مّكة المكّرمة.. ودلالة أسمائها عبر التاريخ
د.وليد مشوّح
أخذت مكة خصوصيتها الوجودية لا من كونها بقعة جغرافية من البقاع المنتشرة من أرجاء الكرة الأرضية؛ بل للمعنى التاريخي الذي استمدته من قيام البيت العتيق فوق ترابها الذي تطّهر به، وكان بين موطن البيت وبين أبي الأنبياء إبراهيم الخليل تفاعًلا مستمرًا وجاذبية وتساوقًا بين المكان والمعنى.
لقد بدأ التساوق بدعاء إبراهيم عليه السلام إلى ربه، أن يتَّم على هذه البقعة الطاهرة نعمته بالأمن والسلام والاستقرار لتكون موئل الأفئدة ومهوى جوهر الإنسان. وجاء قول الله تعالى في كتابه الكريم: {َوِإْذَقاَلِ إْبَراِهيُمَ رِّب اْجَعْلَٰ هَذا اْلَبَلَد آِمًنا َواْجُنْبِني َوَبِنَّيَ أنَّ نْعُبَد اَْلأْصَناَم (35)َ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم (36)َّرَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون}.[إبراهيم:35-37].
وقد ظّلت مكة المكرمة هي العاصمة الدينية والثقافية والاجتماعية لجميع المسلمين في كل زمان ومكان، وهي مهوى أفئدتهم، كما هي مستقر وحدتهم، ومجمع أخوتهم، وهي عاصمة الإسلام بمعطياته الروحية والوجدانية كلها. إذ تعّود المسلمون منذ إشراق فجر الرسالة أن يكون الحرم المّكي في موسم الحج موطنًا للقاء بين العالم والمتعلم، ومكان التلقي للمعرفة والتفقيه. وهكذا أصبح لمكة دلالة ثقافية وتاريخية، مثلما كان لها ولغيرها في كل مكان دلالات طبيعية وجغرافية واجتماعية ومادية. بيد أنها تختص بثراء دلالي روحي وديني يضاف إلى دلالتها الإنسانية والاجتماعية، ويؤسس َلها، إذ ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {ِإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين(96)فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين(97)}. [آل عمران: 96 - 97].
ولا تنفصل هذه الكينونة عما امتازت به مكة في التاريخ القديم، بفضل دلالاتها المقّدسة من مركزية ثقافية واقتصادية واجتماعية هيأت لأهلها سلطانًا معنويًا وماديًا، ما تزال أدبيات اللغة العربية قبل الإسلام تحكي دواله وشواهده. وتتواشج هذه الصورة لمكة مع معان وصور ذهنية حافلة بالأسرار والمعجزات التي تمنحها دلالات رمزية تجاوز المدلول المكاني إلى الثقافة والمعرفة، وتتخطى العقل إلى الوجدان. وبقدر ما احتشد لمكة في الوجدان والخيال والذهنية القديمة من التاريخ والمعاني والصور؛ فإن تاريخ الدين الإسلامي قد أضاف إليها معاني وصورًا وتاريخًا، وأمّدها بفيض من القيمة والدلالة التي اجتازت بها حدود دلالتها القديمة إلى الدلالة الإسلامية المشرعنة باتجاه العالم والمفتوحة على الأعراق والجغرافية الإنسانية.
أسماء مكة ودلالاتها:
جمع المعجميون واللغويون والمؤرخون ثلاثين اسمًالمكةالمكرمة،ولتنوعهذهالأسماءدلالات طبيعية وروحية ووجدانية، جاءت في ثنايا ُالشعر العربي قديمه وحديثه حسب الغرض الذي أبدعت لأجله القصيدة، وغالبية الأسماء انطلقت من معا ٍن وصفية أو طقسية أو مكانية، وقد أثبت الأستاذ الدكتور محمد السيد علي البلاسي هذه الأسماء مع شرح لدلالاتها على ترتيب حروف المعجم، وقد أحال لمستزيد إلى كتابه (أسماء مكة والمدينة في اللسان العربي).(1),
1. الآمن:
لتحريم القتال فيه.
2. الآمن:
أي الآمن، وهو من الأمن.
3. الُبرت:
وهو في لغة اليمن السكر الطبرزد.
4. البلد: ً
والبلد (مكة) تفخيما لها، كالنجم للثريا، والعود للمندل.
5. البلدة:
يقول الفيروز آبادي: البلد والبلدة «مكة» شرفها الله تعالى.
6. بكة:
على الأصح من أنها ومكة واحد، (لأن بعض القبائل العربية كانت تقلب الميم باًء).أما اشتقاقه في اللغة، فيصلح أن يكون الاسم اشتق من (الَبك)، وسميت ببكة لأنها تبّك أعناق الجبابرة.
7. البيت الحرام:
لتحريم القتال فيه.
8. البيت العتيق:
من العتق (التحرير) والعتيق القديم. «الباحث».
9.الباسّة:
(بالموحدة) كأنها تبّسس الملحد أي تحطمه وتهلكه.
10. الثنية:
ذكرها العلامة السيوطي ضمن أسماء مكة المكرمة في موسوعته (الحجج الثمينة...).
11. الحرم:
حرم مكة (ما أحاط بها إلى قريب من المواقيت).
12. الحاطمة:
لحطمها الملحد.
13. الرأس:
لأنها أشرف الأرض، كرأس الإنسان.
14. الرتاج:
(يقول الفيروز آبادي في القاموس المحيط: والرتج «محركة» الباب العظيم، بالرتاج، ككتاب، وهو الباب المغلق، وعليه باب صغير.
15. أم رحم:
لتراحم الناس، وتواصلهم فيها.
16. أم زحم:
من ازدحام الناس فيها.
17. المسجد الحرام:
ذكره السيوطي في حججه ضمن أسماء مكة.
18. صلاح:
لأن فيها صلاح الخلق أو يعمل فيها الأعمال الصالحة، وقد جاء على لسان ابن منظور في لسانالعرب:«...وصلاح من أسماء مكة، شَّرفها الله تعالى، ويجوز أن يكون من الصلح، لقوله عّز وجل في سورةالعنكبوت:(حرمًا آمنًا) ويجوز أن يكون من الصلاح».
19. طيبة:
ذكره السيوطي ضمن أسماء مكة المكرمة.
20. العرش والعريش:
بيوت مكة، لأنها كانت تكون عيدانًا تنصب، ويظلل عليها، ويضيف ابن منظور قائلًا: «والعريش والعرش مكة نفسها».
21. العطشة:
ذكره السيوطي ضمن أسماء مكة المكرمة وفي لسان العرب (العطش ضد الري...وَعِطش إلى لقائه أي اشتاق).
22. المقّدسة والقادسة:
يقول ابن منظور: (المقدس تعني المبارك، والأرض المقدسة تعني المطهرة).
23. القادس:
من التقديس على رأي السيوطي.
24. أم القرى:
كأن الأرض دحيت تحتها، وقيل كأَن أهل القرى يرجعون إليها في الدين والدنيا حجًا واعتمارًا وجوارا على رأس السيوطي. ويرى ابن منظور (كونها توسطت الأرض..) وقيل: لأنها قبلة جميع الناس يؤمونها، وقيل سميت بذلك لأنها أعظم القرى شأنًا، وفي التنزيل الشريف: {َوَما َكاَن َرُّبَكُ مْهِلَك اْلُقَرٰىَ حَّتٰىَ يْبَعَثِ فيُ أِّمَهاَ رُسوًلا} [القصص: 59].
25. القرية:
ويقول السمين الحلبيفي (عمدة الُحّفاظ في تفسير أشرف الألفاظ): جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {َوَقاُلواَلْوَلاُنِّزَل َٰهَذااْلُقْرآُن َعَلٰى َرُجٍلِّ مَن اْلَقْرَيَتْيِنَ عِظيٍم} (الزخرف:31),. والقريتان في الآية هما مكة والطائف.
26. الكعبة:
وهي من أسماء مكة على تقدير تسمية الكل بالجزء.
27. ُكوثى:
(بضم الكاف وفتح المثلثة)، باسم موضع فيها، وهي محّلة بنى عبدالدار. بينما جاءت في لسان العرب مرسومة (كوثي)، وهي أيضًا من أسماء مكة، من مادة ( كَوَث).
28. مكة:
وهو مأخوذ من تمككت العظم إذا اجتذبت مافيه من المخ، وقيل: إنها تمّك الذنوب أي تذهبها، وقيل لقلة مائها، وذلك لأنهم يمتكون الماء فيها، أي يستخرجونه، وقيل: سميت مكة لأنها كانت تمك من ظلم فيها وألحد، أي تهلكه. ويقول الخطيب الإسكافي في مختصر كتاب العين: سميت مكة لأنها وسط الأرض (كالمخ) الذي هو أفضل ما في العظم.
29. مكوربا:
هذا وذكر أحمد السباعي في كتابه تاريخ مكة، أنه نقل عن بطليموس أن اسمها: (مكوربا) وهو مشتق من الاسم السبئي (مكوارابا) ومعناه مقدس أو حرم.
30. النساسة:
(بالنون ومهملتين)، لقلة مائها، يقول الزمخشري وينقله السيوطي: (نست دابتك، أي يبست من العطش) وقيل لمكة الناسة والنساسة، لجدبها ويبسها.(2)
وهكذا رأينا في تعدد أسماء مكة المكرمة دلالات طبيعية، ودلالات معنوية، ودلالات إيمانية أما الدلالات الجغرافية التاريخية فتكمن في موقعها وسط الأرض، أما التاريخية فلكونها أقدم حاضرات الدنيا، وأشملها طقسًا، وأكثرها حراكًا. ولابد هنا من التنويه بأن بعض أوسامها جاء بأبعاده الإحساسية الطقسية كلها، والمتمثل بالكعبة المشرفة أقدم رصف حجري، وأول شكل معماري في العالم، وأقدم معنى طقوسي كما جاء في التفاصيل التاريخية المغرقة في القدم.
لقد ورد اسم مكة في الشعر العربي منذ عصره الجاهلي، وكان موضوع اسمها في الكثير من قصائد العصر الجاهلي وما تلاه من عصور شعرية إنمايعبرعنوعيتاريخي،ولمكةأبعاٌدكثيرة، تاريخية، إنسانية، اقتصادية، اجتماعية، عقائدية، عقيدية، وظلت هذه الأبعاد تتجلى في الشعر العربي منذ أقدم عصوره حتى يومنا هذا، كما بقيت هذه التجليات، تصدر عن ذات مبدعة، بيد أنها تفاوتت في البعدين الفني والنفسي، ويظهرهذا التفاوت جليًا في زمانية العصر الشعري الذي تناول مكة. لذا حفل الشعر العربي برموز المكان وصوره منذ القديم، وتناثرت فيه الإشارة إلى أعلام مكانية وموضوعية، وبدا تقّصًيا لأشياء وتفاصيلها الحسّية وعلاقاتها وجها من وجوه الحاّسة المكانية في الوعي الإنساني، واقترن ذلك بمعان عميقة تتجاوز الدلالة على المكان في ذاته إلى الدلالة على الوجود الإنساني، وهو يتأمل وحدته وغربته، أو يحّن إلى الماضي ويتذكرالأنس والدعة والألفة، أو يقلق من علامات الإمحال والعدم والجفاف، أو يرجو من الله الخير والخصوبة، ويتطلع إلى الطمأنينة والأمن والأمان.
المصادر:
باحث وأكاديمي سوري. (1),
مجلة التاريخ العربي، د.محمد السيد علي بلاسي، جامعة الأزهر، العدد (32)، خريف 1425هـ/ 2004م، ص 220.
(21), (أسماء مكة والمدينة في اللسان العربي)، د. محمد السيد علي البلاسي، دار الولاء للتراث، ط1، 2003.

