؤرخ سويسري، خرج من أوروبا قاصداً افريقيا بهدف العثور على مدينة تمبكتو عاصمة إمبراطورية مالي الغابرة، والتي تعددت مُسمياتها في كتب الرحّالة والمؤرخين فعرفت باسم "المدينة الضائعة"، وعرفت كذلك باسم "مدينة الذهب والعبيد"، ومُسميات أخرى.
لكن رحلة بوركهارت التي جاءت بتكليف من الجمعية الأفريقية في بريطانيا، وكانت تتضمن الذهاب إلى القارة السمراء واستكشاف المناطق الواقعة على أطراف نهر النيجر، صعوداً مع مجرى النهر على أمل الوصول إلى مدينة تمبكتو التي كثيراً ما شغلت أذهان المستشكفين الأوروبيين، وذلك لاقتران اسمها بالذهب والثراء.
ولمّا لم يكتب لجون لويس بوركهارت تحقيق الهدف الأصلي من رحلته إلى افريقيا، فقد توجّه إلى الجزيرة العربية وبلاد الحجاز، وهناك دوّن الكثير من مشاهداته ويومياته خلال تجواله بين مناطق الجزيرة العربية ومدن المملكة العربية السعودية.
وهنا نتوقف مع ما كتبه "بوركهارت" عن مدينة مكة المُكرّمة، ووصفه لها ولأحيائها، والحياة اليومية فيها، والتي دونها في كتابه الشهير "رحلتي إلى جزيرة العرب: وصف بعض أقاليم الحجاز المُقدّسة لدى المسلمين"، معتمدين في ذلك على النسخة التي ترجمها الدكتور هادي عبدالله الطائي، وصدرت عن دار السويدي في أبوظبي، ومنشورات المتوسط في إيطاليا، وذلك ضمن سلسلة الكتب الفائزة بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (قسم الرحلات المترجمة).
ألقاب نبيلة
في البداية يُحدثنا جون لويس بوركهارت - الذي عُرف لاحقاً بإسم إبراهيم بن عبدالله – عن تمجيد العرب لمدينة مكة بإطلاق العديد من الألقاب النبيلة عليها، وأكثر تلك الألقاب شيوعاً مثل أم القرى، والبلد الأمين، ويُشير إلى ما دوّنه الفيروزآبادي، مؤلف القاموس الشهير، من الأسماء المختلفة لمكة.
وحدّثنا كذلك عن موقع وجغرافية مكة المُكرّمة، فقال: "إن هذه البلدة تقع في واد ضيّق ورملي واتّجاهها الرئيس من الشِّمَال إلى الجنوب، ولكنها بالقرب من ضاحيتها الجنوبية تميل نحو الشمال الغربي. ويتراوح عرض هذا الوادي من مئة إلى سبعمئة خطوة، ويقع الجزء الرئيس من البلدة في المكان الذي يبلغ عرض الوادي فيه أقصاه... وتوجد في الجزء الضيق من الوادي صفوف من البيوت المنفصلة بعضها عن بعض ومن المتاجر المتّصلة. وتغطّي البلدة نفسها منطقة يبلغ طولها ألفاً وخمسمئة خطوة، بدءاً بالحَيِّ المسمَّى بحَيِّ الشبيكة وحتَّى أقصى نقطة في المنطقة المعروفة باسم المعلاة، ولكن المساحة الكاملة للمنطقة التي يعتقد بأنها خاضعة لسيطرة مكة والممتدة من ضاحية جرول التي هي مدخل القادمين من جُدَّة إلى ضاحية المعابدة على طريق الطائف تبلغ ثلاثة آلاف وخمسمئة خطوة.. ويبلغ ارتفاع الجبال التي تحيط بهذا الوادي (والذي كان يسميه العرب وادي مكة أو وادي بكة قبل أن تُبنى فيها مدينة مكة من مئتين إلى خمسمئة قَدَم، وهي جرداء تماماً وخالية من أي أشجار وتقع السلسلة الرئيسة منها على الجانب الشرقي من المدينة؛ وينحدر الوادي نحو الجنوب انحداراً خفيفاً، حيث يقع الحَيُّ المعروف باسم حي المسفلة (أي المكان المنخفض).
مياه الأمطار
واضاف "بوركهارت" بأن "مياه الأمطار التي تسقط على مكَّة تسير جنوباً نحو المسفلة، ومن هناك تنتشر داخل وادٍ مفتوح يُدعَى وادي الطرفين. وتقع معظم أجزاء البلدة في الوادي نفسه، ولكن هناك أجزاء أخرى بنيت على جوانب الجبال، وبصورة أساسية على جوانب السلسلة الشَّرقيَّة، والتي على ما يبدو كانت موقعاً لمساكن قريش البدائية وموقع البلدة القديمة نفسها".
ووصف الرحّالة والمؤرخ السويسري مدينة مكة المُكرّمة بأنها مدينة جميلة، شوارعها بصفة عامة أعرض من شوارع المدن الشرقيَّة الأخرى؛ ومساكنها مرتفعة ومبنية من الحجر، وفيها نوافذ عديدة تواجه الشوارع مما يمنحها مظهراً حيوياً وأوربياً بدرجة أكبر من شوارع مصر أو سورية التي لا توجد في بيوتها إلَّا القليل من النوافذ المطلة نحو الخارج.
ولفت إلى أن العديد من منازل مكة (كما هو الحال مع جدة) ذات ثلاثة طوابق والقليل منها مطلي باللون الأبيض، ولكن اللون الرمادي الداكن للحجر كان هو اللون المفضّل على اللون الأبيض المتوهج المستخدم في جدة، وبيّن أنه في معظم مدن الشرق تكون الشوارع ضيّقة، لأن ذلك يساعد على خفض درجات الحرارة فيها؛ وفي البلاد التي لا تُستخدم فيها العربات المُدَوْلَبَة يعد عرض الشارع كافياً ومناسباً إذا سمح لبعيرَيْن محمَّلَين أن يجتاز أحدهما الآخر. غير أنه في مكَّة كان لا بدَّ من ترك ممرات واسعة للأعداد الكبيرة من الزوار الذين يحتشدون هناك، وأمَّا البيوت المُعَدَّة لاستقبال الحجاج والنزلاء الآخرين.
وأوضح لنا جون لويس بوركهارت، بأن نوافذ البيوت كانت تُبنى بطريقة تتَّجه إلى الخارج وتطلُّ على الشوارع. وأن مدينة مكَّة مفتوحة من كل جانب، ولكن الجبال المجاورة لها شكّلت حاجزاً منيعا في وجه أي عدوان، وأنه كان لمكة فى الأزمان السابقة ثلاثة أسوار لحماية حدودها؛ وقد بنى أحدها عبر الوادي في شارع المعلاة، والآخر في حي الشبيكة، والثالث في فتحة الوادي عند المسفلة.
وأشار إلى أنه تم إصلاح أسوار مكة مرتين، وأن المرّة الأولي كانت فى سنة 816 هجرية، والمرّة الثانية في سنة 828 هجرية.
الحياة في موسم الحج
وروى "بوركهارت" كيف كانت تدب الحياة خلال موسم الحج، في العدد الكبير من المحال التجارية الممتلئة بالسلع والتي تكثر في كلّ حي من أحياء مكة.
وأرجع قلّة المباني العامة والكبيرة في مكة، إلى التبجيل الذي يكنه سكانها للمسجد الحرام، حيث يمنعهم ذلك من بناء أي صرح قد يبدو أنه ينافسه. وبيّن أن طريقة البناء في مكَّة هي نفسها الطريقة المعتمدة في جُدَّة، مع إضافة نوافذ مُطلّة على الشارع، والعديد من هذه النوافذ تبرز من الجدار ولها إطار منحوت بإتقان أو تكون مطليَّة بالدهان بشكل مبهرج.. كما وصف كيف تُعلَّق أمام النوافذ ستائر مصنوعة من القصب الخفيف لمنع دخول الذباب والبعوض، في حين تسمح بدخول الهواء النقي.
ونوّه إلى أنه كان لكل بيت شرفة أرضيَّتها مبنية من خليط من الأحجار الكلسية، وهي منحدرة انحداراً خفيفاً حتَّى يسمح بمياه المطر بالجريان فوقها لتصب في مجاري الشارع.
بالقرب من مدخل مكَّة من جهة جُدَّة، وعند الاستدارة حول زاوية واد مغطى بالرمل والحصى، يستطيع المسافر أن يشاهد برجين مدوّرَيْن شيَّدهما الشريف غالب للدفاع عن عاصمته. ويمكن مشاهدة أبراج مشابهة عند المداخل الأخرى للمدينة، وهذه الأبراج واسعة بما فيه الكفاية لاحتواء نحو عشرين رجلاً. ونظراً إلى أن التلال قريبة جداً من مدخل مكَّة تشرف هذه الأبراج على الممر . وكانت توجد هنا في السابق على ما يبدو بَوّابة، وبالقرب منها مبنى صغير يتّخذه ضباط الشريف مقراً لهم، حيث يقومون بجمع الرسوم المفروضة على السلع وغيرها من المواد التي تنقل إلى داخل البلدة.
كما تحدّث "بوركهارت" فيما دوّنه في كتاباته خلال فترة إقامته بمكة المكرمة، عن حارة جرول. وقال إنها تتكوَّن من مخيَّم في الجانب الأيمن، حيث – كان - يعيش البدو الذين يتولون تجارة النقل ما بين مكَّة وجُدَّة؛ وينتمي هؤلاء إلى قبائل حرب والمطرفي واللحاوي.
المتاجر والمقاهي
وتابع بأن اسم الشارع يتغيَّر بعد حارة جرول ويصبح حارة الباب، حيث يزداد الشارع عرضاً ويوجد فيه العديد من البيوت الجيّدة. ويؤدي الشارع بعد ذلك إلى حيّ الشبيكة الذي يمتد بصورة رئيسة إلى اليمين، وأنه يوجد عدد من البيوت الجيّدة في حيّ الشبيكة الذي يُعدُّ من أنظف أحياء البلدة... ويوجد هناك صفّ من المقاهي في الشارع الرئيس الذي ينطلق منه كلَّ مساء البريد والرسائل محمولة على الحمير إلى جدّة. وأكد على أن هذه هي الخدمة البريدية الوحيدة التي شاهدها في الشرق، إلى جانب خدمة البريد القائمة بين الأوربيين في القاهرة، والتي تعمل بينها وبين الإسكندرية. غير أن تسليم الرسائل هناك أقل انتظاماً مقارنة بمكّة، حيث يتم استيفاء سعر زهيد يبلغ بارتين لكلِّ رسالة، ويضاف المبلغ نفسه بالنسبة إلى الشخص الذي يوزع الرسائل الواردة من جدة.
وقال بأنه يعيش في المقاهي آنفة الذكر سماسرة القوافل الذين يقوم البدو من خلال وساطتهم بتأجير جمالهم لقطع الرحلة إلى جدة والمدينة.
وحدّثنا جون لويس بوركهارت – كذلك – عن الحيّ المعروف باسم حارة باب العُمرة التي يسكنها عدد من الأدلاء المعروفين باسم المطوّفين، كما يوجد فيها عدد كبير من الحجاج وبخاصة من تركيا . والشوارع فيها ضيّقة وقذرة بدرجة كبيرة، ولكن الحجاج يفضّلون هذا الحيَّ لأنه الأرخص من بين الأحياء القريبة من الحرم، وهم يحرصون على الإقامة فيه حتَّى لا تفوتهم الصلاة؛ وقال بأنه "يمكن مشاهدة الرجال في منتصف الليل وهم يهرعون إلى المسجد ويقومون بالطواف حول الكعبة، ويقبلون الحجر الأسود، وينطقون ببعض الأدعية، ويشربون من ماء زمزم، ثمَّ يعودون إلى فراشهم للنوم".
وبالقرب من باب الحَرَم المسمَّى باسم باب العُمرة ، والذي منه يأخذ هذا الحي اسمه، توجد بناية فسيحة كانت في الأصل مدرسة عامة، ورجّح أن تكون هذه المدرسة التي بُنيت بالقرب من باب العُمرة سنة 814 هجرية بناء على أوامر أمير البنغال منصور غيث الدين أعظم شاه.
وهكذا جاء ذكر مكة وعمارتها وما بها من أحياء ومبانً وأسواق، وما عرفته من تجارة كانت أكثر ازدهاراً في موسم الحج، حيث قدّم لنا صورة واضحة عن المدينة وجغرافيتها ومظاهر الحياة فيها، وما تحظى به من مكانة في قلوب الناس على مر الأزمنة.

