تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

رمضان في لغة العرب وثقافتهم

رمضان في لغة العرب وثقافتهم

حجاج سلامة 

 

تتفرد اللغة العربية بأنها واحدة من أعرق لغات العالم تراثا، وأكثرها ثراءاً، ولم لا وهي "اللغة الشاعرة" كما وصفها الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، والمقصود باللغة الشعرية – هنا – هو أن لغة الضاد بنيت على نسق الشعر، في أصوله الفنية والموسيقية، فلغتنا العربية في مجملها هي "فن منظوم منسق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه، ولو لم يكن من كلام الشعراء".

 

وقد نشأت الكثير من الفنون والعلوم والآداب في ظلال تلك اللغة التي خلدها القرآن الكريم، فكانت العلاقة قوية بين اللغة العربية الدين الإسلامي وثقافات العرب والمسلمين، فالقرآن الكريم " كتاب المسلمين الخالد " نزل على نبي الإسلام، محمد صلى الله عليه وسلم بالعربية. 

 

 وقد ظلت اللغة العربية هي الحاضنة للكثير من مفردات ثقافتنا العربية والإسلامية، والحافظة للكثير من العلوم والمعارف، حتى صار ينظر إلى الحضارتين العربية الإسلامية بأنها حضارة اللغة، وصار اللسان والمعجم العربي مستودع حكمة العرب وثقافتهم ومناط أفكارهم.

 

شهر رمضان في المعاجم العربية 

 

وبالطبع فإن لشهر رمضان مكانته في اللغة والثقافة العربية، كما هي مكانته في قلوب العرب والمسلمين، إذ حوت المعاجم العربية على الكثير من النصوص التي تتناول " شهر رمضان "، حيث قال ذو الرُّمة: يَرَى الشَّهْرَ قبْلَ الناسِ وهو نَحِيلُ، وقال ابن الأَعرابي: يُسَمَّى القمر شَهْراً لأَنه يُشْهَرُ به، والجمع َشْهُرٌ وشُهور، والعرب تقول: رأَيت الشهر أَي رأَيت هلاله.

 

ورمضانُ: من أَسماء الشهور قال: " جاريةٌ في رمضانَ الماضي - تُقَطِّعُ الحديثَ بالإِيماضِ "، أَي إِذا تبَسَّمَتْ قطَّعَ الناسُ حديثهم ونظروا إِلى ثَغْرِها.

ويقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يذكر الشهر مع سائر أَسماء الشهور العربية، ويقال: هذا شعبانُ قد أَقبل. وشهر رمضانَ مأْخوذ من رَمِضَ الصائم يَرْمَضُ إِذا حَرّ جوْفُه من شدّة العطش، قال اللّه عزّ وجلّ: "شهر رمضان

الذي أُنزل فيه القرآن ".

 

والرَّمَضُ والرَّمْضاءُ: شِدّةُ الحَرّ. والرَّمَضُ: حَرُّ الحجارة من شدّة حَرّ الشمس، والرَّمَضُ: شدة وَقْع الشمس على الرمل، يقال: رَمِضَ يَرْمَضُ رَمَضاً. ورَمِضَ الإِنسانُ رَمَضاً: مَضى على الرَّمْضاءِ، والأَرضُ رَمِضةٌ. ورَمِضَ يَومُنا، بالكسر، يَرْمَضُ رَمَضاً: اشتدَّ حَرُّه. وأَرْمَضَ الحَرُّ القومَ: اشتدّ عليهم. والرَّمَضُ: مصدر قولك رَمِضَ الرجلُ يَرْمَضُ رَمَضاً إِذا احترقت قدماه من شدة الحر، وأَنشد العرب:

" فَهُنّ مُعْتَرِضاتٌ، والحَصى رَمِضٌ، والرِّيحُ ساكنةٌ، والظِّلُّ مُعْتَدِلُ ".

وقيل أيضا: الإِرْماضُ كلُّ ما أَوْجَع. يقال: أَرْمَضَني أَي أَوْجَعَنيشن وارْتَمَضَ الرجل من كذا أَي اشتدّ عليه وأَقْلَقَه.

 

و "نّـَاتِق" هو اسم شهر رمضان قديما، وحين غيرت العرب أسماء الشهور قبيل الإسلام وافق شهر " ناتق " أيام حر فسمى برمضان، والرمض كما أسلفنا هو الحر.

 

وفى رمضان "لا صوم ولا صبر ولا أجر إلا برؤية الهلال"، و "الهلال غرة القمر حين يهله الناس فى غرة الشهر"، وأهل الرجل: نظر إلى الهلال، وأهلنا هلال شهر كذا، واستهللناه: رأيناه، وأهللنا الشهر واستهللنا هلاله: رينا هلاله، وأهل الشهر واستهل: ظهر هلاله وتبين.

 

والتراويح: " صلاة القيام فى شهر رمضان "، وسميت الترويحة فى شهر رمضان بهذا الإسم نظرا لاستراحة القوم كل أربع ركعات، والتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة. 

 

ولشهر رمضان علاقة وثيقة بالمساجد، ففيه يكثر الذهاب إلى المساجد للصلاة وللتهجد والتعبد وقراءة القرآن الكريم، والمسجد بالكسر يعنى فى العربية مكان السجود، والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه السجود، والمسجد بكسر الميم هو الحصير الصغير الذي يقال له أيضا " الخمرة " أي الحصيرة التي تنسج من السعف.

وأما المسجد شرعا فهو الموضع الذي يسجد فيه، وكل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، لقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: " وجُلعت لي الأرض مسجدا وطهورا ".

 

هلال رمضان في عيون الشعراء 

 

وقد اعتنى الشعراء العرب بهلال رمضان، ورأى الشعراء بأن الهلال هو أحد روائع الطبيعة الفاتنة، وقد صور لنا خيال الشاعر شرف الدين الطائي، الهلال بأنه " سوار جميل تزدان به حسناء " ووجد الزهرة قريبة منه " فهي جوهرة ركبت على قفله " حيث قال الشاعر:

كأن الهلال يمحو السماء - وقد قارب الزهرة النيرة 

سوار لحسناء من عسجد - على قفله ركبت جوهـرة

 

وأما الشاعر ابن نباته المصرى، فقد جمع لنا اثني عشر وصفا لهلال عيد رمضان، صاغها بعبارته الجزلة، وشبه الهلال براكع يشكر الله على فضله، وحاجب يفضح عمر صاحبه، وزورقا انحدر فى بحر الظلام، ونصف سوار طرحه كف الدجى، ونون رمضان سقطت لما مضى الشهر.

حيث قال الشاعر:

 

كـأن شـكل هلال الـعـيد في يـــــــده       قـوس عـلى مـهـج الأعـداء مـــوتـــور

أو مخـلـب مـده نـسر السمــاء لـــهم       فـكـل طــائر قلــب منه مــــذعـــــــور 

أو منجــل بحصــاد الـقـوم منعــطف      أو خنجر مرهف النصلين مطــــــرور

أو نـعـل تبـر أجــــادت فى هــديـتـه       إلى جواد ابن أيـوب المقـــــــــاديـــــــر

أوراكع الظهر شكرا فى الظلام على      من فضله فى السماء والأرض مشكـور

أو حـاجـب أشمــط ينبــى بــأن لـــه       عمــراً لـه فــى ظــلال الملك تعـــــــبير

أو زورق جـاء فـيه الـعـيد منــحدرا       حـيث الدجـى كـعباب البـحر مسـجــور

أو أفـــل شفـــة للــكــــأس مـــائلــة        نذكـــر العــــيش إن العـــيش مـذكــــور 

أو كنــصف ســـوار قـــام بطـرحـه        كـــف الدجــى حـــين عمــته التبــاشيـر

أو كـقطــعة قــيد فــك مـن بشــــــر        أخفـــى علـيه الصـــيام فــــهو مأســور

أو فمن رمضان النون قد سقــطت         لمـا مضـــى وهو مـن شوال محصـــور

 

وأما الشارع صلاح الصفدى، فقد نظم عدة مقطوعات فى وصف الهلال، سماها " رصف اللال فى وصف الهلال "، وبلغت منظومة الصفدى 43 مقطوعة، نختار منها قوله:

يقول هلالنا فى كل شهــــــر         مقالة زي عناء واكتئـــــاب

مضى زمن ولى وجه مليح           أفوق به على الخود الكعاب

وقد أصبحت منحنيا كأنــي           أفتش فى التراب على شبابـي

 

وقال صلاح الصفدى مشبها الهلال بالمحجبة:

 

كأن هلال الأفق لما بدا لنا      ولاحظه كلُ بعين مــــــــراقب

محجبة لما تراءت لصبها       بدا حاجب منها وضنت بحاجب

 

شهر رمضان في كتابات المستشرقين 

 

جذبت طقوس وعادات العرب في والمسلمين شهر رمضان، أعين الكثير من الكتاب والمفكرين المستشرقين الأجانب، الذين انبهروا بالشرق وصوره وتراثه وحضارته.

وانتشرت الكثير من كتب هؤلاء الكتاب والمستشرقين، الذين باتت مؤلفاتهم جزاءاً من الثقافة العربية، ومن بين هؤلاء المستشرقين والمفكرين والكتاب الغربيين، الذين كتبوا بتجرد عن العرب والمسلمين، المستشرق الفرنسي، جوستاف لوبون، الذي كتب عن شهر رمضان في كتابه " حضارة العرب " الذي صدر عام 1884 ميلادية، أي قبيل 136 عاما قائلا:

" الصوم من أهم عبادات الإسلام، ويصوم المسلمون على اختلاف طبقاتهم، ويُراعى المسلمون في صيامهم شروط الصوم الشديدة بدقة يصعب على الأوروبي أن يتصورها، ويقوم الصوم في شهر رمضان على الامتناع عن الأكل والشرب والتدخين من الفجر إلى غروب الشمس.

ويتضمن امتناع المسلم عن الشرب والتدخين في النهار قهراً لنفسه، فإذا اقترب وقت الغروب رأيت المسلم حاملا سيجارته أو ممسكا أنبوب نارجيلته، منتظرا فارغ الصبر، أذان المؤذن بحلول وقت الإفطار، وإذا ما غربت الشمس استدرك المسلم ما فاته، وتناول طعاما وفيراً، وفى ليالي شهر رمضان تُنارُ القهوات المقاهي، وتمثل الروايات، وتشاهد الألعاب بعد الإفطار وتضاءٌ المساجد ".    

وبعد: فإن الحديث عن شهر رمضان في لغة العرب وثقافتهم، يحتاج إلى الكثير من الصفحات، بل وإلى مؤلفات كاملة، وما كانت تلك السطور إلا غيض من فيض، مرور عابر على بعض ماجاء في لغة العرب وثقافتهم عن شهر الصوم المبارك، وما كنا محيطين ولكن نضرب الأمثلة.

 

 

 

إحالات:

- كتاب اللغة الشاعر للكاتب عباس محمود العقاد، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2018.

- كتاب عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي، للدكتور محمود رزق    سليم، المجلد السابع، من الطبعة الأولى الصادرة فى عام 1965.

- كتاب مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، للدكتورة سعاد ماهر محمد، المجلد الأول، طبعة الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة عام 2017.

- كتاب رمضان فى لسان العرب، للدكتور هشام عبد العزيز، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة عام 2012.

- كتاب حضارة العرب للفرنسي جوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، الصادر عن مكتبة عصير الكتب بالقاهرة، طبعة عام 2017.  

رمضان في لغة العرب وثقافتهم
Ehsan Logo