رحلة مياه الشرب إلى فم الإنسان من القرب والفخار إلى القارورة البلاستيكية
مديدة هي رحلة الماء إلى فم الإنسان، كان الإنسان القديم الذي يسكن الأشجار والكهوف ويحيا جنبا إلى جنب مع الطبيعة، آكلًا وشاربًا من الخضروات والفواكه والثمار المزروعة، نازعًا إلى ممارسة الصيد أحيانًا، كان يشرب من المياه الجارية في الجداول والأنهار أو من مياه الأمطار في البحيرات العذبة، وكان يذهب إليها ليشرب جرعات مائه ويرتوي، لكنه في حاجة لادخار المياه ليتناولها في أي وقت يريده، وهنا ظهر اختراعه لقرب المياه المصنوعة من جلود الحيوانات التي يصطادها.
وللمياه تأثير كبير على حياة الإنسان، فالإنسان ككل كائن حي يحتاج للماء ليتمكن من العيش قال تعالى في كتابه الكريم : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي) ( سورة الأنبياء الآية 30)
لهذا لم يفارق الإنسان المياه نهائيا فهي أحد عناوين حياته وغذائه اليومي.
من هنا استعمل الإنسان القرب ( جمع قربة) في تخزين المياه، وحتى وقت قريب كان أهل البادية يستعملون القربة لتبريد الماء، خاصة في فصل الصيف وشدة الحرارة، كما يستخدمونها في الرحلات البرية، وكانت القربة رفيق المسافرين وثلاجة الأجداد في البيت وفي الخيام، وفي المملكة كانت القربة هي الأكثر استخداما في البادية من أجل شربة ماء باردة نقية. وقال الشاعر الشعبي القديم حميدان الشويعر في إحدى قصائده القصيرة:" لقيت دوا الظما .. القربة" .
ومن مجال استخدام القربة وجدت مهنة :" السقّاء" القديمة التي عُرفتْ قبل التطور الحضاري بإيصال المياه إلي البيوت والمباني، والسقاء أو السقا هو الشخص المسئول عن نقل المياه من الخزانات أو الأنهار إلي المساجد والمدارس والمنازل والأسبلة (جمع سبيل) الشرب العامة وذلك لعدم وصول المياه إلى هذه الأماكن لخدمة الأهالي.
وكان السقاؤون يحملون القرب المصنوعة من جلد الماعز على ظهورهم وهي مملوءة بالماء العذب.، وقيل : يلزم للمتقدم لهذة المهمة اجتيازه اختبار مبدئي لكي يلتحق بوظيفة السقاء وهو أن يستطيع حمل قربة وكيس ملئ بالرمل يزن حوالي 67 رطلا لمدة ثلاثة أيام وثلاثة ليالي دون أن يسمح له بالاتكاء أو الجلوس أو النوم
مياه الجرة والفخار:
شكّل الماء منذ 8000 عام حاجةً أساسيةً للمزارعين القدامى في قارّتي أفريقيا وآسيا لريّ أراضيهم، فكانت الأنهار؛ كنهر النيل، ونهر دجلة، ونهر الفرات تفيض وتتكفّل بريّ المزروعات عدّة مرّات سنوياً، إلاّ أنّ ذلك لم يكن كافياً نظراً إلى حاجة المحاصيل للريّ يومياً، فاستخدم الناس أدوات بسيطة كالفأس والمجرفة لحفر قنوات مائية على ضفاف الأنهار لإيصال الماء إلى الأراضي الزراعية، وقد استخدم الرومان هذه القنوات أيضاً ليتمكّنوا من إيصال الماء الجاري من الينابيع أو من قمم الجبال البعيدة إلى المدينة. لكن تخزين هذه المياه استدعى وجود خزانات لحفظ المياه، كما استدعى وجود أدوات صغيرة لتخزين المياه ليستخدمها الإنسان في شرابه وري عطشه، فكان اللجوء إلى الطين وصناعة الأدوات الفخارية من الزير إلى البلاص إلى الجرة إلى القلل الصغيرة، وشهدت معظم دول العالم هذه الصناعات الفخارية خاصة في الشرق الأوسط، ، وفي المملكة تعد صناعة الفخار من الحرف اليدوية القديمة نظرا لحاجة السكان قديما لاستعمالها في الشرب وطهي الطعام، وكانت الرمال والصخور تستخدم في تصنيع الطين، الذي يصنع منه الفخار، وفي وادي النيل كان الناس يستخدمون الطين من الأراضي الزراعية ويصنعون منه الفخار وأيضا الطوب الخاص ببناء المنازل عن طريق حرق الطين بعد تشكيله وتطويعه ثم حرقه وتبريده ليصبح أداة فخارية.
وقد أوردت صحيفة تايمز أوف إنديا أونلاين أربع فوائد للأواني الفخارية تتمثل في أن الفخار يساعد في تحسين التمثيل الغذائي، كما أنه يبقي المياه باردة بشكل طبيعي لفترة أطول، وهو صديق للبيئة أفضل من الزجاجات البلاستيكية، ويوفر التوازن الهيدروجيني.
وهكذا استخدم الإنسان الأواني الفخارية طويلا في شرابه وطعامه، حتى ظهر عصر الأواني الزجاجية والأكواب، ثم تلاها عصر الألومنيوم .
بيد أن الدراسات البحثية والعلمية لا تتوقف عن إيراد الآثار السلبية لاستخدام مختلف هذه الأدوات من القرب إلى الفخار إلى الزجاج إلى الألمنيوم، مما يضطر الإنسان إلى البحث عن أدوات أخرى لاستخدامها في شرب المياه والسوائل والعصائر المتعددة.
عصر القوارير البلاستيكية:
توصلت الصناعات في العقود الأخيرة إلى صنع قوارير بلاستيكية لاستخدامها في الشرب وفي حفظ المياه أيضا، وانتشرت هذه القوارير في كل أنحاء العالم انتشارا كبيرا نظرا لسهولة حملها وتعدد أحجامها، وسهولتها الشديدة في استخدمها لحفظ مياه الشرب وتناولها في أي مكان وزمان.
لكن بعض المجتمعات توجست منها خيفة في بدايات ظهورها، نظرا لما قد تحمله من آثار سلبية على الصحة العامة، لكن مع انشغال العالم بالطابع الاستهلاكي السريع أقبل على القوارير البلاستيكية بشكل كبير وأصبحت تباع في جميع الأسواق والمولات ومحال السوبر ماركات والتموينات، وقد كتب على القارورة أن تاريخ الصلاحية لمدة عام، كما كتبت عليها مكوناتها من مياه الآبار الجوفية ومن الصوديوم والكالسيوم والمعادن وغيرها.
لكن هل صمتت الدراسات العلمية والبحثية عن استخدام الإنسان هذه القوارير البلاستيكية في شرابه، وطهيه الطعام؟
لقد أظهرت دراسة أن قوارير المياه البلاستيكية مضرة للصحة، فهي مصممة للاستعمال لمرة واحدة فقط، لذا يجب الانتباه على هذا النقطة جيداً. فقد أظهرت نتائج تحاليل أُجريت على بعض العبوات بعد استخدامها لمدة أسبوع، وجود مواد كيميائية وبكتيريا قد تكون مسؤولة عن التسبب بأمراض خطيرة ، كأمراض القلب، والمشاكل الهرمونية، وخطر الإصابة بسرطان الثدي. كانت هناك مخاوف على وجه الخصوص بشأن مادة (BPA) أو (بيسفينولA) )وهي مادة كيميائية مثيرة للجدل، تُستخدم في صناعة البلاستيك ويعتقد أنها تتداخل مع الهرمونات التناسلية. إضافة إلى تأثيرها على كل الوظائف الطبيعية في الجسم. كما أشارت أبحاث

