زكية العتيبي والتعبير التكراري الضدي في قصصها القصيرة جدا
عبدالله السمطي
تقلنا القصة القصيرة جدا، على اليقين، إلى وجهة فنية أولا، لأنها قصص تجريبية أو لنقل لأنها: سرد تجريبي في المحل الأول نشأ في العقود الأربعة الأخيرة ، واضطرد بصورة جمالية متنوعة ، حيث بدأ في تشكيل أرضيته الجمالية بسياقاته وأجوائه المتعددة، ومن هنا فإن التركيز على قراءة آليات السرد الكثيف في هذا النمط القصصي تركيز من الأهمية بمكان بحيث يكشف ويشف عن آليات هذا الفن وكيفية سرده للأفكار والموضوعات، وكيفية التقاطه للرؤية المشرقة في عمل سردي مكثف جدا قد يوجز في سطر واحد أو جملة واحدة.
إن زكية العتيبي في قصصها تركز على الأبعاد الفنية أولا، وعلى استشفاف أثرها في تشكيل الوعي السردي عندها.
ومن الآليات التي ترتكز عليها القاصة التعبير التكراري الذي يحقق فعلا ما يليه رد فعل آخر مواز له أو ضد أو مخالف، أو متفق أحيانا، وهو التعبير ب: " كلما"
كلما حدث موقف ما (فعل ما ) .... يحدث ( فعل آخر )
وتوجد هذه التركيبة الأسلوبية في أكثر من قصة، ومنها هذه التعبيرات والقصص:
من مجموعة: " هطول لا يجيئ" :
- كلما تلاشى صوت نبضها في زحام الحياة استوقفها نبض خاص ليخبرها بأنه مازال على قيد لحياة. / ص 13
- كلما جرّب لياقة قلمه، تهافتت عليه الفراشات، واحترقن بوعيه. / ص 19
- وهي تتكثف كلما تبخرت، وتتبخر بعد أن تتكثف / ص9
- لطالما عيّره والده بخيبته، كلما قارن بينهما، كلما عبره تقلص ! / ص 10
- كانت تخشى فقده، فتكثف محاصرته، كلما غاب عنها . / ص 12
- هكذا هي كلما عبرها الموت إلى غيرها . / ص43
- كلما خبا بريق الدهشة والتوقع في أعماقه ملّ الحياة. / 50
- كلما أزهرت في روحه الحياة ، جرفه الزمن إلى ضفة جديدة / ص 52
- كلما أوقد للفرح نارا، أطفأها هواه . / ص56
- كلما طرق بابها النصيب صدته باشتراطاتها التعجيزية . / 57
- كلما ثار الأول على الثاني أقنعته بأن الجزء الجميل من هذه الحياة غير متاح لنا / ص 58
- كلما غلف الجليد أطراف حياتهم بحثوا عن ثقب ينسلون منه ليستحموا في الشمس . / ص 62
- كلما حاول أن يتنفس اللامبالاة اختنق بالفراغ . / ص 69
- كلما تدافعوا لأذيته سقطوا في وحل نواياهم . / ص 75
قصة :" وحدة" ص 32 بدأت ب: " كلما" واختتمت ب " كلما"
كذلك تتجلى هذه التركيبة في قصة قصيرة جدا من سطرين هي:" تناغم" ص 72 :
كلما اختلفا تحولت على الرغم من حزمها إلى أنثى رقيقة لكل شيء، وكلما انزعج من صمتها تصرف كطفل لا يستمع إلا لصوته.
كذلك فإن حالات التشبيه في قصص زكية العتيبي، تلجأ لها لا لإضفاء عنصر من عناصر البلاغة على القصة، فالكتابة هنا كتابة قصة وليست كتابة قصيدة، والوعي هنا وعي سردي يلجأ لبعض العناصر البلاغية لا من أجل تشعير عملية القص بالضرورة، ولكن قصد تقريب صورة أو مشهد للقارئ بتشبيهه بشيء آخر يضيئه أكثر ويجعل له بعدا آخر. التشبيهات هنا بمثابة مرايا لا بمثابة ترميز وفعل بلاغي . التشبيهات حالة قصصية سردية وليست بويطيقية شعرية.

