لا ليلك ليلي .. ولا أنت أنا أبجدية خفيفة وهموم ثقيلة
سهيل نجيب
إن القصة القصيرة كما يراها (سيغريه) " هي التي تحاول أن تعرض الصور كما نراها لا كما يرسمها خيالنا" كما اشترط آخرون أن يتوفر في القصة الحديثة قدرًا من الإيجاز والمعقولية وطبقة من التمني ، ودرجة مقبولة من الأخلاقية الجاذبة لشرائح مختلفة من القراء ، ومن المهم أن يطلق القاص في متنها جملة من الأفكار الحديثة لمواكبة حركة الزمن، وأن يلتزم كاتبها بالتجرد ويبتعد عن الوصاية ، وإن التجديد الذي يزعمه أي كاتب القصة يكمن في الشكل الجديد الذي تبدو فيه، أما المضمون فلا يدعي قاص بأنه " أتى بما لم يأت به الأوائل" وإن كثيرا من هذه القواعد نجدها في المجموعة القصصية ( لا ليلك ليلي ولا أنت أنا) التي كتبها الأديب عبدالعزيز الصقعبي أوائل الثمانينيات الميلادية وإن كان التزامه بها قد جاء بنسب متفاوتة.
لقد وعي القاص تلك الرؤية واقتنع بخارطتها ، فنسج مجموعته في إطارها، ولم يقفز إلى الحداثة من فراغ، أو يخض في مضامين لا تعني قارئه فاستقى موضوعاته من حياة الناس الذين يمرون من حوله، وممن يعيشون إلى جواره وأجاد استلهام الشخصيات والأحداث التاريخية وقصص الماضي وعِبرها التي لا تتنافى مع روح القصة القصيرة الحديثة ، ولهذا لم يتوان القاص من الاستفادة من تلك الميزة بحذر ، ويتجلى ذلك في بعض قصصه من خلال تقطيع الزمن وتجزئة الأحداث كفعل إجرائي لتهدئة القارئ ، وتجري عملية التقطيع عن طريق الترقيم أو التسلسل الحروفي لتمضي القصة إلى نهايتها في مسار واحد دون أن ينصّب الكاتب نفسه وصيًّا أو حكيمًا يبذل الحلول التي تحرّر أبطاله من معاناتهم ومشاكلهم .
يمزج الصقعبي في كتابة نصوصه بين السردي والوصفي والحواري ويوازن بين الجمالي المتخيل والواقعي دون أن يفقد سيطرته على سير الأحداث، وهو يعين شخوصه على البوح بأمانيهم، وقول ما يلزم قوله، ولا يورطهم في مغامرات طائشة ، ولا يكتفي بدور الشاهد والسارد دائما، بل يشارك شخوصه في البحث عن مخارج آمنة للنجاة من مآزقهم ويتطلب نجاح القصّ ، صدق الإحساس وعمق التأمل، وبراعة اختيار الشخوص ووضعهم في المكان المناسب ، وجرأة الطرح وعقلانيته ويحتاج إلى اكتمال العناصر الأخرى، وفن إدارة الزمن في سير الأحداث ، وتكامل المشاهد السردية والوصفية والتصويرية .
وإذا كان لكل قصة لغتها الخاصة ولكل مبدع أبجديته المتميزة فإن نجاح الخصوصية يقاس بمدى انسجام اللغة والموضوع القصصي ووصول القاص إلى غايته وهذا ما نلمسه عند الصقعبي الذي يُؤخذ عليه النزوع أحيانا إلى التقريرية المباشرة حيث نجده يخاطب عواطف القارئ تارة، ويحاكي عقله وخياله تارة أخرى، لأنه لا يكتب للصفوة، ولا يجيد خداع العامة، وقد يُعزى ذلك إلى تشابك أسلوبه المسرحي والقصصي، وإن اكتمال بناء القصة واختيار اللغة المناسبة تجنب القارئ الشرود للبحث عن معنى بعض المفردات ، وبالتالي انصراف ذهنه عن متابعة الحدث وافتقاد متعة تذوق فكرة النص ، كما أن الحوار يؤدي دورًا هاما في تميز الأسلوب السردي، ويرفع مستوى التأثير في حبكة الحدث ، ويُشترط لذلك أن يمتاز الحوار بسرعة الإيقاع والإيجاز وعدم الإيغال في الوصف وإنشائية التفاصيل وأن يكون منسجمًا مع مستوى الشخصية ودورها ومكانتها .
وقد اشتملت المجموعة على خمس وعشرين قصة قصيرة تنوعت مضامينها ، وانتمت شخوصها إلى منابت اجتماعية مختلفة ، ومن عناوينها : ( الليل هاجس غريب، آمال واهية، البحث عن التراب، السراب، الشمس طفلة، حلم الأمس، نهاية رجل، السواد، أرق في السماء، طريق مغلق، الجفاف، لا ليلك ليلي ولا أنت أنا، استسلام وقصص أخرى) أحاط خلالها الصقعبي في نصوصه التحولات الاقتصادية والاجتماعية وما رافقها من تطور وانفتاح تدريجي وتغيرات في السلوك الحياتي اليومي والعادات الدارجة، وبرع في نقل آثارها وانعكاساتها على أفراد المجتمع، وترك لشخوصه حرية التعبير عن ذواتهم وعن وعيهم الاجتماعي، وأفسح المجال لإبراز انقسام الناس حولها بين رفض وقبول، كما قدّم القاص نماذج من واقع الحياة الاجتماعية، ونقل جوانب من معاناتها، ورصد أحاسيسها وتفاعل مع همومها وأزماتها وشاركها قلقها وإحباطاتها وفرحها ونجاحها ليؤكد دوره في الهم العام.
وهناك ثمة تشابه بين أبطال بعض القصص في الخصال والسلوك وفي اختيار النهايات التي يختارونها بإراداتهم ، كما تتقاطع بعض النصوص في مضامينها، وخصوصًا تلك التي تبحث الهم الاجتماعي والإنساني ، وهي تشكل أغلب قصص المجموعة، رغم محاولة الكاتب الخروج عن المحلية بنصين أو أكثر كقصة (استسلام) وقد بلغ التجريب ذروته في قصة (الشمس طفلة) التي خلت من الشخوص وضمت رموزًا وإيحاءات مناسبة ، وطغت اللغة الشاعرية على بعض النصوص كقصة (مشهور) ولا يفوتنا الإشارة إلى تكرار القاص بعض العبارات في عدد من القصص التي تتشابه من حيث الفكرة رغم ثراء لغته ومفرداته، كما يُلاحظ إطالة بعض المشاهد وحشوها بتفاصيل لا تحتملها الفكرة ، مما يربك الحدث ويشتت الفكرة ، وأساء إلى جمالية النصوص كذلك، إهمال علامات الترقيم وقليلا من الأخطاء الإملائية والنحوية واستخدام حروف الجر في غير مواضعها، والإكثار من المفردات المحلية الدارجة رغم وجود بدائل فصيحة يفهمها القارئ في كل مكان.
إشارة:
لا ليلك ليلي ولا أنت أنا، مجموعة قصصية للأديب عبدالعزيز الصقعبي ، مطبوعات نادي الطائف الأدبي 1403هـ / 1983م (95) صفحة.

