مستقبل الإعلام الورقي .. في ظل تنامي المد الإعلامي الإلِكترونيّ
*إعداد ومتابعة فوزية محمد الجلال
تظل المسألة المعرفية جدلية بين الإعلام الورقي ذي التجربة الاتصالية المديدة، وبين الإعلام الإلِكترونيّ الذي يطارد هذه التجربة، ويهددها ويسعى لإزاحتها مستثمراً وسائطه الاتصالية التقنية الحديثة
فقد أعلن متحدثون عن خسارة الصحف الورقية المعركة مع الصحف الإلِكترونيّة، ونهاية عصر الورق والحبر، خصوصاً وأن عشرات الصحف الكبرى والتاريخية في العالم أقفلت أبوابها، بعد إشهار إفلاسها، مشيرين إلى أن ٣٠٪ من الصحف الأميركية إما أعلنت بيعها أو معروضة للبيع ، منبهين إلى أن أزمة الصحافة الورقية ستعصل إلى الشرق الأوسط خلال السنوات القريبة . جاء ذلك في المؤتمر الإعلامي الدولي الأول الذي انعقد في العاصمة الرياض في الفترة ٢٣- ٢٤ جمادى الأولى ١٤٣٠هـ / ١٨-١٩ مايو ۲۰۰۹، والذي ناقش مستقبل الصناعة الإعلامية والصحفية، الورقية والإلِكترونيّة، كما نادوا بضرورة ردم عجوة الخوف من انحسار سوق الصحافة الورقية أو المقروءة أمام طغيان وشعبية الإعلام والصحافة الإلِكترونيّة، وإن رَبط الأمر بضرورة أن يتناغم الورقي مع التقنيات الحديثة، ومعانقة التطور التقني في جديده الذي يكاد يكون يومياً .
على الجانب الآخر طرح خبراء إعلاميون رؤية تفاؤلية لمستقبل الصحافة المطبوعة في المنطقة العربية بالرغم من الانتشار الواسع للصحافة الإلِكترونيّة إقليميا وعالميا . من خلال الدورة الثامنة لمنتدى الإعلام العربي الذي عقد في مدينة دبي في الفترة ۱۱-۱۳ مايو ۲۰۰۹، وبين هذين الحدين، تستطلع أحوال المعرفة آراء عدد من المثقفين والكتّاب والإعلاميين وأصحاب المدونات والمتخصصين في المعلوماتية والمكتبات، لاستطلاع آرائهم عن مستقبل الإعلام الورقي (الصحف والمجلات) في ظل انتشار وازدهار صناعة الإعلام الإلِكترونيّ، عبر المحاور التالية:
هل يبالغ من يرى ألا مستقبل لاستمرار الصحف والمجلات الورقية؟ وأنه آن الأوان لإعلان نهاية حقبة الصحافة المطبوعة؟
وهل يغالي من يقتنع أن لا شيء سيتغير وأن القارئ والمعلن لن يبدلا مواقفهما من الإعلام الورقي؟
وهل توارت الرموز والنخب من الواجهة الكتابية لحلول الشباب مكانهم في ظل تنامي الاهتمام بمتابعة المدونات والمنتديات والمواقع الإلِكترونيّة؟
عصر جديد
يؤكد الدكتور عبد الله بن أحمد الفّيفي عضو مجلس الشورى السعودي، الكاتب وأستاذ النقد الحديث بجامعة الملك سعود أن العصر الذي نعيش فيه، هو عصر التقنية والنشر الإلِكترونيّ. ومن يرى غير ذلك فهو يغرّد خارج التاريخ والعالم! ويشدد بأننا، ونحن تشهد تطوّر الكتابة اليوم من عصرها الورقّي إلى عصرها الإلِكترونيّ، لا يشكّ المتابع، ذو الحسّ بإيقاع اللحظة، أننا على مشارف انقضاء حقبةٍ وميلاد أخرى انقضاء حقبة الصحافة الورقّية وميلاد حقبة الصحافة الإلِكترونيّة. وفي هذا الميدان تتكسر الحواجز، وتُتَخطََّى خطوط الرقابة، ولا تبقَى هنالك إلاّ مسؤوليِّة الكاتب والمحرّر والمشرف، في توخّي الأمانة والصِّدق، والحفاظ على الذوق العام، وحقوق الآخرين الفكريّة والأدبية والاجتماعيّة.
لقد كانت التطلعات لدى كثير من الأفراد، والجهات، والمناطق، تتّجه إلى قيام صُحف تحمل هموم الناس، وتوصل أصواتهم، وترفع آمالهم، وتعبر عن طموحاتهم، وكان تحقّق ذلك- وفق معايير العصر الورقيّ- ما ينفك في تعثّر، لأسباب كثيرة ،حتى جاء الفتح الإلِكترونيّ ليحقّق ذلك كلّه، بل ليُحقّق ما هو أعظم من ذلك كلّه، حيث إن الصحيفة الإلِكترونيّة أكثر انتشارًا من الصحيفة الورقيّة، وأسرع وصولاً إلى العالم أجمع، وأبقَى لمن يريد استرجاع ما سَلَف في تاريخها. وأسهل لمن يبحث عن المعلومة أو يتابع الخبر. بل إن الصَُحف الورقيّة نفسها قد باتت صُحفاً إلِكترونيّة، وتقلّص حجم مبيعاتها التقليديّة، وسيتوالى تقلّصه على نحو يُنذر. إنَ عاجلاً أو آجلاً، ببوار السلعة القديمة، أو انحسارها في نطاقٍ يضيق يوماً بعد يوم.
كما أن التعليم- بوصفه منبثق التواصل المعرفي- يتّجه اليوم إلى التعليم الإلِكترونيّ، وإنَ كان واقع التعليم الإلِكترونيّ في المؤسسة التعليميَة العربيَة ما يزال متخلفا، أو دون الدرجة المطلوبة بكثير. والسبب أننا هنا نعاني من أمّيّة إلِكترونيّة. تشبه الأمّيّة الكتابيّة إبان الانتقال من العصر الشفاهّي إلى العصر الكتابيّ. وهي أمّيّة جيل مضى، بما فيه بعض أعضاء هيئة التدريس الجامعيين; من حيث إن التواصل المعرفي الإلِكترونيّ ليس أجهزة، بل هو قبل ذلك فكرٌ وثقافة ومهارة. لقد أخذت الجامعات- في الولايات المتحدة الأمريكّية تحديدًا - ومنذ وقت مبكر، تدير العمليّة التعليميّة في كثير من جوانبها عبر الشبكة الإلِكترونيّة، بما في ذلك إجراء الاختبارات وتقويم مستوى الطلبة. هذا فضلاً عن الإفادة من النشر الإلِكترونيّ في إتاحة الكتاب للطالب والباحث مجّاناً مع ربط الطالب بأساتذته. وتسهيل الوصول إلى مكتبات الجامعة وأوعية معلوماتها عبر لوحات المفاتيح الحاسوبيّة وعلى مستوى الكتاب بعامّة، قد بات بإمكان القارئ أن يحصل على مكتبة كاملة في قرصٍ حاسوبيّ، أو من خلال موقع إلكتروني.
ولم تعد جدوى إذن من الجدال اليوم حول وصول الكتاب إلى القارئ، ما دامت ثورة الاتصالات الحديثة قد أضحت كفيلة بجعل الممنوع أو المرغوب متاحًا لمن شاء. وكلّ هذا يأتي مهاد عصر إلِكترونيّ جديد على كلّ المستويات، وما الإعلام بوسائله المقروءة إلا قطاع واحد من قطاعات التواصل في هذا العصر المختلف.
إن العصر الإلِكترونيّ إذن ماثل بين أيدينا الآن، لا ينفيه أن يظلّ الأمر لدينا في تردّد حضاريٌ، ولا أن لا يدع العربُ الحنينَ إلى المألوف، تنازعهم النفوس إلى ما اعتادته من دهرها الأوّل. خارج عقليّة العصر الذي نعيش فيه، عصر التقنية والنشر الإلِكترونيّ، حتى إنَ هناك من لا يكف اليوم عن التغني برائحة الورق، وعطر الأحبار، يعاقر الصفحات وربو الغبار.. وله ذلك، إلا أنه سيظل- في تقديري- يغرّد خارج التاريخ والعالَم.
المد الإلِكترونيّ
أما الدكتور سعد الزهري مدير مركز معلومات وزارة البترول والثروة المعدنية بالرياض، والرئيس الأسبق للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، فقد طرح رأيا منهجيا عنونه بـ الإعلام التقليدي يتشبث بالبقاء، في ظل تنامي من الإعلام الإلِكترونيّ حيث بين أن التقدم العلمي في مجال النشر الإلِكترونيّ وما أفرزته تقنية الاتصالات Communication Technologies وتقنيات المعلومات Information Technologies خلال السنوات العشر الأخيرة قد أثر في حياة الناس بشكل كبير وفي سلوكياتهم وفي أنماط حياتهم وبخاصة فيما يتعلق بالنشر والإعلام، إن كثيراً من الناس اليوم يطالعون الصحف على مواقعها الإلِكترونيّة، عوضا عن التهافت للبقالات والمكتبات وصناديق التوزيع للبحث عن الصحف الورقية، وهذه حقيقة لامواربة فيها ولا جدال، يعززها ما يمكن أن تدلي به شركات التوزيع من إحصاءات دقيقة للمبيعات.
والنشر الإلِكترونيّ بمفهومه العام والأشمل لا يقتصر فقط على نشر الصحف والمجلات الإلِكترونيّة، وإنما يتعدى ذلك إلى نشر الكتب العلمية والمراجع الحقائقية Facts and Yearly Books وخلاف ذلك، وهذا النوع من النشاط (النشر الإلِكترونيّ) قد مر بمراحل ستعرض لها، ونربط كل ذلك بما له علاقة بالإعلام الإلِكترونيّ من جهة، وبالمستفيدين منه والقائمين عليه من جهات أخر.
لمحة تاريخية:
جاء النشر الإلِكترونيّ بشكله الحالي نتيجة لجهود كبيرة وكثيرة استثمرت التقدم التقني الكبير الذي كان حصيلة عقود من البحوث والتجارب التطبيقية الحاسوبية، إن من يعود بالذاكرة قليلا لينظر كيف استقبلنا أجهزة النسخ/ الكتابة الإلِكترونيّة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات Electronic Typewriters والتي كانت المعالجة الكلمات فقط Word Processing سيدرك حجم التطور التقني الذي نعيشه اليوم. كما أن استخدام أقراص الليزر CD ROMS أواخر الثمانينيات في نشر كشافات الدوريات) الببليوجرافيات (ومن ثم لكامل النصوص، سيحمد لهذه الفترة هذا التقدم الذي أفرزته الانترنت والنشر عليها، وسيثمن كثيراً وجود الصحف والدوريات الإلِكترونيّة التي ينعم بها كثير من الناس .من يعود إلى الثمانينيات ويقارن ماكان يفعله للوصول المقالة في الوول ستريت أو القارديان والجهود التي كانت تبدل للوصول لهما أو لغيرهما ، وكيف بلمسة زر اليوم نتصفح مختلف الدوريات على مستوى العالم، لاشك سيثمن للإنترنت والنشر عليها هذه الإمكانات التي كانت كالخيال.
الإعلام الإلِكترونيّ بين الحاضر والمستقبل:
1), خطت صحفنا ودورياتنا المحلية وأيضا العربية بمجملها خطوات مهمة - ولكن بدرجات متفاوتة فيما بنيها -نحو استثمار التقدم التقني بشكل جيد، وأفادت في جذب شريحة كبيرة من المستفيدين / القراء إلى مواقعها وجعلهم جزءاً من تركيبة القراء الملتزمين من خلال إتاحة خواص التعليق على ما ينشر فيها من آراء. ومن المعلوم أن أهم ميزات الإعلام الإلكتروني هو ذلك التفاعل بين القارئ والصحيفة، ليس فقط التوثيق الصلة بين القارئ والصحيفة، وإنما للإفادة من رؤى القراء التي كثيرا ما تضيف للمادة وللرأي أبعادا أخرى، بالإضافة إلى أنها جس نبض رائع لانطباعات الشارع تجاه ما يطرح من قضايا.
ثقة القراء بالصحافة الإلِكترونيّة:
2) ولكن لاتزال هناك شكوك لدى بعض الناس أن الصحف لا تنشر كل الآراء، وبخاصة التي لا تتوافق كثيراً معها أو مع ما يطرح فيها أو التي تخشى أن توجد " صداما " مع بعض مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية تعزيز الثقة بين الصحيفة والقارئ من خلال طرح كل الرؤى- حتى المختلفة والمتطرفة- إذ إن مناقشة المتطرف منها لتصحيحها خير من كبتها أو تجاهلها.
هل تأثرت الصحافة التقليدية:
3) نعم لقد تأثرت الصحافة الورقية (التقليدية) جراء هذا التقدم الذي تعيشه الصحافة الإلِكترونيّة، ولكن تظل شريحة القراءة الورقية " تتلهف" للصحف الورقية، وستستمر هذه الشريحة- في الغالب -في متابعتها للصحافة الورقية. أما جيل الشباب فيميل إلى القراءة الإلكترونية السريعة، ولذا في الإعلام الإلكتروني يجب أن يراعي هذه الذائقة وهذه الخواص التي تتشارك فيها فئات المجتمع التي تتابع الاعلام الإلكتروني (الشباب والنساء).
أما الصحافة الورقية- ففي تصوري- آن تركيزها على الرأي والتحليل أكثر من الأخبار- سيكون أمراً في غاية الأهمية ذلك أن الاعلام الفضائي والإلكتروني أكثر نجاعة من الصحافة الورقية في التعاطي مع الأخبار.
الإعلان ودوره في حياة الإعلام التقليدي:
4) سيبقي المعلن شريكا أسياسا في حياة الصحافة الورقية إذ لا يزال يدعم الصحافة الورقية بشكل كبير. إن وجود الاعلان في الصحافة الورقية أهم وأكبر من وجوده في الصحافة الإلكترونية، إذ لا يزال المعين يثق كثيراً في الصحافة الورقية وفي توزيعها.
كما أن هناك سببا آخراً في وجود المعلن في الصحافة الورقية بشكل أكبر يتمثل في "نمط" الأعمال في الشركات المعلنة، ففي الغرب -حيث تتعامل الشركات كلها إليكترونيا فيما بينها ومع زبائنها- لا تتردد في الإعلان الإلكتروني الذي يقود الزبون من الصحيفة الإلكترونية ( موقع الإعلان) الموقع الشركة الإلكتروني حيث يمكن له أن يتعرف إلى منتج الشركة إليكترونيا ومن ثم طلب ما يريد كذلك، إذا ما رغب في تنفيذ خدمة تناسبه.
مستقبل الصحافة الإلِكترونيّة:
5) هناك مستقبل واعد للصحافة الإلكترونية في السعودية ودول الخليج بشكل أكبر منه في بقية الدول العربية، وذلك أن سرعة وتيرة التقدم التقني في مختلف مجالات الحياة -الشركات والمؤسسات- يسرِّع بالتقدم الإعلامي الإلِكترونيّ في المنطقة. وخلال عشر سنوات على الأكثر ستكون الصحافة الإلِكترونيّة هي الرائدة والسائدة على مختلف الصعد، وبخاصة مع التطورات المتلاحقة والمتسارعة في تقنيات الاتصال وفي المعلوماتية، وما يتوقع بأن تحققه الحكومات والمؤسسات من تطورات تتناسب والمرحلة
تكامل
وفي ذات الوقت نجد الناقد والروائي والأكاديمي الدكتور سلطان بن سعد القحطاني قد انحاز للنظرة المتفائلة في مستقبل الإعلام الورقي، حيث قال بأن مجتمعاتنا العربية تعودت على الخوف من كل جديد يظهر على الساحة الفكرية والثقافية بشكل عام، وتردد القول السائد المكرر: لم يبق للورق من قارئ، ولا للحديث من مستمع، ولا للمسرح من مشاهد.
كل هذه النغمات تظهر كلما ظهر نوع من التقنية بجانب التقنية التقليدية، فعندما ظهرت التمثيلية الإذاعية في الأربعينيات من القرن الفائت، قالوا لن نجد للرواية قارئا. وعندما ظهر التلفاز، قالوا لن نجد للإذاعة من مستمع، ولا للمسرح من مشاهد ...... ولكن التجربة الواقعية على كل هذه الأنواع من الإعلام أثبتت عكس التوقعات والخوف، زاد الطلب على الرواية بعد تمثيلها، وتراجع المشاهد من المشاهدة إلى الاستماع، وأثبتت الدراسات الإعلامية كثرة المستمع وتراجع الشريط أمام البث الحي... وغيره.
واليوم تدور الشكوك حول الإعلام الورقي، ويظهر السؤال الكبير المحير: هل ستجد الجريدة من يشتريها، أمام الجريدة الإلِكترونيّة ؟!
ثبت بما لا يقبل الجدل أن هذه الوسائل يكمل بعضها بعضاً، وأن القارئ للجريدة الإلِكترونيّة يرجع إلى الورقية بما تثيره الأولى، ولو كانت الصحف الورقية تجد ضيماً من الإلكترونيات لما دشنت مواقعها على الشبكة، وأضرب مثالاً بنفسي، فأنا اقرأ العناوين يومياً من الصحف الإلِكترونيّة حول العالم، وأجدد اشتراكي في الصحف الورقية، ولا أستغني عنها البتة
أما الرموز فلم يتواروا إلا من اعتزل من تلقاء نفسه، والشباب يكملون دور الرموز الثقافية، والمستقبل لهم أكثر فرصة. وكثير منهم ظهروا من خلال الصحف الإلكترونية.
وختاماً أقول: إن هذه الوسائل الصحفية يكمل بعضها بعضاً، بل إن الصحيفة التي يأتيني خبر عن موضوع فيها ولا أجدها تنقذ الموقف الصحيفة الإلكترونية.
أرشيف للطوارئ
وفي طرح مختلف يرى الدكتور حسين المناصرة الكاتب وأستاذ النقد بجامعة الملك سعود ،أن الإعلام الورقي اليوم غدا مثل وسائل النقل القديمة، الجمال والبغال والحمام الزاجل، فقال:
ثمة إشكالية ثقافية معرفية تبدو مربكة - إلى حد ما - في سياق قراءة العلاقة بين شكلي الإعلام / الكتابة:
• الإعلام الورقي التقليدي، الذي غدا يشبه - إلى حد ما أيضاً - وسائل النقل التقليدية ( الجمال، والخيل، والبغال. والحمير الوديعة، والحمام الزاجل..). وما زالت هذه الوسائل محتفى بها ، وسيبقى لها في النفس إيقاع أو قيمة روحية أو نفسية مستقرة وساكنة، ومن ثم لا يمكن أن تتجاهل رمزيتها في الذاكرة ومحافل التكريم مستقبلاً !
• والإعلام الإلكتروني المتجدد والمتجمل يومياً بأزهى حلله وألوانه وسلاسته، وقدرته الفائقة على اختصار الزمن وتحجيم النفقة.
تبدو الوسائل الإعلامية الورقية في يومنا هذا تشبه سلحفاة في ساحة طراد الخيول، أو أنها عجوز طيبة لم تفقد سحرها وجمالها على الرغم من مرور السنين; فغدت أماً حنونة مألوفة; إن مازال الجملُ يحتفظ بأبوته للـ GMC كما تحتفظ الحمامة الزاجلة بأبوتها للطائرة النفاثة !!
في هذه الإشكالية المتضادة والمتداخلة نوعياً لا كمياً فحسب، تكمن - في المحصلة - المفارقة بين الإعلاميين; أي أن الإعلام الورقي سيبقى يحتفظ بأبوته للإعلام الإلكتروني، هذا الإعلام الأخير الذي غدا إعلاماً خارقاً في فرض سلطاته شبه المطلقة، وتحرره من كل القيود; وكأننا ما أن تذكر الإعلام الورقي حتى نستحضر مجموعة من المتاعب والطبقات الرقابية البيروقراطية بسلطات عديدة; كأنها نتين الحكايات الشعبية الصينية وبعشرة رؤوس; في حين لا رقابة فعلية على الكتابة الإلكترونية; فالكاتب سيد نفسه; والحراك الإلكتروني يمثل فضاءات شاسعة للتحرر والإنجاز معاً !!
ما أن يقف الكاتب متأملاً : كيف كانت علاقته بالإعلام الورقي مقابل علاقته بالإلكتروني، وكيف تحولت هذه العلاقة جذرياً من خلال الإعلام الإلكتروني ،حتى يكاد يضحك بصوت عالٍ من سذاجات تلك العلاقة المضنية والحميمة التي أقامها مع الإعلام الورقي، وأنها كانت حياة تقليدية محببة بكل معنى الكلمة، ولكنها كانت طفولية وساذجة مقارنة بالإعلام الإلكتروني، وكأنه كان فيها كمن يبهر بحكايات الجدات ، يوم كنّ يحدثنا عن الغولة وتحولاتها العجيبة ; وكأن الإعلام الورقي قد تحول بطريقة أو بأخرى إلى مجرد ذاكرة مثقلة بالعقبات، ثمّ لا بدّ لها ( أي الذاكرة) أن تغدو إلكترونية إن أراد الورق أن يحيا حياة جديدة ذات قيمة; إذ تتحول الصيغة الإعلامية الإلكترونية إلى ابنة حقيقية لعصرها ; فتغدو الحالة الإعلامية الجديدة معراة من أي حفر أو قيود تعودنا عليها في الإعلام الورقي... من هنا ستصبح الجريدة الورقية أو المجلة الورقية، بين أيدينا، كأنها تشبه ظرفاً طارئاً لا أصيلاً. أي ظرفاً طارئاً خلال زمكانية طارئية، يتعطل فيها "النت". أو ينقطع التيار الكهربائي، أو حالة نفسية هرب فيها الإنسان من نفسه ومن المدنية بكل صخبها، إلى صحراء نائية مفعمة بأدواتها البدائية!!
بكل تأكيد، سيصبح " مستقبل الإعلام الورقي (الصحف والمجلات) في ظل انتشار صناعة الإعلام الإلكتروني وازدهارها" مجرد أرشيف للطوارئ في مسيرة دينامية إلِكترونيّة خارقة وأسطورية، ومن ثمّ لا توجد أي مبالغة. أو تحديداً أن تنظر إلى " من يرى ألا مستقبل لاستمرار الصحف والمجلات الورقية" على أنه يبالغ في ذلك!! وبكل تأكيد أيضاً، إنه "يغالي من يقتنع أن لا شيء سيتغير، وأن القارئ والمعلِن لن يبدلا مواقفهما من الإعلام الورقي " ; لأن المستقبل سيغدو إلكترونياً من ألفه إلى يائه، وفي ضوء ذلك. لا بدّ من أن تتوارى " الرموز والنخب من الواجهة الكتابية الورقية لحلول الشباب مكانهم في ظل تنامي الاهتمام بمتابعة المدونات والمنتديات والمواقع الإلِكترونيّة "، كما جاء في أسئلة الإشكالية على أقل تقدير!!
وإذا كانت الصحف والمجلات الورقية في يومنا هذا، تحرص على تحقيق وجودها من خلال الثوبين الورقي والإلِكتروني; فإنها مستقبلاً ستعلن عن موت الثوب الورقي; ليستمر الثوب الإلِكتروني وحده، وأنه علينا أن نفهم أن المسألة الورقية في الإعلام هي مسألة مادية بحثة إلى الآن; إذ بالإمكان حفظ الحقوق المادية في الصياغة الورقية ، أكثر من حفظها في صياغاتها الإلكترونية، وبخاصة في مجالي الإعلان وحقوق النشر، علماً بأن هذه المسألة يمكن حلها مستقبلاً بطريقة أكثر إيجابية مما هي عليه في الإعلام الورقي; فتحفظ حينئذ الحقوق إلكترونياً، بأساليب أفضل مما كانت في حالتها الورقية .
وفي يومنا هذا ما زال هناك عدد كبير من المثقفين والإعلاميين والمتلقين، لا يتقنون أي وسيلة للتعامل مع أجهزة الحاسوب وتوابعها ;ولكن بعد خمس سنوات على الأكثر، لن يحظى من لا يتحول إلى إلكتروني بإرادته أو رغماً عنه بأي قيمة تواصلية مع ما حوله; إذ آنذاك (أي بعد خمس سنوات) لا أتوقع أن تبقى جريدة الرياض - على سبيل المثال - جريدة ورقية; حيث إنها - على الأغلب - ستكتفي بأن تكون جريدة إلكترونية ;وإن بقيت ورقية ;فهذا يعني أنها مجرد أرشيف ورقي لا أكثر ولا أقل في موازاة فاعليتها الإلكترونية.
علينا أن نعي مسألة في غاية الأهمية، وهي أنّ الورقية لم تعد ميزة بتاتاً، بل بالعكس يعد العبء الورقي وبالذات الإعلامي كارثة اقتصادية وبيئية وزمكانية... وأنه قد آن الأوان كي نجهض هذا الإعلام الورقي; لنحقق قفزة نوعية في منتجاتنا المتجددة: الصحيفة الإلكترونية، والمجلة الإلكترونية والكتاب الإلكتروني، والوثيقة الإلِكترونيّة ...!! وفي ظل هذا التوجه ينبغي وضع وثيقة شرف إعلامية تحفظ حقوق الكتاب والإعلاميين والرقميين، وبميزات أفضل مما كان الوضع عليه في العهد الورقي. ولا بدّ من أن ينتبه جيل الآباء الورقيين) الواجهة الورقية) إلى أن الزمن لم يعد زمنهم، وأنه عليهم أن يطوّروا أداءهم الإلكتروني، إن أرادوا أن يحققوا ذواتهم من خلال استمرارهم في العطاء والإنتاج. ومع ذلك كله سيصبح المنتج الإعلامي الورقي ظاهرة ترف إعلامية، فيما لو استمر في الصدور بجانب المنتج الإعلامي الإلكتروني!!
بقي أن أشير بخصوص مسألة حضور جيل الشباب في مقابل غياب جيل النخب الثقافية أو الرموز الثقافية في الحراك الإلكتروني...نعم ، لن يكون هناك في الإعلام الإلكتروني رموز أو نخب أو حتى أصنام ثقافية وإعلامية ;ستموت هذه الظاهرة، لتصبح الكلمة الإلكترونية أو الحكاية الإلكترونية هي البطل أو الرمز الفعلي، وستسحب الدينامكية الإلكترونية البساط من تحت الباحثين عن النخبوية أو الرمزية ;فرواية "بنات الرياض" على سبيل المثال، تميزت بصفتها رواية ،لا بصفة كون الكاتبة هي فلانة المغمورة أو المشهورة أو غيرها .... ويمكن ألا تنتج رجاء الصانع أي رواية فيما بعد لأن المهم هو الكتابة لا الأشخاص.
من هنا يصبح دور النخب الثقافية أو الإعلامية كدور راقصي العتمة; إن حاولوا أن يجسدوا نخبوية ما على طريقة ما يشاع عن" شللية الصحف" - على سبيل المثال - في العهد الورقي. اليوم نحن نتحدث عن مواقع ومدونات إعلامية، ولا يهمّنا من هم وراء هذا المواقع أو المدونات; بل إن كثيراً منهم يتخذ اسماً رمزياً غير اسمه الحقيقي!! وهذا يدل على أن الاسم الإلكتروني في مرتبة ثانوية قياساً إلى الفعل الإلكتروني أو الإعلام الإلكتروني.
ختاماً، أخلص إلى أنّ الزمن القادم هو زمن إلكتروني بكل معنى الكلمة، وأن التمسك بالورقية، وجعل الأولوية لها، يعد ظاهرة سلبية ; ليست بأقل من أن يترك الإنسان ركوب الطائرة ليركب الجمل في أسفاره!! ولا باس مرحلياً ، نتيجة تدني نسبة الإلكترونيين في العالم العربي، من أن يكون الإعلام ورقياً وإلكترونيا في الوقت نفسه ،والمهم في المحصلة أن يتحول كل شيء إلى إلكتروني; لأن العصر هو عصر انفجار المعرفة الإلكترونية !!
استراتيجية النعامة
وبدت الأستاذة الدكتورة ليلى صالح زعزوع الكاتبة والأكاديمية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، مطمئنة لواقع ومستقبل الصحافة الورقية وأوضحت رأيها حول هذه الجدلية بقولها أنه ((يظهر لنا الواقع الحالي في مجتمعنا السعودي والعربي أن الصحافة الإلكترونية لا تقارن مع الصحافة الورقية من حيث عدد القراء، لأننا مجتمع لا يستخدم وسائل الاتصال بالنت في كل منزل ناهيكم عن خصائص اجتماعية واقتصادية أخرى واذا حددنا متى نقرأ؟ وكلنا نقرأ صحفنا في المنزل فمن هنا يظهر لنا بأن مجتمعنا غير جاهز.
ناهيكم عن أن حتى الأجهزة القارئة للنصوص مثل كندل (المازون) على سبيل المثال وغيره فهو بلغة لا يدعم العربية مع الأسف ولا ننسى أن الحاكم والناهي هو الإعلان رغم أن الإعلانات بدأت تأخذ طريقها على النت لكنها اقتطعت جزءاً بسيطاً ولا ننكر أن المواقع الإخبارية سهلت قراءة الصحف على النت بل وأهم من كل ذلك عملية حفظ واسترجاع المعلومة والبحث عنها وخلال السفر أصبحت همزة وصل كما أن الاشتراك في المواقع الإخبارية بأنواعها ساعد على القراءة عبر النت لأن من الصعب شراء كل الصحف الصادرة
إننا لا نريد عمل مقارنات مع دول العالم فلا مجال للمقارنة فهناك نمو سريع ومفزع للصحف العالمية وهناك صحف تحولت كليا على النت لأن مجتمعاتهم لديها بنية تحتية تخدمهم لشبكات اتصالات وثقافة عالية ونحن ننافس في شراء أرقام بالملايين الجوالات وأجهزة مرصعة بالألماس تصنع لعاشقينا المهوسيين.
لكننا شئنا أم أبينا التطور التقني الآن ومفاجآت التفكير الإبداعي في صناعة التقنية و البرمجيات أظهرها لنا مجتمع المعرفة أن عصر الورق سينتهي قريبا من خلال الوصول للقارئ عبر الصحافة غير الورقية ولقد سعدنا بذلك الخير
فصناعة الصحف تدمر الغابات وحاجتنا للورق فأصبحنا تنتظر الصحف غير الورقية بدون حبر وورق
ونظر الارتفاع سعر الورق مع الوقت سيجد الجميع أنفسهم مجبورين على قراءة صحفهم عبر النت والآن فضائيات الس ان ان وبي بي سي وغيرها ترجمت صفحاتها للعربية ونافست باحترافية فصحفنا تحاول المسير في الركب بمشي سلحفاة وجذب شريحة من القراء حتى بجوائز ولا مجاملة فمجموعة الأبحاث أجدها تتفاعل أسرع من الجميع ثورة التقنية والإنترنت ستتفيد الصحافة العربية الورقية فنحن نسير نحو الأسرع وتركض فهاهي بنوكنا وجامعاتنا وحكومة إلكترونية كل ذلك لم يكن موجودا وتحقق لأننا أجبرنا عليه وتنتظر من الصحف السعودية تدريب وتأهيل القائمين لمسارعة الحدث والمحتوى
إن مدونة مكتوب دخلها ما يقارب مليون قارئ فقط من السعودية وغيرها كثير فالتدوين أراح كثير من النخب عن خطوط حمراء تشطب وتفرض رأيها وقد وجدوا كل ما يقول لهم من تجهيزات وبرامج تقول لهم اكتب فكتبوا آمل بعد أن وجدنا وزير الإعلام على الفيس بوك أن تصاع إستراتيجية ورؤى تغير فيها من إستراتيجية النعامة فقد انتهت .
مراحل
ويرى الكاتب والروائي الأستاذ أحمد الدويحي أن التطور حتمي و لكل عصر لغته وأداته، وأن الآلة الكاتبة شكلت واحدة من أهم المبتكرات الحديثة في العصور التالية، وظلت الكتابة بالحفر أو بأدوات متنوعة، تؤدي دورها على نطاق واسع ،ويسري القياس على الصحائف والمدون واللغة، ويرتفع السؤال عالياً، حول ما بين أيدنا من منجز تراثي، وقد أجد سؤالاً يقلني عن كمية الورق والأحبار التي احتاجها كاتب كنجيب محفوظ، ليكتب مسودات رواياته قبل أن نحل ثورة الكتابة الإلكترونية؟
شهدت عصر صف حروف الرصاص، السائدة في الصحافة المحلية لزمن طويل; وشعرت كم كانت العملية شاقة ومضنية وقاسية، وتكلف الكثير من الوقت والجهد، وتختصر كمية الإنتاج في النهاية، فالصفحات الست التي كانت تخرج بها كل الصحف المحلية، تبيت موادها التحريرية من زوايا وتحقيقات، وتبقى الأحداث الحية الجارية للطبع قبل الصدور بليلة أو ليلتين. فكم المضحكات المبكيات في هذه التجربة، وقد تحفل بأخطاء وفضائح بسبب تداخل الحروف. فتخرج تلك الحروف أحياناً بغير ما يريد كاتبها وصفها بنتائج كوارثية.
مضى ذلك الزمن البعيد بخيره وشره، حينما شرعت المؤسسات الصحفية في إدخال التقنية الحديثة إلى مقراتها، فحدثت القفزة الكبيرة في طبيعة العمل ذاته، حينما أصبحت الصحف مرتبطة تقنياً بكل كوادرها التحريرية والفنية، ويسري هذا الربط ليس في مقرها وحده بل لكل مكاتبها في داخل المملكة وخارجها، حينما صار الكاتب قادراً على كتابة موضوعه أو نصه من مكان تواجده في ذات اللحظة التي تتأهب فيها الصحيفة للصدور
ويأتي امتلاك الصحف المحلية للتقنية الحديثة في وقت مبكر، ليجعلها تنتقل إلى مرحلة لم تكن متوقعة وفتحت لها آفاقاً لم تكن تخطر ببال أحد ;فالصفحات التي تضاعفت عشرات المرات ، وتنوع طرحها وأصبحنا نجد فيها أبواباً وتخصصات كانت بعيدة جداً عن اهتمام الصحافة الورقية الذي كان محصوراً جداً في النشاط الرسمي ومتابعة الأنشطة اليومية وزوايا للرأي محدودة جداً ، أصبحنا نجد الجريدة ) موسوعة ) تتوقع أن تجد فيها كل ما يرضي تطلعات القارئ . وأصبح الإعلان التجاري مادة رئيسية كونه يشكل أهم مصادر دخل الصحيفة، فوجدنا أن الصحف قد توسعت وأصبحت مؤسسات ربحية كبيرة...
الآن / وقد توسعت العملية، وخطت الصحف الورقية لها مسارات مختلفة، بتنا تشهد منافسة الصحف الإلكت

