رمضان زمان.. في العالمين العربي والإسلامي
حجاج سلامة
لشهر رمضان رونقه وبهجته أينما حل في بلاد المسلمين، وعلى الرغم من أنه شهر لفريضة هي بين العبد وربه، لا يعلمها إلا هو وهي فريضة الصوم، إلا أنه وحده بين الشهور الهجرية الذي يحفل بالمظاهر الاحتفالية التي صارت تحتل مكانة كبيرة في تراثنا العربي والإسلامي، وتتوارثها الأجيال تلو الأجيال في كل ديار الإسلام.
والقاهرة من بين حواضر العروبة والإسلام، التي ولدت بها وترعرعت بعضٌ من أهم المظاهر الاحتفالية التي ارتبطت بشهر رمضان، وربما يعود الفضل في الاحتفاظ بحيويتها وتحويلها إلى عادات مرعية الخلافة الفاطميين التيرعت هذه المظاهر.
ومعلوم أن المصريين ينظرون منذ أمد بعيد إلى رمضان بوصفه شهراً ينقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب الاهتمام الغالب على أنشطة الناس خلالها، فالعشر الأول من أيام هذا الشهر هي "للمرق" أي للعناية بالموائد والأطعمة، والتالية لها "للخرق" أى لشراء ملابس العيد أما العشر الأواخر فهي لكعك العيد الذي تتنافس الأسر في صناعته.
وفي كتابه "رمضان زمان" الصادر عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة (الطبعة الأولى 1997)، يوثّق لنا الدكتور أحمد الصاوي، الكثير من المظاهر التراثية الرمضانية التي تتشابه تفاصيلها في مصر وبلدان العالم العربي والإسلامي.
ويجول بنا المؤلف عبر كتابه الذي جعله في جزأين، بين عوالم رمضانية بقي الكثير منها حيّاً وباقياً بيننا برغم كل مظاهر الحداثة التي باتت تحيط بنا في كل مكان.
ويتحدث الجزء الأول من الكتاب عن المظاهر الرمضانية الضاربة بجذورها في أعماق تاريخنا والتي توارثناها عن الآجداد والآباء، فيما يدوّن لنا الجزء الثاني ما كتبه الرحّالة في مؤلفاتهم عن المظاهر التي ارتبطت بشهر الصوم قديما.
عادات باقية
ولعل ما يؤكده لنا الكتاب، وما نتبينه من حاضرنا اليوم، هو أن رمضان اليوم يتشابه إلى حد كبير مع رمضان زمان، وذلك برغم "كل تعقيدات الحياة ومحاولات المسخ الحضاري التي تتعرّض لها أمة الاسلام قاطبة" وذلك بحسب مقدمة الكتاب.
وتدلنا صفحات الكتاب أن المسلمين كانوا قديما وكما هو الحال اليوم، يُعنون برؤية هلال شهر رمضان عناية فائقة ويحتفلون بليلة الرؤيا أيما احتفاء، ولم تكن تلك الحفاوة مقصورة على عامة المسلمين بل كان الخلفاء والأمراء في طليعة المهتمين بالصعود إلى الأماكن العالية صحبة القضاة والشهود العدول الرؤية هلال الشهر، ومن الثابت أن بعض الخلفاء كانوا يصعدون بأنفسهم لاستطلاع هلال رمضان.
وقد حافظت الأقطار العربية والإسلامية المختلفة على تقليد بعينه في ليلة الرؤية، ألا وهو الاستزادة من إنارة المساجد عند رؤية الهلال، فتعلق المصابيح بأعالي المآذن وعلى واجهاتها ابتهاجاً بمقدم شهر رمضان.
ففي الحرم المكي كانت المشاعيل والشموع تبث في كل أركانه حتى يتلألأ الحرم نوراً ويسطع ضياء حسبما لاحظ ابن جبير في رحلته إلى مكة عام ٥٧٨ هـ (۱۱۸۳م).
وفي العصر الفاطمي، كان القضاة يجوبون جوامع مصر (القسطاط) والقاهرة قبل ليلة رمضان بثلاثة أيام لتفقد ما تم إجراؤه فيها من إصلاح وفرش وتعليق قناديل.
وبلغ اهتمام الفاطميين بإنارة المساجد في شهر رمضان حدا لجأ معه الحاكم بأمر الله إلى صياغة تنور هائل من الفضة الخالصة لإضاءة محراب الجامع الأزهر في ليالي رمضان.
رؤية الهلال
ويرصد لنا كتاب "رمضان زمان"، لمؤلفه الدكتور أحمد الصاوي، تشابه وقائع الاحتفال برؤية هلال رمضان قديماً في أقطار عالمنا العربي والإسلامي، حيث كان القاضي يصحبه الشهود والأعيان والمشايخ يتجهون إلى الأماكن المرتفعة العالية لاستطلاع الهلال في موكب حافل، ويظل الناس في الطرقات ينتظرون عودة هذا الموكب لتتعالى صبحات الفرح ومظاهر الاحتفاء به إذا ما ثبتت رؤية هلال رمضان.
وقد احتفظت المصادر التاريخية بمعلومات تفصيلية عن تطور مظاهر الاحتفال برؤية هلال رمضان في مصر التي تعد من بين الأقطار الإسلامية التي عرفت في احتفالها بليلة الرؤية أطواراً عدة نظراً لتقلب الدول المختلفة على حكمها من أمويين وعباسيين وفاطميين ثم أسرات كردية وتركية كالأيوبيين والمماليك والعثمانيين.
دِكّة القضاة
ويُعد القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذي تولى قضاء مصر سنة ١٥٥هـجرية، هو أول قاضٍ يحضر لنظر الهلال في شهر رمضان. وكان القضاة من بعده في العصر العباسي يخرجون مع الناس إلى جامع بسفح جبل المقطم لرؤية الهلال في رجب وشعبان احتياطياً لشهر رمضان، وذلك من فوق دكة أعدت لهم على مكان مرتفع بالجيل تعرف بدكة القضاة.
وكانت طوائف الشعب المختلفة تشارك القضاة في رؤية الهلال وخاصة التجار ورؤساء الطوائف والصناعات وأهالي الحارات، فإذا تحققوا من رؤيته أضيئت الأنوار على الدكاكين وخرج قاضي القضاة في مركبه تحف به الفوانيس بالشموع والمشاعل حتى يصل إلى داره ثم تتفرق الطوائف في أحياتها معلنة الصيام.
وفي العصر المملوكي كان السلطان يجلس في مستهل الشهر بالميدان تخت قلعة الجبل لاستعراض أحمال الدقيق والخبز والسكر والغنم والأبقار المخصصة لصدقات رمضان.
أما في العصر العثماني فقد كان القضاة يخرجون عند ثبوت الرؤية في موكب شعبي تشارك فيه مختلف الطوائف وكل أرباب الحرف، وقد ليس أعضاء كل طائفة ملابسهم المميزة وبأيديهم نماذج من منتجاتهم.
ولما كان سحور رمضان يقع أواخر الليل، فقد اتخذت الوسائل قديماً وحديثاً لتنبيه الصائمين لوقت التسحر، وكان المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفون جواز الأكل والشرب بأذان "بلال" رضي الله عنه.
وعلى الدوام كانت مآذن المساجد المكان الأثير للتسحير، سواء عن طريق أذانين لمؤذنين يختلف صوتهما اختلافاً بينا تأسياً بما كان يحدث في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو عن طريق النداء بصيغ خاصة تختلف من بلد إلى آخر.
وقد جرى العرف أن يقوم المؤذنون بالتسحر على أربع مرات أو تذكيرات لكل منها قول خاص يردده المؤذن.
وفي المغرب كان بعض أهله ينفخون في النفير على منارات المساجد سبع مرات. ثم ينفخون في الأبواق بعدها سبعاً أو خمساً، فإذا انقطعوا عن ذلك انقطع المتسحرون عن الأكل.
ومع اتساع عمران المدن الإسلامية وتباعد أحيائها وحاراتها عن المسجد الجامع، فقد فكر المسلمون في التغلب على الصعوبات الصوتية بابتكار أسلوب جديد يعتمد على الضوء الذي يمكن أن يراه أهل أبعد الأحياء ليلا في يسر وسهولة. وبرزت فكرة فانوس السحور الذي يعلق بأعالي المآذن وهو مضاء منذ دخول وقت صلاة المغرب ويظل على ذلك الحال إلى قبيل آذان الفجر فإذا ما أنزل الفانوس عرف الجميع أن الصوم قد بدأ.
ومن المرجح أن ابتكار فانوس السحور قد ظهر أولا في مكة والمدينة المنورة ومنهما انتشر سريعاً إلى كل الأقطار الإسلامية، وقد تحدث الرحالة المغربي ابن جبير بإسهاب عن هذا الفانوس وكيفية الصعود به إلى أعلى مآذن الحرم المكى.
وما كُنّا مُحيطين لكن نضرب الأمثلة.

