الآخر الغربي منظورًا إليه عبر الأنا .. أوروبا وأمريكا مسرحًا للإبداع الأدبي السعودي
لم يكن في تصورات الأديب السعودي قبل عقود أن يلامس التجربة الغربية بشكل كثيف، وأن تصبح أوروبا وأمريكا مسرحا لأحداث رواياته وأعماله الأدبية المتنوعة شعرا ونثرا، حيث ركز المبدعون السعوديون في البدايات الأدبية على تمثل الجغرافيا العربية واستلهاماتها ، فجاءت قصائد حمزة شحاتة معبرة عن القاهرة والنيل، وبعض تفاصيل الحياة المصرية خاصة مع إقامته سنوات طويلة بالقاهرة، وبعدها بعقود تجلت قصائد الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة عن القاهرة وبيروت والدار البيضاء ، وغيرها من القصائد التي كتبها الشعراء السعوديون عن عدد من البلاد العربية سواء التي زاروها أو أقاموا بها ، وتجلى أيضا في بعض روايات إبراهيم الناصر الحميدان وعبدالرحمن منيف وغازي القصيبي بروايته الشهيرة: شقة الحرية التي دارت أحداثها بالقاهرة، ورواية ( أوبرا 40) لأحمد الصانع التي دارت أحداثها ما بين الرياض وبغداد ، واستمرت رؤية الأدباء السعوديين في سرد الأحداث الروائية والأدبية في العواصم العربية كما نرى في روايات الأديب عبدالرحمن الجهني : ( سعودي في بيروت 1955) وأيضا روايته : ( سعودي في المغرب).
نقلة نوعية :
ومن الأعمال الأدبية السعودية التي استلهمت المساحات الأوروبية والغربية كمسرح لأحداثها وتفاصيلها وسرداتها كتاب الأديب عبدالله بن صالح الجمعة كتاب: ( حكايا سعودي في أوروبا) وهو يندرج في مجال أدب الرحلات، بسرداته وفصوله ومواقفه ومشاهده حيث تعرض الكاتب الجمعة لجملة من المواقف والمغامرات التي وثقها في كتابه هذا. فمن ضياع في غابة في إنجلترا، مروراً برحلة بحرية في بحر البلطيق ثم اليونان، حتى البحث عن صاحبة رسالة منسية في كتاب قديم، وغيرها من الحكايا المتنوعة التي كانت أوروبا مسرحا لأحداثها.
وفي رواية : ( في ديسمبر تنتهي كل الأحلام) للكاتبة أثير النشمي تتطرق الرواية لقصة كاتب سعودي ترك كل شيء وراءه وسافر إلى لندن في بريطانيا عقب رفض عائلته زواجه من التي اختارها قلبه، وفي الغربة يسترجع الكاتب ماضيه وأحزانه وحنينه إلى وطنه.
شرق وغرب:
ويكتب محمد حسن علوان رواية تدور بعض أحداثها بأوروبا وهي رواية ( القندس) كما يكتب الدكتور تركي الحمد رواية بعنوان ( شرق الوادي) ، وتقدم الروايات منظورها السردي للآخر الغربي ورؤية الأنا له ، فيما يعبر الكاتب أحمد بن سعد أبو حيمد عن رؤيته للندن من خلال كتابه : ( نحو المجهول: يوميات طالب سعودي في لندن) .
وتتناول رواية (رقص) للدكتور معجب الزهراني تفاعل الأنا العربية مع الآخر الغربي ، أما رواية البدوي الصغير لمقبول العلوي فإنها تتناول الصراع الثقافي بين الشرق والغرب، وهي الرؤية التي حملتها رواية الكاتب السوداني الطيب صالح ( موسم الهجرة للشمال) ورواية الكاتب المصري توفيق الحكيم : ( عصفور من الشرق) ورواية الكاتب اللبناني سهيل إدريس : (الحي اللاتيني.(
كما أصدر الكاتب السعودي عودة الحويطي رواية : ( سعوديون مبتعثون) حيث يسافر طالبان سعوديان في بعثة إلى أمريكا وتبدأ رحلة التعليم مقابل رحلة الغربة، ونشوء مجتمعات طلابية من المبتعثين السعوديين، حيث فتحت مرحلة الابتعاث العلمي بالمملكة التي ازدادت بشكل كثيف في السنوات الأخيرة مجتمعات ومساحات للمبتعثين قابلة للاستلهام الإبداعي الشعري والسردي، وهو الأمر المنعكس دراميا في رواية إبراهيم الربيعة ( سعودي مونتانا) وفيها صراع إنساني ما بين الشرق والغرب، بين أب سعودي وأم أمريكية حول حضانة بطل الرواية السعودي لأبنائه، وهي رواية مؤرقة وتطرح أسئلة كثيرة حول العلاقة ما بين الشرق والغرب.
وقد شكلت الروايات السعودية، وكتب الرحلات واليوميات نقلة نوعية في الإبداع السعودي ورؤية المبدعين السعوديين للغرب، بتوسيع مساحات الأمكنة التي تجري فيها أحداث القصص والروايات وأدبيات الكتابة المعاصرة عند المبدع السعودي.

