المنصات الإلكترونية.. ودورها في بناء اقتصاد المعرفة
بقلم: أ.د جبريل بن حسن العريشي*
اقتصاد المعرفة هو ذلك الاقتصاد الذي تصبح فيه المعرفة مصدرا لرأس المال، وتصبح فيه التقنيات المعرفية الحديثة هي الوسيلة التى يتم بها تنظيم التعاون، وكذا تنظيم المعلومات واستخدامها. وهو الذي يعلو فيه دور الإنسان الذي يقوم ببناء المعرفة واستثمارها، باستخدام تقنيات المعرفة لتحقيق ميزات تنافسية وتحسين إجراءات العمل بما يرفع الكفاءة ويزيد المرونة, حيث يصبح بناء الثروة معتمدا بصورة متزايدة عليه، ولا يقتصر فقط على الأموال والموارد الطبيعية.
وهذه المعرفة ينبغي أن تجد بيئة عمل جديدة لإشراك الآخرين فيها وتعليمهم إياها. وفي هذه البيئة، يتم التركيز على التعاون في العمليات التى تستخدم موارد مشتركة، وعلى أسلوب العمل الذي يحقق التمازج والمشاركة، وعلى التفاعل بين العمال وبعضهم في المؤسسة الواحدة بما يحقق التعليم المتبادل الذي ينتج عن المشاركة في ممارسات العمل، أو ما يعرف بالتعلم بالممارسة، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى وقد لا يعلم الأفراد أنهم بملكون مستودعا ضخما للمعرفة الديناميكية التي تتجدد باستمرار، والتي تخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. إنتاج معرفة جديدة.
وتعتبر المنصات الإلكترونية - والتي انتشرت بصورة كبيرة- هي أهم الأدوات التي تستخدم لتوفير تلك البيئة، حيث يتم من خلالها تعظيم قيمة المشاركة والتكامل وتبادل المعرفة وتقاسمها بين العاملين في أي مؤسسة، وبين المؤسسات وبعضها البعض. فهي تتيح لأصحاب المصلحة في أي مؤسسة معلومات وسبلا للتواصل لم تكن متاحة لهم قبل عدة عقود، فيمكنهم الآن الاطلاع على إستراتيجية المؤسسة ورسالتها والتقارير المالية وتقارير الإدارة والبيانات الصحفية وغير ذلك.
كما أصبح من الممكن الآن لمنصة إلكترونية واحدة أن تجمع عددا من المشاركين يزيد عن أي عدد يمكن أن يضمه مؤتمر واحد يتم انعقاده، وأن تنتج آثارا معرفية - من خلال ما تتيحه لهؤلاء المشاركين من أنواع التفاعل والاتصال - تفوق الآثار المعرفية التي قد ينتجها هذا المؤتمر.
وفي مجال الأعمال فإن المنصات الإلكترونية تساعد في زيادة سرعة وانسياب النشاط الاقتصادي الذي يتطلب المقدرة على اتخاذ القرار السريع على مقربة من «المشكلة». فهي تشكل أداة لدعم اتخاذ القرار من خلال زيادة القدرة على الاستفادة من مصادر المعلومات المتوافرة على الأجهزة الحاسوبية، حيث يمكن الحصول على مستخلصات البحوث والتقارير وتحليل البيانات والمعلومات المتاحة في قواعد البيانات عظيمة الحجم.
وفي مجال التجارة الإلكترونية، انتشرت المنصات الإلكترونية بصورة كبيرة, حيث انتقلت إليها كل الأنشطة التجارية التقليدية، وذلك بعد أن أصبحت تعني مبيعات أكبر، وأرباحا أكثر، فيمكن من خلالها الآن إدارة طلبيات وإجراءات الشراء، والاطلاع على صور السلع وخصائصها وأسعارها, وتحليل البيانات، والتوثيق الأمني للمستخدم، وإنشاء المزادات, وتحقيق متطلبات بناء الثقة، وتأمين الاتصال بين البائع والمشتري، ونشر بيانات البائعين والمشترين، والحصول على خاتم التأهل من شركات معروفة، وغير ذلك. وقد بينت إحدى الدراسات أن استخدام الإنترنت في عمليات التجارة الإلكترونية بين الشركات يقلل من تكلفة عمليات الشراء بمقدار ٥٧,٧ ٪، كما يقلل من تكلفة المعاملات بنسبة ٠٪ ٣٠-٧٠ ويقلل من تكلفة التخزين بمقدار من ٤٠-٢٥٪.
وفي مجال التعليم تعتبر القوى العاملة التي تتمتع بدرجة عالية من التعليم هي أحد مؤشرات النجاح في بناء اقتصاد المعرفة. وتعتبر مشكلة تمويل التعليم وتطويره ماديا وبشريا من القضايا الهامة والحادة التي تواجه الدول النامية بشكل خاص، حيث تعجز ميزانياتها عن تمويل إنشاء جامعات جديدة أو استيعاب عدد أكبر من الطلاب. وهنا يأتي دور المنصات الإلكترونية التي يتم من خلالها تقديم خدمات التعليم باستخدام نظم التعليم عن بعد, مما يقلل من تكلفة التعليم والتدريب ويزيد من كفاءته بإمكانية وصوله إلى أعداد كبيرة من المتعلمين يعجز التعليم التقليدي والجامعات التقليدية عن استيعابهم.
لما أدى استخدامها في مجال الحكومة الإلكترونية، إلى تسهيل حياة المواطنين فيما يختص بالمعاملات الحكومية، وأصبحت أفضل نماذجها هي تلك التي يتم فيها تكامل جميع الخدمات التي تقدمها الدوائر الحكومية المختلفة من خلال منصة إلكترونية واحدة، وذلك بهدف التخفيف من الإجراءات البيروقراطية والروتينية والوصول إلى كل الخدمات الحكومية من نافذة واحدة.
هذا فضلا عن انتشار المنصات الإلكترونية في مجالات الصحة الإلكترونية والبريد الإلكتروني والنشر الإلكتروني والمتاحف والمعارض الإلكترونية.
وقد حققت المنصات الإلكترونية في المملكة نجاحات ملموسة في بعض القطاعات. وتعد تطبيقات الحكومة الإلكترونية هي اظهر هذه النجاحات، والتي عكست الجهود الحثيثة على درب ترسيخدعائمومقوما تمجتمعالم عرفة والاقتصاد القائمعلالمعرفة منخلال تطويع تقنية الاتصالاتوتقنية المعلوماتفي خدمة قطاعات الدولة.
وقد أشار تقرير الأمم المتحدة لعام ٢.١٦- والذي يرصد استخدام المنصات الإلكترونية في تقديم خدمات الحكومة الإلكترونية- إلى هذا النجاح، وبين أن المملكة قد أحرزت في هذا الشأن ترتيبا متقدما بين دول العالم، فكان ترتيبها (٤٤).
كما أنها فيما يخص انخراط المواطنين في أنشطة الحكومة الإلكترونية e-participation- والذي يتم قياسه بناء على قدرات تزويد المواطنين بالمعلومات ومدى مشاركتهم في صنع القرار عبر المنصات الإلكترونية الحكومية- كان ترتيبها أكثر تقدما، حيث وصل إلى (٣٩) على مستوى العالم.
وفي مجال التعليم الإلكتروني قامت الدولة بإطلاق مشروع "آفاق" على المستوى الوطني والذي يتضمن وضع خطة شاملة طويلة الأجل للتعليم العالي لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، وتشمل هذه الخطة التوسع في التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد من خلال المنصات الإلكترونية. ولعلنا نحتاج الآن إلى وقفة مع النفس، لتقييم الوضع القائم، فنجاح سياسات التعليم الإلكتروني ونظمه . ومؤسساته ينبغي أن يتم قياسه في نهاية المطاف بما يتحقق من نتائج: عدد المستفيدين من خدمة التعليم الإلكتروني، ومدى جودة الخدمة التعليمية المقدمة.
أما في مجال التجارة الإلكترونية، فإن استخدام المنصات الإلكترونية لم يرق بعد إلى طموح المستخدمين في المملكة. حيث تشير بعض الدراسات إلى محدودية اللجوء إلى أساليب التجارة الإلكترونية بواسطة نسبة كبيرة من الشركات السعودية المتوسطة والصغيرة، والتي تمثل حوالي ٩٥٪ من إجمالي الشركات التجارية في المملكة والتي يبلغ عددها ١,٣٤٥,٠٠٠ شركة. فهناك (٨٪) فقط من الشركات تقوم بالبيع عن طريق الإنترنت. بينما تقوم (٣٠٪) من الشركات التجارية و(١٣٪) من الجهات الحكومية بالشراء من خلال المنصات الإلكترونية المتاحة عبر الإنترنت. ويرجع ذلك إلى عدة أمور منها: عدم وجود القدرة المالية لإنشاء مواقع تفاعلية قادرة على إدارة عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت، وعدم وجود المقدرة التقنية والأفراد المدربين اللازمين لذلك, لذا فيفضل أغلبها استخدام الأسواق الإلكترونية الجاهزة المتاحة على الإنترنت.
وفي مجال الصحة الإلكترونية فإننا لا نزال نحلم بيوم يتمتع فيه المسنون من مواطني المملكة- والذين تبلغ نسبتهم ٥٪ من إجمالي عدد السكان، أي ما يزيد على مليون و ٣٠٠ ألف مسن (فوق الستين)- بخدمات التطبيب عن بعد، والذي يتم من خلاله إتاحة السجلات الإلكترونية للمرضى للتداول الآمن عبر المنصات الإلكترونية.
مما سبق نجد أنه- باستثناء مجالات الحكومة الإلكترونية - فنحسب أنه لازال أمامنا الكثير من العمل لكي تستخدم المنصات الإلكترونية بالصورة التي يتطلبها الدخول في عصر اقتصاد المعرفة.
* أستاذ علم المعلومات-جامعة الملك سعود
المراجع:
- Adel Bahaddad , Rayed AlGhamdi , Salem Alkhalaf , Adoption Factors for e-Malls in the SME Sector in Saudi Arabia
- pdf.1504.01112/1504/https://arxiv.org/ftp/arxiv/papers
- تقرير هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات – 1435هـ
- تقرير: حالة التجارة الإلكترونية في العالم العربي
- 69o124hw7d/4419830/http://digioh.com/emd Adel A. Bahaddad, Luke Houghton & Steve Drew,
- Attracting Customer in Saudi Arabia to Buy from Your Business Online http://www.ccsenet.org/journal/index.php/ijbm/article/
- 15909/23812/viewFile

